الفصل 60: ويليام وأليسيا
آنا، البنت الرقيقة اللي عيونها ممكن تهدي أي روح متضايقة، عندها طبيعة رقيقة، كأنها من عالم تاني. كانت بتلاقي السكينة في الكتابة والتفكير الهادي، وإخواتها الكبار كان بينهم وبينها رابط أقوى من مجرد الحب. هما كمان كانوا بيحموا بعض بشدة، بيقدمولها أحلى رعاية، وعد صامت إنهم هيحموها من قسوة الدنيا. كائنة طيبة - ممكن نقول إنها كانت حساسة بزيادة - آنا في النهاية اتجوزت رفيق طفولتها، دوق أرجيل، وحياتها من بعدها بقت ملاذ مبني بعناية، حكاية خيالية من نسج عيلتها المحبة. أسلوبها في الكتابة كان فيه نفس الرقة. ومن خلال سجلاتها الدقيقة، أجيال بعدين خدت صورة كاملة، وإن كانت مثالية شوية، لعيلة كافنديش.
الصورة الأصلية لعيلة كافنديش، دليل على الحب الدائم، بدأت تزيد أعضاء مع مرور السنين، سجل مرئي لأسرتهم اللي بتكبر. حتى بعد ما أصحاب الصورة دول راحوا التاريخ، فضلت معروضة في الصالة الكبيرة، ألوانها بهتت شوية بسبب الزمن، مركز اهتمام الزوار اللي كانوا بييجوا القصر لما فتح للعامة. كانوا بيتبهروا بملامح الزوجين المميزة، عيونهم بتبص لبعض في نظرة حب عميق، إيديهم متشابكة كأنهم مبيقدرش يستحملوا فراق بعض. كان مستحيل متتردش بالزمن ورا، لغرفة الرسم الفخمة دي، من قرن فات.
واحد بيتخيل وليام، واقف قريب من أليسيا، طول القعدة اللي كأنها مش بتخلص، عينه مركزة بحب على مراته. الطلوع والنزول الهادي لرقبتها، شكلها الرقيق تحت الحراير والدانتيل الناعم، شكل راسها الممتاز، والعيون دي، الأزرق النابض بتاع سما الصيف بعد المطر. كانت بترفع عينها عشان تقابل عينيه، ابتسامة خفيفة بتلعب على شفايفها، بتنزل إيدها بلطف اللي رايحة على وسطها بحب تملكي. الأعراف والتقاليد!
بس لما الليل ييجي، الأدب ده كله بيروح. كان بيروح عليها بسرعة، بيديها بوس - على شفايفها، كتفها، صدرها؛ كان نفسه يبوس حتى صوابع رجليها، يعبد كل سنتي منها. شفايفه، لسه قوية، كانت بتلمس جفون عيونها اللي مقفولة. كان لسه عنده لياقة بدنية كويسة لحد ما وصل الأربعين، بشرته ناعمة وطرية، مع لمحة بسيطة من العرق من لقاءاتهم العاطفية. كانت بتحب الإحساس بيه، قوة دراعاته، الطريقة اللي قلبه كان بيدق فيها في نفس وقت قلبها. اللحظات الحميمة دي فضلت زي ما هي لسنين. كانوا مينفعش يفترقوا، حياتهم متداخلة بالكامل زي ما كانوا بيتمنوا، روحين مربوطين بحب بيتحدى الزمن.
فيكتوريا، من وهي صغيرة، كانت بنت ليها رأيها الخاص، إعصار حقيقي من الآراء. كانت بتقول، بكل صراحة، إنها مش عاجبها ألوان أوضة نومها، أو القصّة المعينة لفستان، وبتصر إن الحاجات تكون بالظبط زي ما بتحبها.
وليام، اللي كان دايما بيتبسط من كلام بنته المليان روح، كان دايما بيهزر، "يا حبيبتي، إنتي بالظبط زي مامتك."
فيكتوريا الصغيرة، وإيديها على وسطها، كانت بترد بكل الغضب اللي ممكن طفل عنده عشر سنين يطلعوا، "أنا مش زي حد! أنا شخص."
"أه، أه، أكيد إنتي كده، يا آنسة صغيرة يا حبيبتي،" وليام كان بيقر، بنظرة مرحة في عينه، ومبسوط تماما بجرأتها.
كانت بتحب المسرحيات الهواة، وبتنبسط إنها تلبس لبس ولاد، وبتعلن إنها أمير وأختها الصغيرة أميرة محتاجة إنقاذ. كانت هي المنقذة، مش البنت اللي في محنة. النزعة المستقلة دي، مفيش شك إنها زادت بسبب طريقة أليسيا المنورة في تربية الأطفال.
