الفصل 51. من التشخيصات الخاطئة والرسائل
بعد ما خلصت الإجازة الصيفية، الخريف لقى أليسيا و وليام رجعوا لـ قاعة هاردويك، اللي كانت قريبة من تشاتسورث اللي بيحبوه. قعدة بسيطة في الريف هتسبق رجوعهم لـ باث، مدينة بتنفجر، من غير شك، بأحدث القيل والقال. الهمسات، طبعاً، كانت بتدور حوالين نابليون. ما بين 16 و 19 أكتوبر، الإمبراطور عانى من هزيمة مدوية في لايبزيغ. القوات المتحالفة، زي المد، أجبرته على تراجع غير لائق لـ باريس، حلفاؤه السابقين سابوه زي الفيران من السفينة الغرقانة. مصيره، زي ما يبدو، اتقفل خلاص.
أليسيا، على أي حال، لقت نفسها في حالة غريبة شوية. شهيتها قلت، نعاس مستمر كان لازق فيها، و تعب عام سيطر على مزاجها. ما عدا الزيارات اللي بتحصل من صحابها المقربين، كانت بتعيش لوحدها في الأغلب، حماسة الحياة بتاعتها اللي متعودة عليها اختفت من غير سبب. كانت، بكلمة، هشة، و كانت بتشتهي الصحوبية. وليام، اللي دايماً منتبه، خصص جزء كبير من وقته ليها.
حافظ على هدوءه، فاهم إن أي عرض قلق من بره مش هيعمل غير إنه يفاقم حالة أليسيا. كافنديش، لحسن الحظ، عنده إحساس متزن في الأمور دي. كان عنده شك، إحساس بيقرّ، كان بيخليه يكشر في وشه شوية لما بيكون بعيد عن مراته.
أليسيا فوتت دوراتها الشهرية لمدة شهرين، و ده شيء خلا الدكتور يزورها. بعد... فحص دقيق شوية، بيشمل فحص البول، خلطه بالخمر، ملاحظات على بؤبؤ عينها، و لمس بطنها – طرق كان كافنديش بيشوفها بشك صحي – الدكتور أعلن إنها غالباً حامل. الأعراض، زي ما نطق، كانت أوضح بكتير من اللي ظهرت عندها قبل سنة، بعد جوازهم بفترة قصيرة.
"أليسيا،" بدأ، و هو داخل أوضتهم.
كانت نايمة في السرير، لابسة قميص النوم، بشرتها شاحبة شوية. بصت في عينه و هزت راسها. "أنا عارفة،" همهمت.
كافنديش عبر الأوضة و مسك إيدها. كان لازم يسيطر على مشاعره، لكن موجة من القلق، من حزن عميق، غرقته، بالذات لما شافها في الحالة دي. "أنا...،" تلعثم، و هو بيبوس ظهر إيدها، "أنا فرحان." إحساس غريب من اللا واقعية غطاه. عالمهم، ثنائيتهم اللي بنوها بحذر، كانت على وشك إنها تتحول بوصول حياة جديدة، كائن صغير هيظهر بعد نص سنة بالظبط.
أليسيا لفت راسها، عنيها بتبص لتحت. بعد كلام طويل من القلب، استسلمت للموقف. طفل، قررت، ممكن ميكونش مش مرحب بيه تماماً، بالرغم من شكاويها الكتيرة من الإرهاق.
الخبر اتنشر بسرعة لـ العيلة و الأصحاب. دوق و دوقة ديفونشاير، اللي نقدر نفهمهم، أسرعوا على هاردويك، فرحتهم ممزوجة بتحت طفيف من القلق اللي لا يمكن إنكاره. الشرط في اتفاق ما قبل الزواج، اللي كان بيمثل خطر بعيد، دلوقتي ظهر كبير، و هو بيرمي بضلال خوف على الكل. العمة هارييت، اللي بيتها الريفي كان جوه ممتلكات الدوق الواسعة، وصلت بسرعة عشان توفر الراحة و الصحوبية لـ بنت أخوها. جد أليسيا، ماركيز ستافورد، ابتدى رحلة جنوباً بالعربة. أهل كافنديش، كمان، قطعوا إجازتهم في باث. قاعة هاردويك، اللي كانت في يوم من الأيام جنة من السكينة، فجأة زحمت بالزوار.