في ضهر يوم مليان شمس، فيكتوريا وأبوها كانوا بيعملوا مبارزة وهمية بالسيوف، باستخدام أغصان متجمعة من الجناين الكبيرة. وليام، بالرغم من إنه - في تقديره لنفسه - راجل عدى الأربعين، رمى نفسه في اللعبة بحماس بيبين سنه الحقيقي. مثل إنه مات تمثيلاً، بيمسك صدره وبيدافع عن نفسه، بصوت بينقط من الدراما المزيفة، "إنتي قتلت أبوكي!
فيكتوريا، اللي أسقطت سيفها اللي عاملاه بنفسها مع صوت عالي، وقفت وقفة تستاهل سارة سدونز نفسها، وصاحت، "آه يا للأسف، إني بائسة! وين أذهب هذا المخلوق التعيس؟ أين طار صوتي، خفيف كالهواء؟ يا قدر، أين قفزت؟" (تلاوة مؤثرة إلى حد ما من أوديب ريكس، لو الواحد كان أمين مع نفسه.)
وليام نط من مكانه، ومبسوط تماما. "برافو، يا أوديب بتاعتي الصغيرة! برافو!"
ست دخلت، متغطية في تافتا بيضا - فستان نهار، بالظبط، مع الأكمام المنفوخة اللي شكلها غريب اللي في الموضة دلوقتي، مزينة بـ شرايط دانتيل بتطير. شال كشمير، مطرز بشكل ممتاز بخيوط دهب، كان ملفوف حوالين كتافها، بيحميها من البرد الخفيف. كانت أليسيا، شعرها الدهبي مفروق ومتسرح لفوق، شوية أزهار أوركيد بتحط في شعرها بين الضفاير. إزاي شكلها مختلف دلوقتي عن البنت الرفيعة اللي كانت بتلبس فساتين بخصر عالي في شبابها! الخصر نزل بقاله كتير لوضعه الطبيعي، وتنانيرها، اللي مدعومة بطبقات من البطانة والتول الناعم، بتنفش في شكل جرس لطيف.
كانت جميلة بشكل ملحوظ، سنها اللي 35 سنة بيبينه بس نوع من الذكاء، جو ست اللي احتضنت نضوجها بالكامل. حواجبها مرفوعة، ملاحظة هادية، مليانة متعة، للعبة العنيفة اللي بتحصل قدامها.
الأطفال، لما شافوا أمهم، سابوا أبوهم وراحوا عليها بسرعة وصوتهم، "ماما، بوس!"
الولدين الكبار، اللي عندهم تلاتاشر وعشر سنين، وقفوا لورا، شوية متكسفين من مظاهر الحب دي، بس آن، اللي عندها ست سنين، دايما هي اللي مليانة حيوية، كانت بتتنطط من الإثارة. اللي عنده سنتين، ولد صغير بريء، فضل قاعد بأمان في حضانة الأطفال.
أليسيا لمست خد بنتها الممتلئ بلطف، صوابعها فضلت شوية.
شخص، كله ابتسامات وسحر مرح، شق طريقه بين الأطفال، ومنحنى لوطى بتهكم. "أعتقد إني ليا واحد كمان، مش كده، يا دوقة يا عزيزتي؟" همهم، وعيونه بتلمع بمكر.
قابلت شفايفه ببوسة سريعة، مليانة حب. في غمضة عين، أخدته في رقصة فجائية. الرقصة الفاضحة، اللي جت من أوروبا بعد معركة ووترلو، في النهاية انتصرت حتى على أكتر الناس اللي بيرفضوا في قاعات الرقص الإنجليزية، مع البولكا والمازوركا - كل الرقصات دي فيها تلامس قريب بزيادة على ناس معينة أكتر هدوءا في المجتمع.
كانوا بيرقصوا الرقصات الحميمة دي بقالهم أكتر من عشر سنين. "حميمة زيادة، بس مقبولة تماما" - دي الطريقة اللي ولادهم، بخلطة من المتعة والضيق، كانوا بيوصفوا بيها علاقة أبوهم وأمهم.
وليام ساعات كان بيتذمر، بجدية مزيفة، عن الغزو المستمر لولادهم - بالرغم من جيش المربيات، والشغالات، والمدرسين الخصوصيين اللي كانوا بيستخدموهم عشان يشغلوهم. كان دايما فيه حد بيصر على الاهتمام، أو بيتسلل لسريرهم بطلب مليان دموع إنهم يناموا مع ماما.