جوابات، طوفان حقيقي منها، اتصب، مليان بالبركة و استفسارات لا تحصى. الزوجين، زي ما يبدو، كانوا خلاص كملوا آخر قطعة من لغز جوازهم، بعد سنة من فرحهم. الناس اللي في مركز الزوبعة دي، على أي حال، مكانوش بخير قوي.
كان عندها بس تمنتاشر سنة. هو، في الوقت ده، كان بيكسر دماغه، بيحاول يفهم إيه اللي فشل في وسائل منع الحمل بتاعتهم. كانوا مهتمين أوي، دقيقين أوي.
رد الدكتور مأكدش. ناس صغيرة، زي ما شرح، عندهم... حيوية معينة. الحاجات دي طبيعية تماماً، و حتى الاحتياطات الأكثر حرصاً مش معصومة من الخطأ.
كافنديش لقى إن النوم صعب، بيمشي في حدود أوضته طول الليالي الطويلة. الحمل، زي ما عرف، محتاج راحة كافية، و هو كان مصمم إنه يوفر لأليسيا المساحة اللي محتاجاها، حتى لو كانت بتحب وجوده. كانوا بيشاركوا السرير، طبعاً. بس كان بيقوم كل يوم الصبح بأقصى حرص، عشان ميزعجش نومها، و بيسمح لها إنها تسرق كام ساعة زيادة من الراحة.
شهيتها فضلت قليلة، بالرغم من مجهودات أحسن الأطباء في لندن، اللي الدوق استدعاهم عشان يهتموا بكل احتياجات الكونتيسة الصغيرة، و يوصفوا حالتها بدقة.
"إيه اللي مزعلك، يا حبيبتي؟" أليسيا سألت، و صوتها ناعم. حتى محاولات كافنديش الشجاعة في المزاح مكنتش بتقدر تخبي قلقه الداخلي من نظرتها الواعية.
بالنسبة لفشل مجهوداتهم في منع الحمل، فضلت هادية بشكل ملحوظ. ما عدا إزعاج بسيط من احتياجها المتزايد للنوم، اللي قلل فرصها في الخروج، قضت أغلب وقتها جوه البيت. بس وجود عيلتها وفر لها العزاء و الراحة.
قعد على السجادة، ودانه على بطنها، بيحاول يسمع رفرفة ضعيفة لقلب صغير، بالرغم من إن الدكتور لسه ما قدرش يكتشف ضربات قلب الجنين. كان بدري أوي، زي ما اتقال له. بطنها فضلت ناعمة و مسطحة، و هو ساعات كان بيتفاجئ، و هو بيمسها، من مجرد استحالة كل ده.
ليه؟ ليه ده حصل؟
رفع راسه، عنيه الزرقا محاطة برموش طويلة و غامقة. مكدبش. كان بيتمسح في أليسيا، جنب شغل الإبرة بتاعها – كانت بتعمل هدوم صغيرة لـ طفلهم اللي لسه ما اتولدش – و هو بيصب قلبه.
كانوا بيقلبوا مجلات، و بيتكلموا عن الحاجات الكتيرة اللي محتاجينها عشان الولادة اللي هتحصل قريب: مربية، مربية أطفال، ممرضات، معلمة. أليسيا، بتمشي على خطوات وجدتها، أمها، و عمتها، كانت مصممة إنها ترعى طفلها بنفسها. أغلب الستات الأرستقراطيات، طبعاً، كانوا بيخلوا المهمات دي للخدم. كافنديش، مصمم في التزامه بالأبوة، وعد إنه يتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية، و بيضمن إن أليسيا عندها وقت كافي إنها تسعى ورا اهتماماتها.
من خلال المناقشات الصادقة دي، زي ما يبدو إنهم بيجهزوا نفسهم لأدوار الأم و الأب.
"فاكرة الليدي ستانوب؟" سأل.
"أيوه،" ردت.
فريدريكا، أكبر بنات إيرل مانسفيلد، اتجوزت الابن الأصغر لـ إيرل ستانوب. اتحاد مبارك بسعادة غير عادية.