لحظاتهم الخاصة الحقيقية كانت نادرة وثمينة، لحظات خاطفة مسروقة. ساعات، كان بيقوم من حضنهم بتجهم بسيط، ظل خاطف بيعدي على ملامحه الوسيمة.
وبالتالي، باتباع مثال أبوهم وأمهم، عملوا عادة الهروب، لما الفرصة بتسمح، في رحلات صغيرة - هما بس.
بعد 1830، مع الانتشار الواسع للطباعة اللي بتشتغل بالبخار، الكتب بقت أسهل إنها توصل، والجمهور بدأ يبقى عنده شهية كبيرة للروايات. الطبقة المتوسطة اللي عمالة تكبر، اللي كانت دايما مهتمة بحياة الأرستقراطيين، كانت بتلتهم بحماس حكايات المجتمع الراقي، وبتتمنى تشوف نظرة ورا الستارة اللي عليها دهب. الاهتمام ده هو اللي غذى الحركة الرومانسية، وبيقدم ملجأ مرحب به من الحقايق الصعبة للتصنيع والسعي المستمر ورا المكسب.
نوع جديد، اتسمى "روايات الشوكة الفضية"، ظهر، زي الروايات القوطية والعاطفية بتاعة عصر الرعاية، وسيطر على المشهد الأدبي لسنتين أو تلاتة. الروايات دي بتوصف بالتفصيل حياة الأرستقراطيين - سلوكهم، وجباتهم، بيوتهم، كل حاجة. قصص الحب والمغامرات بتاعة الأبطال كانت بتبان كأنها ثانوية، مجرد وسيلة لعرض تفاصيل المجتمع الراقي.
بنات الطبقة المتوسطة كانوا بيلتهموا الكتب دي، وبيعيشوا حياة النبلاء بالنيابة، و بيدرسوا بدقة الطقوس والبروتوكول اللي بيتكتب جواها. السخرية، أكيد، إن كتير من مؤلفين "الشوكة الفضية" دول كانوا نفسهم أعضاء في الطبقة المتوسطة، ناس بتخلق أحلام أكتر من كونهم أعضاء حقيقيين في "الطبقة العليا."
بس، عدد كبير من الروايات دي اتنشرت بأسماء مستعارة عن طريق أعضاء حقيقيين في الأرستقراطية - شباب وشابات في وقت فراغهم، بيمتعوا نفسهم عن طريق تسجيل حياتهم اليومية. الحسابات الحقيقية دي، وإن كانت مملة، اتقتابلت بحماس شديد. جنون الشوكة الفضية بقى منافسة عشان نشوف مين ممكن يصور العالم الأرستقراطي بأدق صورة. بينما التقليد كان كتير، المقالات الحقيقية كانت بتتعرف بسهولة، والطبقات العليا نفسها كانت بتشتري الكتب دي، وبتضحك على الأخطاء والمبالغات اللي بتحصل.
الهوس الأدبي ده خف بعد عشرين سنة، عشان الطبقة المتوسطة اللي بتكبر بدأت تفقد إعجابها بالأرستقراطية، والأخيرة انسحبت بالتدريج من أعين الناس.
النوع ده بالظبط، رواية الشوكة الفضية، هو اللي بقى أحدث شغف لـ وليام كافنديش. الوصف الدقيق والنبرة الساخرة كانت بتناسب تماما مزاجه المتغطرس بشكل طبيعي، مزاج فضل، بشكل ملحوظ، زي ما هو لسنين.
كان عنده معرفة موسوعية بالمجتمع الراقي، وتعقيداته وسخافاته. محابش حد في أسلوبه السريع والذكي، مستخدما رواياته اللي نشرها بأسماء مستعارة كشكل من أشكال المتعة الخاصة، و في بعض الأحيان بيشن هجوم خفيف على الأفراد اللي مبيحبهمش أو الخصوم السياسيين اللي بيكرههم.
أليسيا كانت دايما بتقول، بخلطة من الحب والضيق، إن كتابته بتكشف تماما عن "ذكائه اللاذع وطبيعته الساخرة بشكل مستمر."
الست روايات اللي عايشين دول، اللي اكتشفوا بالصدفة، بقوا كنز للباحثين في المستقبل. كل واحدة منهم فيها زوجين مخلصين، طول حياتهم، رفقاء طفولة اللي بيلخصوا المثل الأرستقراطي. اللورد كافنديش كان بيوصفهم تقريبا بأسلوب حكايات خيالية، وبيغطيهم بالمديح من غير تحفظ، بينما الشخصيات اللي حواليهم كانت بتتصور غالبا بطريقة ساخرة.
ناقد في جريدة، بغباء، اتهم الروايات دي إنها "مليانة أفكار خيالية، وبتخلق صورة غير واقعية من السعادة المثالية." ده، أكيد، أغضب وليام لأقصى درجة.
خصص ساعات كتير للمهمة اللي بتبان تافهة دي، وبسجل بدقة كل حاجة. العادة دي، بس، مكنتش جديدة. بعد معركة ووترلو، هو وأليسيا تعاونوا على حساب مفصل لتجاربهم في ساحة المعركة، قطعة تقرير رائعة مباشرة اللي أثبتت قيمتها للبحوث التاريخية اللي جت بعدين.
وبعدين، مع ولادة أول طفل ليهم، بدأ يسجل حياة ولادهم بدقة، كل طفل بياخد مجلد خاص بيه، مليان بكل التفاصيل الدقيقة لتطورهم.
هو وأليسيا كانوا بيتشابهوا أكتر وأكتر، بيقلدوا عادات بعض وطرقهم. هو، زي مراته، بقى مدون متفاني، مصمم إنه يسجل كل لحظة خاطفة، الحلوة والمملة.
سجل كل التفاصيل الدقيقة في حياتهم المشتركة.
أليسيا، بدورها، شاركت يومياتها معاه، مجلات كانت بتحتفظ بيها لسنين. حواجب وليام طلعت لفوق في مفاجأة لما قرأ ملاحظاتها المفصلة من أول حياتهم المتجوزين. يعني دي هي الطريقة اللي مراته كانت بتفكر فيه بيها في الأيام دي! بس من خلال السجلات المفصلة، استرجعوا أفراح وتحديات سنينهم الأولى مع بعض.
حوالي 1840، وليام كافنديش، بعد ما انسحب إلى حد كبير من حياته الأدبية العنيفة، وجه انتباهه لأشياء عملية أكتر. راجع إنجازاته في الـ 30 سنة اللي فاتوا. أعلن، بحركة درامية، إنه ناوي يكتب قصتهم.
في الوقت ده، ابنه الكبير كان اتجوز، وبناتهم كانوا بيدخلوا المجتمع. هو، وعنده 54 سنة، كان زرع لحية مميزة.
أليسيا، العملية دايما، اشتكت إنها "بتدغدغ"، بس هو أصر، ومستمتع بالتلامس القريب زيادة عن اللزوم. هي كان عندها 45 سنة، وبينما لقاءاتهم الحميمة كانت أقل تكرارا، كانوا لسه بيلاقوا الراحة والسلوى في إنهم يناموا مع بعض بس.
احتفظ باللحية لمدة سنتين بس، وفي النهاية استسلم لهزارها اللطيف وحلقها، وكشف عن ملامح فكه الناعمة والمألوفة. كان محافظ على شكله كويس بشكل ملحوظ بالنسبة لسنه، شكله زي ما كان في شبابه، مع شوية خطوط بسيطة حوالين عيونه وشوية شعر أبيض في شعره الغامق. شفايفه، ربما، كانت بقت أرق شوية، بس لسه بتنحني في نفس الابتسامة المألوفة، الأنيقة بدون مجهود.
أليسيا، كمان، كبرت بأناقة، ملامحها بتعكس ملامحه هو بنفس الطريقة الغريبة. عيونهم، متشابهة جدا حتى في شبابهم، دلوقتى تقريبا متطابقة، الخطوط الرفيعة في الزوايا، الانحناء اللطيف لشفايفها، كلهم بيعكسوا حياة مشتركة، تاريخ مشترك. 28 سنة من العيش مع بعض، من التكيف على عادات و حاجات غريبة لبعض، أدت للتشابه الملحوظ ده، الاعتمادية العميقة دي.
كانوا بيكبروا في السن مع بعض، بيعتمدوا على بعض عشان يدعموا بعض. كانوا بياخدوا رحلات بالحصان مريحة في الريف. كان في بعض الأحيان بياخد البندقية بتاعته، وبينغمس في شوية رياضة. كانوا بيحضروا حفلات موسيقية ومسرح، وهو دايما بيساعدها، وبيحط الشال بتاعها حوالين كتافها بإيد متعودة.