بس حياتها كانت انتهت بشكل مأساوي، بعد جوازهم بتلات سنين بس. قبل الولادة، كان من المعتاد إن الستات يكتبوا جوابات لأزواجهم، ولادهم، أهلهم، و الناس اللي بيحبوهم. فريدريكا، في نبرة خفيفة بشكل ملحوظ، طلبت من جوزها، لو هي استسلمت لأخطار الولادة، إنه يتجوز تاني عشان سعادته هو. كانت تفضل إنها تشوفه جنب مرات جديدة عن إنه يقضي حياته في حضن العشاق.
كلماتها، للأسف، اثبتت إنها نبوية.
شغلها كان خالي من التعقيدات، يبدو إنه سهل. بس بعد كده على طول، حمى غاضبة أخدتها، و في خلال تلات أيام، راحت.
الكولونيل ستانوب، اللي حزنه دمره، حاول إنه يكرم أمنية مراته الأخيرة، إنه يعيش حياة كاملة. بس، بعد سنتين، في حالة من اليأس العميق، خد حياته شنقاً.
الانتحار، تعدي على مبادئ الدين، غالباً بينتج عنه تدنيس الجثة، وضع وتد في القلب قبل الدفن. عشان يحافظ على كرامة المتوفي و يسمح بالدفن في القبر العائلي، المحاكم غالباً كانت بتحكم على الوفيات دي إنها نتيجة جنون مؤقت. الانتحار، في النهاية، بيحمل وصمة عار كبيرة، و بيبوظ سمعة الراحل.
أليسيا فهمته. كانت دايماً بتفهمه.
الحالات دي، بشكل مأساوي، مش نادرة. الليدي ديرهورست، متجوزة لمدة تمنتاشر شهر بس. الليدي ميلدماي، متجوزة لمدة سنة بس. الاتنين ماتوا في الولادة، في سن 22 سنة.
"صامويل روميلي،" همهم، و الاسم تقيل بالحزن. محامي و قاضي محترم.
وليام كافنديش بص عليها لفوق، و وشها مغطى بنور خافت من نور اللمبة، بينشر جمال هادئ.
"بعد موت مراته، رفض كل الأكل لمدة أربع أيام، لا بياكل و لا بيشرب، و تبعها في حضن الموت. اتدفنوا مع بعض."
الحادثة سببت قلق كبير في الوقت ده.
"لو متي، هموت،" همس، و الكلام بالكاد مسموع.
أليسيا بصت في عينه، عنيها مليانة بالفهم. ما كانش عندها شك إنه كان بيقصد كل كلمة.
"أينما كنت، سأكون بجانبك. مهما كان، سأكون معاك، أليسيا."
"من اللحظة اللي اتولدتي فيها، كنا مقدرين إننا نكون مع بعض."
هيتبعها، زي ما جيمس ستانوب و صامويل روميلي تبعوا مراتهم اللي بيحبوها. مكنش يقدر يستحمل إنه يخسرها.
"مش ممكن أتصور عواقب خسارتك."
"هل لازم أعمل نفس الشيء؟" أليسيا سألت بهدوء.
دموع ظهرت في عنيه، و هي بترسم طريق على خدوده. تعبير وشه كان خليط من الحزن و ابتسامة خافتة، حزينة شوية.
"بالتأكيد لأ. لازم تعيشي،" أصر، و هو بيمس خدها. "أنتِ صغيرة أوي، أليسيا. حياتك ممتدة قدامك، طريق طويل و متعرج."
"مهما حصل لي، لازم تكملي عيش. ممكن يبدو إن ده مش عدل، بس بتوسل إليكِ، أليسيا."
"أنا بوعد،" همست، و صوتها مليان بقناعة.
مسحت دموعه برقة.
وليام كافنديش، دايماً سيد مشاعره، عدل نفسه بسرعة. مكنش يقدر يغرق في اليأس، عشان ميفجرش رد فعل مشابه عند مراته.
مع بعض، كتبوا جوابات، و هم بيقروا باحتمالية المصيبة، و بيجهزوا نفسهم لـ المستقبل اللي مش مؤكد.