تسريحات الشعر اللي كانت في الموضة في 1840 كانت مختلفة تماما عن بتاعة عشر سنين قبلها. الشعر كان دلوقتي مفروق في النص، متسرح لتحت على الجبهة، مع شوية ضفاير مرتبة بعناية بتحدد الوش، وبتكشف عن جبهة ناعمة وعريضة وعيون كبيرة، بتعبر عن اللي جواها. التنورات كانت طولت، بتخفي الكاحلين وأصابع الرجل، و الطيات والرّفرفة المعقدة لسنين قبل كده راحت لحساب صورة ظلية أبسط، دلوقتي بتأكد على الياقات الدانتيل الرقيقة اللي بتحدد الوش زي همسة من ضوء القمر المنغزل.
ملابس الرجالة، كمان، مرت بتحول. الجواكت الطويلة دلوقتي بتشبه جواكت الركوب، فيها خصر طبيعي أكتر، رحيل مرحب به من الخصور اللي كانت ضيقة بشكل مؤلم، وأكتاف اللي فيها حشو بشكل سخيف في 1830. البنطلونات المخططة كانت في الموضة، وربطات العنق - ياه، ربطات العنق! - ظهرت في مجموعة مذهلة من الألوان والنقوش، عرض طاووس حقيقي للغرور الذكوري.
الأناقة اللي بتتعمل بعناية بتاعة الشاب المترف في فترة الرعاية - فكروا في السيد بروميل بجاكتة القصيرة، وربطة عنقه البيضاء النظيفة، والبناطيل اللي قصتها مظبوطة، وجوارب الحرير - كانت دلوقتي بتعتبر قديمة بدون أمل، بقايا من زمن راح، عتيقة زي الباروكة والشورت اللي بيوصل للركبة. الجيل الأصغر كان بيبص على الملابس دي بنفس الازدراء المرح اللي أسلافهم كانوا بيحتفظوا بيه للإفراط المعقد بتاع فترة الروكوكو.
من غير ما يدركوا، هما، وليام وأليسيا، بقوا شخصيات من جيل فات، أجداد في نظر العالم، بقايا هم نفسهم، وإن كانوا محافظين على شكلهم بشكل ملحوظ.
بعد ما أهاليهم الاتنين راحوا، علامة فارقة فيها شوية مرارة في تقدم الزمن اللي مبيوقفش، وليام مسك بنت ابنه الكبير في دراعاته، حفيدته الأولى، طفلة جميلة شعرها دهبي وعيونها أزرق زي سما الصيف، خلطة مثالية من التراث الإنجليزي والألماني. وبرضه، مقدرش ميحسش بألم من الندم. للأسف، ملامحها كانت بتنحني أكتر ناحية أصولها الألمانية؛ مكنتش آلي الصغيرة بتاعته، أليسيا المصغرة بتاعته. كان ممكن تبقى هي اللي بتشبهها أكتر، اللي كانت بتحتوي قلبه بالكامل.
هو وأليسيا كانوا بيكبروا في السن، السنين بتطير زي حبات الرمل من الساعة الرملية. ربما كانت أول وخزة من التهاب المفاصل في مفاصله، تذكرة غير مرحب بيها بسنه الحقيقي - ستة وستين سنة صعبة إلى حد ما. ستة وستين! السنين راحت فين؟
كان فيه حاجات كتير تتكتب، حاجات كتير تتسجل، لو الواحد كان هيتبع ترتيب زمني صارم. مهمة صعبة، ربما، بس ضرورية.
على سبيل المثال، في سنة 1830 اللي بتبان بعيدة، لما أليسيا، متوهجة بإشراقة الأمومة، كانت ماسكة بنتها الرضيعة في جناين القصر بتاعتهم اللي مليانة شمس، القاطرة البخارية، المعجزة بتاعة الهندسة الحديثة، كانت مستخدمة بالفعل، وبتمشي في طريقها عبر المناظر الطبيعية، رمز للعالم اللي بيتغير بسرعة. تلات سنين قبلها، خط سكة حديد ليفربول-مانشستر، دليل على براعة الإنسان، كان فتح في إنجلترا، وعبر القناة، ثورة يوليو قلبت نظام بوربون في فرنسا، وبعتت تموجات من التغيير في كل أوروبا.
أثناء الصراع اللي استمر لعشر سنين للإصلاح السياسي والاجتماعي، قانون الإغاثة الكاثوليكية في 1829، انتصار تاريخي للتسامح الديني، وقانون الإصلاح في 1832، خطوة مهمة ناحية حكومة بتمثل أكتر، اتمرروا. الليبراليين، اللي بيدافعوا عن مُثلهم الإصلاحية، كسبوا اليد العليا في السياسة البريطانية، ودا أكيد كان شيء بيسعد وليام.