"يا حبيبتي، ما عنديش الشجاعة إني أودعك. الكلمات دي ببساطة مستحيلة."
ربت على رقبتها، لمسته كان ناعم و طويل.
في الليلة دي، كانوا نايمين جنب بعض، صوابع رجليهم بتلمس.
بعد الفيضان ده من المشاعر، كافنديش مظهرش أي علامات من قلقه السابق. رتب كل حاجة بدقة، و بيضمن إن كل الاحتمالات كانت في الحسبان.
بعد شهرين من الشك المؤلم، ظهر إن ده كله كان إنذار كاذب.
أليسيا عانت من نزيف، و بعد ما استبعدت الإجهاض، الدكتور، لدهشته، فهم إن تشخيصه الأول كان غلطان.
مكنتش حامل.
العيلة و الأصحاب، خايفين إن الكونتيسة الصغيرة تكون يائسة، وصلوا الأخبار بعناية، و بيوفروا كلمات تعزية.
الموقف أخد منعطف درامي.
"هل أنتِ خايبة الأمل؟" وليام كافنديش سأل، و صوته مليان بقلق. مكنش حاسس بفرحة. مشاعره كانت متلخبطة، نسيج معقد من الراحة و القلق اللي لسه موجود. كان خايف إنها تكون زعلانة.
أليسيا هزت راسها. حست... كويسة.
المحنة دي، نعمة في شكل بلية، قربتهم لبعض، و صنعت رابطة أعمق بين قلوبهم. كانوا بيقدروا كل لحظة ثمينة.
بس بعد التجربة الصعبة دي، قرروا إنهم يسيبوا الطبيعة تاخد مجراها.
حسوا إنهم مجهزين أحسن إنهم يتعاملوا مع أي شيء المستقبل شايله.
وسط الزحمة دي من المشاعر، الشتا نزل، و لقوا العزاء في ذراعات بعض، و لمسته بتدفىء قلبها كله.
موسم الاحتفالات عدى، و بعده السنة الجديدة، و أخيراً، الربيع وصل، و هو جايب معاه إحساس بالتجديد.
أخيراً، الغبار استقر.
في 31 مارس، 1814، القوات المتحالفة مشيت منتصرة لباريس. في 11 أبريل، نابليون استسلم من غير شروط. في 13 أبريل، في قصر فونتينبلو، وقع على وثيقة التنازل، و انتهت فترة حكمه، و اتنفى لـ إلبا.
الأمة كلها في إنجلترا انفجرت في احتفال بهيج. الشوارع و الحدائق طفحت بالاحتفالات و المراسم، مزينة بأعلام نابضة بالحياة.
الحرب انتهت! السلام، اللي استنوه كتير، وصل أخيراً.
القوى المتحالفة، على أي حال، لسه بتواجه فترة طويلة من التفاوض، بتتخانق على مصالحهم المختلفة، و بتحدد مصير الإمبراطور المخلوع و مستقبل فرنسا.
بريطانيا، بطبيعة الحال، كانت حريصة إنها تمنع روسيا إنها تكسب سيطرة مش مستحقة، و كانت بتحاول تحافظ على توازن القوى مع النمسا و بروسيا، و تعيد رسم خريطة أوروبا و أراضيها فيما وراء البحار.
في مايو 1814، فيكونت ويلينجتون رجع لـ إنجلترا، و هو بيُستقبل كبطل. اترقى لـ رتبة دوق ويلينجتون، و أُعطي وسام الرباط المرموق، و البرلمان، في تصويت بالإجماع، منحه مبلغ مذهل من 500,000 جنيه.
مكانة عيلة ويليسلي ارتفعت لأبعاد غير مسبوقة.
دوق ويلينجتون عمل أول ظهور علني له في دار الأوبرا الملكية، كوفنت جاردن. المسرح كان مليان عن آخره، الجمهور كان متحمس إنه يشوف نظرة على بطل الحرب المحتفى به.
الدوق شرف صندوق عيلة كافنديش، و هو بيتكلم بود مع الدوق و الدوقة، و كمان أليسيا و وليام.