في 26 يونيو 1830، الملك جورج الرابع، حاكم معروف بإسرافه، وبدعنا نقول شهيته القوية، توفى، وساب العرش لبنته، الملكة شارلوت اللي عندها أربع وتلاتين سنة، ست عندها إحساسات أكتر أناقة. ابنها الكبير، جورج، أمير ويلز، كان عنده تلاتاشر سنة بس، ولد على أعتاب الرجولة، ومحمل بوزن تاج مستقبلي.
مع الحدث المهم ده، العصر الجورجي، عصر الأناقة والإفراط، انتهى بشكل قاطع، وفسح الطريق للعصر الفيكتوري، عصر من التغيير والتقدم اللي ملوش مثيل.
وليام كافنديش، راجل عنده نفوذ عالي وطموح، كان بيشتغل كـ وزير خارجية في حكومة الليبراليين بتاعة إيرل غري، منصب سمح له يشكل مسار السياسة الخارجية البريطانية.
حياته السياسية، بالرغم من إنها كانت غير تقليدية شوية بالنسبة لمعايير زملائه، كانت، زي ما كان هو نفسه هيعترف بسهولة، نجاح مدوي. مسك كذا منصب مهم، و ساب بصمته اللي مينفعش تمحى على المشهد السياسي.
حتى اشتغل لفترة قصيرة كرئيس للوزراء لمدة تسع شهور بس، دور كان بيوصفه بسخرية ذاتية بأنه "مكان مؤقت، أداة لانتقال الحزب،" بالرغم من إن اللي يعرفوه كويس كانوا بيشكوا إنه في السر بيستمتع بالتجربة.
اشتغل كمان في مناصب فخرية مختلفة في المحكمة، زي ما كل دوق من ديفونشاير عمل قبليه، تقليد كان بيحافظ عليه بخلطة من الواجب والمتعة.
أليسيا، في الوقت نفسه، فضلت سيدة الحجرة الأكثر ثقة للملكة شارلوت، وبتحافظ على أول منصب دايما، دليل على ولائها اللي مبيتهزش وحسن تصرفها اللي لا تشوبه شائبة. كانت، في الأساس، الصديقة المقربة للملكة، اللي بتعرف أعمق أسرار العائلة المالكة.
الزوجين دول، وليام وأليسيا، تمسكوا كويس بزمام أمور المحكمة البريطانية، وبيستخدموا نفوذهم العالي بإيد ماهرة، خلطة رقيقة من السحر والذكاء السياسي. هما الاتنين كانوا مؤيدين صلبين للإصلاح، بيمثلوا قوة تقدمية جوه المؤسسة الأرستقراطية المحافظة، نفس من الهواء النقي في بيئة بتخنق شوية.
احتضنوا، بخلطة من الفضول والحماس، الاتجاهات التحويلية للقرن الـ19 اللي بيتطور بسرعة، قرن وعد إنه يعيد تشكيل العالم زي ما كانوا يعرفوه.
عيلة كافنديش، عن طريق التحالفات الاستراتيجية والزواجات المربحة، حافظت على منصبها في قمة السلطة والنفوذ. كل واحد، كان بيبان إنه عايز يجوز ولاده، عشان يضمن صلة مرغوبة بأكتر العيلات المرموقة في إنجلترا.
حتى قرايب بعيدين، اللي عندهم أضأل صلات بنسب كافنديش، بقوا مركز لأكتر دوائر المجتمع الراقي تميزا، وبيستمتعوا بمجد العيلة اللامع المنعكس.
الملك اللي جه بعد كده، جورج الخامس، كان صديق شخصي مقرب للدوق التالي من ديفونشاير، دليل على نفوذ العيلة اللي بيدوم في المحكمة.
شافوا ولادهم بيكبروا ويزدهروا، وشهدوا التراجع التدريجي للرومانسية، بتركيزها على المشاعر والخيال، والنهوض المقابل للواقعية، بتركيزها على الحقايق القاسية للحياة اليومية، في وعي الجمهور. بلزاك وديكنز، أساتذة الرواية الواقعية، بقوا ضيوف محترمين في الصالونات الأدبية، وأعمالهم كانت بتلتهم عن طريق جمهور متحمس.