عبر عن امتنانه لـ دوق ديفونشاير على دعمه اللي ما بيتزعزعش خلال حملة شبه الجزيرة، صداقتهم طويلة الأمد. و كمان كان بيحترم الليدي ديانا، و هو كان معجب بيها من زمان. الدوق مكنش معجب خالص بابن أخوه، بول-ويليسلي، بس عداوة وليام كافنديش معاه من طرف واحد خلال وقتهم في البعثة الدبلوماسية، بعيد عن إنه يسبب إهانة، كسب مديحه. في النهاية، كافنديش، من سن 16 أو 17 سنة، خدم كمساعد عسكري لدوق ويلينجتون نفسه.
القيصر ألكسندر الأول من روسيا و الملك لويس التمنتاشر من سلالة بوربون اللي تم ترميمها زاروا إنجلترا، و كارلتون هاوس استضاف سلسلة لا نهاية لها من التجمعات الفخمة.
الرجلين الكبار باسوا إيد أليسيا، و هم بيمطروها بمديح من غير حدود.
ألمكس، بفضل وجود مرات السفير الروسي، دوروثيا ليفين، استمتع بمكانة مفيش زيها.
أليسيا، عضو بارز في النادي، كانت عندها مكانة من تأثير كبير، بتجذب الانتباه و الإعجاب أينما ذهبت.
باختصار، ربيع 1814 كشف عن نفسه بطريقة مبهرجة بشكل ملحوظ. بعد احتفال كبير في هايد بارك، بيعرض بالونات هواء ساخن و معركة بحرية وهمية، وليام كافنديش وافق على دعوة إنه ينضم لبعثة فيكونت كاستلريغ الدبلوماسية، و هو بيرافق دوق ويلينجتون لباريس عشان يحدد نظام ما بعد الحرب جنب سفراء القوى العظمى التانية.
كافنديش كان فرحان أوي باحتمالية إنه يحقق وعده لمراته، جولة في أوروبا.
بس، زي ما بتعمل الأقدار، أُصيب جد أليسيا، ماركيز ستافورد، بالمرض.
بعد تفكير بعناية، اختارت إنها تفضل جنبه.
ودعوا بعض في دوفر.
"أنا مش رايح،" وليام كافنديش أعلن فجأة، و هو ممسوك بموجة مفاجئة من الندم.
"متخرفش،" أليسيا وبخته برفق، و هي بتزرع بوسة على خده. "هروح لك في خلال تلات شهور."
إيد في إيد، وقفوا، مترددين إنهم يفترقوا، و بيتعهدوا إنهم يكتبوا لبعض من غير فشل.
وقفت على منحدرات دوفر البيضاء، فساتينها بتطير في الهوا، و هي بتلوح بإيدها في الوداع. كافنديش شافها من بعيد، و قلبه تقيل بالشوق.
على الشط المقابل للقناة الإنجليزية، في يوم صافي، الواحد تقريباً ممكن يلاحظ الخطوط الضعيفة لـ المنحدرات دي بالظبط.
هتوحشه أوي.
فراغ الانفصال كان فجوة مستحيل إنها تتملي، حتى بتبادل الجوابات اليومية. أليسيا كانت بتخليه على علم بحالة جدها.
كافنديش ارتاح لما عرف إن الموقف مش خطير، لأنه كان خايف إن أليسيا تكون منكسرة غير كده.
و في اللحظة دي، مكنش ممكن يكون موجود عشان يريحها.
صحة ماركيز ستافورد اتحسنت تدريجياً، شفاء ملحوظ بالنظر لـ سنّه المتقدم.
غادر في آخر شهر يونيو، و أليسيا، و هي على قد كلمتها، وصلت لـ باريس بعد تلات شهور عشان تزوره.
سكنوا في فندق على الشانزليزيه، و بياخدوا نزهات يومية، و بيحضروا عروض في أوبرا باريس، و بيزوروا متحف اللوفر، و بياخدوا جولات بالعربيات لقصر فرساي، و بيشوفوا معالم السياحة و بيستمتعوا بالجمال الخريفي.
بعد الحرب، عدد كبير من السياح البريطانيين راحوا لباريس، و مابقوش محصورين في شواطئهم، و خطواتهم دلوقتي بترسم مسارات عبر القارة. علاوة على كده، سعر الصرف، و الجنيه بيجيب 25 فرنك، خلى تكلفة المعيشة في باريس أقل بكتير منها في لندن.
عدد كبير من الأرستقراطيين اللي بيواجهوا صعوبات مالية، حتى على حافة الإفلاس، انتقلوا لباريس، و بروكسل، و مدن قارية تانية.
بس للأسف، بعد إقامة لمدة شهرين، في سبتمبر، البعثة الدبلوماسية كانت هتغادر لفيينا عشان تحضر المؤتمر.
أليسيا اشتاقت إنها ترجع لإنجلترا، و تكون مع عيلتها. كانت بتقلق على طول حوالين جدها.
السفر كان مش مريح، و الراجل المسن مخرجش من إنجلترا. مناخ جنوب فرنسا ربما يكون مناسب أكتر لـ تعافيه.
خططت إنها ترافقه لأوروبا السنة اللي بعديها، لما صحته تتحسن أكتر.
وليام كافنديش، بالرغم من إن قلبه مكسور، مكنش يقدر إلا إنه يودع مراته. أليسيا مكنتش هتسمح له إنه يسيب واجباته الدبلوماسية عشان يرافقها. كسكرتير رئيسي و عضو أساسي في البعثة، كان بيلعب دور حيوي في المفاوضات.
"كل واحد فينا عنده مسؤولياته،" ذكرته.
باست خده. واحد فضل في الريف الإنجليزي، و التاني في فيينا. انفصالهم زاد أكتر، و تبادل الخطابات بقى أصعب.
كافنديش كتب جوابات حب كتير، و هو بيزين أسفل كل صفحة برسومات غريبة لكلاب صغيرة.
"أنا ملكك، يا حبيبتي، و هحلم بيكي كل ليلة."
ردود أليسيا، بالرغم من إنها كانت أقل تدفقاً، كانت مليانة بالحنان الهادئ.
"أنا بوحشك أوي كمان. النهاردة، و أنا برتب حاجاتك، اكتشفتي بنفسج مضغوط في جيبك."
اتفقوا إنهم يرجعوا يلتقوا في الربيع، لما الشتا يكون عدى. مؤتمر فيينا كان بيثبت إنه عمل طويل، غالباً هيدوم لمدة ست شهور على الأقل.
السفر في الشتا كان صعب، بس وليام كافنديش توسل ليها إنها تزوره أول ما التلج يذوب.
كانوا منفصلين لمدة أربع شهور طويلة، و كان بيوحشها أوي، و لياليه غالباً كانت من غير نوم.
وسوس لها بوصف الكور الكتيرة اللي بتتعمل في محكمة فيينا، اللي فيها الكل بيرقص وولتز و رقصات تانية، زي البولونيز.
هي، أكد لها، من غير شك هتكون أكتر سيدة مبهرة في الحضور.
الولتز كان دخل إنجلترا أخيراً السنة اللي فاتت، بفضل مجهودات الأمير الوصي و ألمكس، بالرغم من إنه لسه مكنش بيرقص على نطاق واسع، و كان محصور بشكل أساسي في التجمعات الخاصة.
"أنا بشتاق لك أوي. ليه مش هتيجي لي؟" تمنى بلعب.
بس لسه حذرها إنها تستنى لما الشتا يعدي، عشان رحلة طويلة في الظروف القاسية دي ممكن بسهولة تؤدي لـ برودة.
أليسيا كتبت له، و هي بتخبره إنها هتوصل لأوروبا في أبريل، و معاها جدها. ماركيز ستافورد كان بيخدم كسفير لفرنسا في الماضي، و هو و مراته سافروا كتير عبر القارة. و كان عايز يعيد زيارة الأماكن دي اللي يعرفها.
وليام كافنديش كان بيترقب لقائهم.
بس مجرى الأحداث، زي ما بتعمل غالباً، أخد منعطف غير متوقع.
في 26 فبراير، 1815، نابليون هرب من إلبا، و هو بيبعت صدمات كهربائية عبر أوروبا.
في أوائل مارس، نزل في جنوب فرنسا. في الأول، الجرايد كانت مليانة بالسخرية، بس في خلال 12 يوم، وصل لباريس، و هو بينجح في استعادة حكمه.