في 1859، عمل تشارلز داروين الرائد، عن أصل الأنواع، اتنشر، وأطلق عاصفة من الجدل بنظرياته الثورية عن الانتقاء الطبيعي والتطور المشترك. عمل داروين، انتصار للبحث العلمي، تحدى المعتقدات الدينية التقليدية، وهز أساسات المجتمع الفيكتوري. جنة عدن، اللي كانت بتعتبر حقيقة حرفية، في النهاية بقت أسطورة، تمثيل مجازي لأصول الإنسانية، وخلق الإنسان عن طريق ربنا، معتقد عزيز لقرون، بقى، لناس كتير، مغالطة. النصف الأخير من القرن، كان واضح، إنه بينتمي بجد للعقل والعلم، عصر جديد من التنوير.
وبالتالي، لما العالم دخل العقد العنيف بتاع الستينيات، كل أوروبا، مع أمريكا الشمالية، كانت في حالة من الاضطراب. الحرب الأهلية الأمريكية، صراع وحشي على العبودية وحقوق الولايات، كانت بتشتعل عبر الأطلنطي. في روسيا، القيصر ألكسندر التاني حرر الأقنان، إصلاح اجتماعي ضخم غير حياة ملايين بشكل كبير. مملكة بروسيا، تحت قيادة أوتو فون بسمارك الذكية، بدأت حملة لتوحيد الولايات الألمانية، خطوة هتغير إلى الأبد توازن القوى في أوروبا. و، يمكن الأهم، الثورة الصناعية الثانية، اللي بتتحرك عن طريق التقدم في الكهربا والتصنيع، بدأت، وأخدت الإنسانية في "عصر الكهربا،" فترة من الابتكار التكنولوجي اللي ملوش مثيل.
كافنديش، زي ما كان، بلمسة من الحزن، توقع، كان بيقترب من نهاية حياته الطويلة والمفعمة بالأحداث.
كان أكبر من أليسيا بتسع سنين، فجوة اللي كانت بتبان تقريبا مش مهمة في شبابهم وسنهم المتوسط، بس ظهرت تاني، بوضوح صارخ واللي مينفعش يتنكر، في سنينهم الأخيرة، تذكرة مستمرة بمرور الزمن اللي مبيوقفش.
قضوا كميات متزايدة من الوقت في قصرهم الريفي المحبوب، بيبحثوا عن ملاذ من ضوضاء وصخب مجتمع لندن، مأوى ممكن يلاقوله فيه السلام والسلوى في صحبة بعض. في أمسية، لما الغسق لون السما بألوان بنفسجية ودهبية، هو صحاها بلطف ببوسة حنونة، وصوته كان همسة بس، بيقول إنه مش حاسس إنه كويس. ربّت على شعرها اللي بيخف، الدهب اللي كان بينور زمان دلوقتي مخطط بالأبيض، وبيسميها "يا عزيزتي،" كلمة حب امتدت لسنين.
نبرته، زي ما هي دايما، فضلت هادية ومتزنة، مفيش فيها أي لمحة من الخوف أو الذعر.
كانت 1860، سنة هتتحفر إلى الأبد في ذاكرة أليسيا. ولادهم الاتنين كانوا متجوزين ومستقرين كويس في حياتهم الخاصة، دليل على إرشاد أبوهم وأمهم المحب. أليسيا كان عندها خمسة وستين سنة، جمالها منمش بالزمن، وهو كان عنده أربعة وسبعين سنة، سنه بيبان في الخطوط المنقوشة على وشه، خريطة لحياة عاشت كويس.
الدكتور استدعى، وصوله اتعرف عن طريق صوت حوافر الخيل على طريق الحصى، والولاد، اللي قلوبهم مليانة خلطة من القلق والخوف، راحوا على جنب أبوهم وأمهم من أماكن بعيدة مختلفة، حبهم وقلقهم قوة محسوسة. لحسن الحظ، كان مجرد حادثة بسيطة، وعكة صحية مؤقتة، وهو، لراحة الجميع الشديدة، تعافى، مرونته دليل على روحه اللي بتدوم.
أليسيا، قلبها مليان بالامتنان، مسكت إيده كويس، مدركة، بوضوح مفاجئ وعميق، إن النهاية، بالرغم من إنها ربما مش قريبة، كانت بتقترب حتما. جسمه اللي كان بيباهي زمان، الجسم اللي كانت بتحبه لسنين كتير، في النهاية استسلم لتأثير الزمن اللي مبيوقفش. الصدر ده، اللي كان قوي وحيوي زمان، القلب اللي كان بيدق بقوة بحب ليها، كان بالتدريج بيذبل، وبيسيب بس إيقاع ضعيف، بس مستمر، لقلبه اللي بيدق من جوه. سمعت دقات قلبه، بتميل عليه، خدها مضغوط على خده، وإيديهم متشابكة، خاتم الزواج الاتنين، اللي كانوا بيلبسوه بقالهم تقريبا نص قرن، بيلمعوا شوية في النور الخافت بتاع أوضة النوم، رموز لحب صمد أمام تجارب ومحن حياة كاملة.