الرعب مسك بالقارة.
جريدة باريس، Le Moniteur Universel، نشرت سلسلة من التقارير اللي بتوصف الأحداث بالتفصيل. (جريدة فرنسية)
و بالتالي، أليسيا فقدت الاتصال بـ وليام كافنديش.
التعطيلات دي كانت شائعة وسط الفوضى اللي بتغرق أوروبا.
نابليون كان بيجمع جيشه، و السياح البريطانيين، اللي كانوا في إجازة في القارة، كانوا بيتسابقوا إنهم يشتروا تذكرة على السفن المتجهة للوطن.
جواباته الأولى عبرت عن درجة من القلق، اللي اتعمقت تدريجياً. في آخر جواب، كان موجهها إنها تفضل في إنجلترا في أبريل، و إنه كمان هيرجع قريب.
"متخافيش على سلامتي، يا حبيبتي."
بس بعد كده، صمت. مجاش أي جوابات تانية.
دوقة ديفونشاير عزّت بنتها، "دي مجرد تعطيل في التواصل. وليام مع البعثة الدبلوماسية؛ هيكون بأمان."
أليسيا عبّست.
"بس هو في باريس."
كان تم نقله من فيينا في فبراير، و أعيد تعيينه لبعثة الدبلوماسية البريطانية في فرنسا، عشان... عشان يكون قادر إنه يرحب بيها و بجدها عند وصولهم لأوروبا.
دوقة ديفونشاير لاحظت إن بنتها قامت على رجليها.
وشها، اللي كان شبابي، كان منقوش عليه تصميم. "أنا رايحة أدوره،" أعلنت.
كانت أخدت قرار.
الغريزة الأولى لأي أب، بطبيعة الحال، هتكون الاعتراض. حتى أهل إيرل بيرلينجتون عبروا عن عدم موافقتهم.
بس أليسيا أقنعتهم بسرعة.
الدوق وافق، و هو بيبعت ضباط من الكتيبة بتاعته عشان يرافقوها. أليسيا صعدت على سفينة في دوفر، و هي بتبحر لـ القارة.
باريس سقطت، و المقيمين الأجانب السابقين كانوا بيهربوا لبلجيكا، و أغلبهم متجه لـ لوفين، و بعد كده على بروكسل، اللي هيوقفوا فيها قبل ما يكملوا للمواني عشان يرجعوا لإنجلترا.
أليسيا، على أي حال، كانت بتسافر في الاتجاه المعاكس.
ركبت في عربية على الطريق الرئيسي، و خادمها جنبها، و هو بيسأل بجدية عن مكان البعثة الدبلوماسية البريطانية.
سجلت ملاحظاتها بدقة، و هي بتكشر في حواجبها بتركيز.
اليوم الأول ما جابش أي أخبار.
اليوم التاني، عرفت إنهم، زي ما بيتقال، بيتراجعوا لبروكسل مع الجيش.
أليسيا سكنت في نزل محلي، و هي بتسرح شعرها، و بتركب البونيه بتاعها بعناية، و بتأخد القيادة على الحصان، و هي بتمشي ببراعة في الحشود المزدحمة.
كانت بتدور عليه.
اتبعت كل معلومة، و هي بتلاحظ كل شيء حواليها.
أخيراً، وسط الفوضى، لاحظت شخصية لابسة عباية طويلة. كان راكب على جواد أسود رائع، و هو بيرفع مسدس، و بيصرخ أوامر بأعلى صوته، و بعدين بيضرب طلقة في الهوا عشان يحافظ على النظام.
مدنيين هاربين، و جنود مفزوعين متفرقين من دول مختلفة، كلهم بيتزاحموا مع بعض، و ده تقريباً تسبب في تدافع.
شعره كان مش متسرح، دقنه مش متقصة، و شكله مبهدل، و ده تناقض صارخ لـ مظهره المهندم.
وراه كان فيه جنود بريطانيين، لابسين زيهم الأحمر المميز، و معاهم بنادق.
عبس، و فمه نطق ما كانش فيه شك إنه سب.
لف راسه، و تجمد.
شافها.
كانوا منفصلين بمدّ المركبات و الناس الهاربين.
حصان أليسيا اتفزع، لكنها قدرت تستعيد السيطرة.
صرخ باسمها، و صوته مليان بالإلحاح، بالرغم من إنها ما قدرتش تسمعه فوق الضجيج.
كافنديش كان بيحاول يشق طريقه وسط الجموع عشان يوصلها.
هي، كمان، كانت بتعمل طريقها ناحيته، مطاردة متبادلة.
نزل من على الحصان، و وشه كان قناع من عدم التصديق و فرحة طاغية. "أليسيا!"
اتعانقوا، و أجسادهم بتتماسك مع بعض.
بعدين فهم إيه مدى وسخه، و هو متغطي بالطين و الأوساخ. رجع شوية للخلف.
وداها لمكان أكتر انعزالاً. كشط جزمتيه، و هو بيدور على كلمات، و أسلوبه كان محرج بشكل لطيف.
الجمهور المتزاحم دفعهم جانباً، و أجبرهم على إنهم يتحركوا. كافنديش حماها بحذر، و هو بينطق غريزياً سبة، "اللعنة!"
"أنا بأسف،" قال بسرعة، و هو بيلتفت لها تاني. "أنا..."
كان حلف. عمره ما كان خشن كده.
أليسيا بصت في عينيه المحتقنة بالدم. كان مرهق، تعبان تماماً، لكنه قدر إنه يستدعي ابتسامة، ابتسامة مشرقة ليها بس.
"جيت أدورك،" قالت، و كلماتها بسيطة و مباشرة.
"ده خطر،" حذرها برفق، و هو بيهز راسه. "يا بنت الأبلة."
قد إيه كانت بتدور عليه؟
الكلمات، سيل منها، في النهاية اتكثف في سؤال واحد.
"أنت كويس؟" سأل، و صوته مليان بالقلق، و هو بيمد إيده عشان يلمس وشها، بعدين بيتردد، و خايف إنه يوسخ خدها.
"جدي كويس، و بابا و ماما كويسين، الليدي ديانا و اللورد كافنديش، إيرل و كونتيسة بيرلينجتون..." أليسيا سردت قائمة من الأسماء، و هي بتمد حتى لـ حصانها و كلبها.
"كلهم كويسين،" اختتمت، و هي بتنقل تحياتهم و قلقهم.
بس، كانت أهملت إنها تذكر نفسها.
كافنديش استنى بصبر إنها تخلص، و هو بيهز راسه شوية. "لأ، أنا أقصد أنتِ كويسة؟"
أليسيا اتفاجئت للحظة، بعدين بصت في عينه. "أنا كويسة،" قالت بهدوء.
شفايقه اتووا في ابتسامة حقيقية، و أخيراً سمح لنفسه إنه يلمس وشها.
لقاها. كل شيء شافه كان حقيقي.
"أنا آسف أوي،" قال، و صوته مليان بالندم. "مجالكش جواباتي، أليسيا. خطوط التواصل من باريس لـ لوفين اتقطعت. أيوه، قلقان عليكِ. أنا آسف، أليسيا."
أليسيا هزت راسها.
مسكت إيده.
تحت كفه، حس برفرفة نبضها الرقيقة.
صعدوا على العربية.
منمش صح كويس لمدة تلات أيام و ليلتين، و قدر يعمل غفوات قصيرة بس. كان عنده خبرة في الجيش، فـ بدل ما يرافق البعثة الدبلوماسية مباشرة لبروكسل، فضل ورا عشان يحافظ على النظام.
اتكلموا، العشاق اللي اتجمعوا دول، و إيديهم متشابكة بقوة، و مش راضيين يكسروا الاتصال.
و معاها جنبه، و هو بيتنفس ريحتها الخافتة، اللي يعرفها، راح في النوم بسرعة.
صحى فجأة.
"نم؟"
"أيوه،"
فرك جبينه، علامة من التعب.
كان بالفعل غروب.
كانوا في طريقهم لبروكسل.
وليام كافنديش فجأة اتنهد.
"أنا حقيقي بشيخ،" علق، تلميح من الاستسلام في صوته. في الحقيقة، كان هيوصل لسن التلاتين قريباً.