عيد زواجهم الخمسين، علامة فارقة ذهبية في رحلتهم المميزة مع بعض، كان بعد سنتين بالظبط، احتفال بيبان بعيد بشكل مستحيل وقريب في نفس الوقت.
في 1860، فساتين كرينولين، الإبداعات المعقدة من الحرير و عظم الحوت، كانت في أوج الموضة، مع طبقات فوق طبقات من البطانة المدعومة بطوقات مصممة بذكاء، بتخلق صورة ظلية مبالغ فيها أكتر من قبل، انتصار حقيقي للهندسة الفيكتورية.
أليسيا، العملية دايما والصريحة، كانت اشتكت له، بخلطة من المتعة والضيق، عن عودة التضييق على الخصر من حوالي تلاتين سنة قبل كده. كانت بترفض بقوة إنها تخلي بناتها يلبسوا مشدات، معتقدة إنها غير صحية ومقيدة بدون داعي، دليل على روحها المستقلة وقلقها على رفاهية بناتها.
و وليام، كمان، كان أخد ملابس اللي أجيال المستقبل هتعتبرها حديثة، مش قديمة، رجل محترم، إقرار بسيط بالتغيرات اللي بتحصل.
لبسوا بأناقة، زي ما هما دايما، في أحلى ملابسهم، وقرروا، بإحساس مشترك بالهدف، إنهم ياخدوا صورة، تذكار دائم لحبهم اللي بيدوم.
التكنولوجيا الجديدة للتصوير الفوتوغرافي، معجزة العصر الحديث، كانت بالتدريج بتحل محل الممارسة التقليدية اللي بتاخد وقت طويل للرسم بالبورتريه. هما، عشانهم من أصحاب العادات والتقاليد، كانوا دايما بيطلبوا صورة في كل موضة من سنين، سجل مرئي لحياتهم مع بعض.
كان فيه وقت تعريض طويل مطلوب قدام الكاميرا، عملية مملة شوية، ومكنش إلا في 1860 إن استخدامها في البورتريه بقى أكتر انتشارا وتهذيبا، دليل على براعة الإنسان.
وقفوا بصبر لمدة نص ساعة كاملة، هو بيدعمها بلطف، إيده التانية كانت بتستريح على عصاية منحوتة بشكل جميل، رمز لسنينه اللي بتمشي. على صدره، كانت مثبتة بحب وردة جاردينيا بيضا واحدة، عطرها الرقيق بيبين إحساس بالازدهار النهائي والرائع، تذكرة مؤثرة بطبيعة الحياة والجمال الفانية.
زي معظم أعضاء الأرستقراطية، اللي متعودين على شكل معين من الرسمية والأدب، قدموا سلوك مهيب ووقور قدام الآلة الغريبة دي، اللي بتخوف شوية، تعبيراتهم مرتبة بعناية، و متبينش أي مشاعر بتحرك من جوه.
مع بعض، خدوا كذا صورة، وسابوا صورهم للتاريخ، إرث ملموس لحبهم.
في 1862، سنة هتتغطى إلى الأبد بالحزن، بعد شهرين بالظبط من الاحتفال بعيد زواجهم التمانية والأربعين، علامة فارقة فيها شوية مرارة، وليام كافنديش، حب حياة أليسيا، توفى بسلام وهو نايم.
كان عنده ستة وسبعين سنة، حياة عاشت كويس، رحلة اكتملت.
معاشش أكتر؛ كل حاجة، بطريقة غريبة ومؤثرة، كانت تمام، كأنها مقدرة بالقدر. زي ما كان، بلمسة من البصيرة، توقع، مات أكتر من عشر سنين قبل مراته المحبوبة، بالرغم من إنه دايما كان بيأمل في السر إنه يعيش أكتر، عشان يسرق شوية سنين ثمينة أكتر معاها. أكيد كان بيتمنى إنها تعيش، عشان تفضل تزين العالم بوجودها، بس حس كمان، بألم من الذنب، إن ده ممكن يكون شكل من أشكال التعذيب ليها، إنها تتساب لوحدها من غيره.
وبالتالي قال، في لحظاته الأخيرة، صوته كان مجرد همسة، "آلي، يا ألي يا حبيبتي، متزعليش عليا. عيشي حياتك، وكوني سعيدة."
قال نفس الكلمات المريحة اللي جدها قال