الفصل 34
قفلت سارة باب الشقة وراها بقوة، وضهرها خبط في الخشب البارد بـ"دبّة". الدموع اتجمعت في عيونها، وغمشت صورة أقرب صديقة ليها، أوليفيا، اللي خرجت من شوية. أوليفيا، الشخص الوحيد اللي سارة وثقت فيه وحكتله عن بوبي والموقف كله المعفن، خانت ثقتها بأبشع طريقة ممكنة.
شهقت سارة ووقعت على الكنبة، "مش قادرة أتخيل إنها قالتله كل حاجة". بقلق، أسرع ديريك ناحيتها، وتعبيره كله قلق.
شدها بلطف في حضنه وقال، "هييي، هيي، إيه اللي حصل؟" شوية عزاء قدام الإعصار اللي كان بيضرب جواها جه من دفء حضنه.
"كانت أوليفيا"، صرخت سارة، وهي بتضغط بجبينها على صدره. "مش قادرة أتخيل إنها قالت لكل بوبي كل حاجة". صوتها راح، ومش قادرة تعبر عن حجم الخيانة.
فك ديريك سنانه. "دي الأفعى الكدابة!" همهم، وصوته مليان حافة خطر. "متقلقيش يا سارة. هنتعامل معاها بعدين. دلوقتي، محتاجين عقل صافي."
مسح الدموع من وشها، وساعدها تقعد. استنشقت سارة بعمق، وأجبرت نفسها تلم نفسها. الغضب اللي بيغلي جواها، كان وقود قوي.
صوتها كان بيرتعش بس مصممة وهي بتقول، "مش ممكن نخلي ده يكسرنا". "لازم نستعمل ده. نستغل خيانتها لصالحنا."
لمعة تصميم ظهرت في عيون ديريك. "معاكي حق. لازم نجمع كل اللي معانا. معلومات السيد بلاك، اللي جمعناه لحد دلوقتي، ودلوقتي أي معلومات أوليفيا سربتها لبوبي."
الساعات اللي بعد كده عدت زي الضباب. ورق، ملفات، وملاحظات مكرمشة كانت مرمية في كل مكان على أرضية غرفة المعيشة، زي رقعة شطرنج غير منظمة لتحقيقاتهم المستمرة. سارة أعادت سرد اعتراف أوليفيا، كاشفة عن التفاصيل اللي شاركتها عن خططهم وشكوكهم.
"حست إنها مهمشة"، فكر ديريك، وهو بيبني معلومة. "فاكرة لما كنا مخبيين عنها الأوضة المخفية؟ يمكن ده اللي خلاها تنهار، وحست إننا مش واثقين فيها."
"ممكن"، سلمت سارة، "بس ده مابيديش مبرر لأفعالها. هي عرضت كل حاجة للخطر!"
بقوة، غيروا تركيزهم. باستعمال مساهمة أوليفيا غير الواعية، بدأوا يشوفوا صورة أوضح لشبكة خداع بوبي. اختلافات مالية، صفقات أرض مشبوهة، وعلاقات مظلمة كلها بتشير لعملية أكبر بكتير مما توقعوا في الأول.
"ده أكبر من مجرد ابتزاز"، تمتم ديريك، وهو بيرسم خط بيوصل بين عدة شركات شكلها مالهاش علاقة على خريطة. "بوبي بيستعملهم عشان يغسل فلوس. غالبا هو متورط في أنشطة غير قانونية أكتر بكتير مما كنا فاكرين."
"ده بيغير كل حاجة"، قالت سارة، وإحساس بإلحاح جديد بيتسلل في صوتها. "مش ممكن نوقعه بمجرد شوية وثائق تجرمه. محتاجين حاجة ملموسة، حاجة تفضح العملية كلها."
فجأة، ذكرى اشتغلت في عقل سارة. "السيد بلاك ذكر حاجة"، قالت، وعيونها بتتسع. "قال إن فيه تسريب جوه منظمة بوبي، شخص بيبعتله معلومات."
رفع ديريك راسه. "تسريب؟ ليه مقالناش ده قبل كده؟"
"لازم كان عنده أسبابه"، بررت سارة. "يمكن ماكانش واثق فينا بالكامل لسه، أو ربما مكنش عايز يعرض المصدر للخطر."
شعاع أمل لمع بينهم. لو قدروا يلاقوا المخبر ده، ممكن يكون المفتاح لتفكيك إمبراطورية بوبي كلها.
"لازم نتصل بالسيد بلاك"، قال ديريك بحزم. "ممكن يكون عارف إزاي نوصل للمصدر ده."
التواصل مع السيد بلاك كان مهمة حساسة. لازم يكونوا حذرين عشان مايأثروش الشك، خصوصا مع وجود أوليفيا دلوقتي في الصورة. بعد تفكير طويل، قرروا يسيبوا رسالة مشفرة في نقطة التسليم المتفق عليها – كتاب معين بصفحة معلمة بذكاء في المكتبة المحلية.
الأيام اللي بعدها كانت بطيئة ومؤلمة. وزن خيانة أوليفيا كان تقيل، مع الخوف المقلق من إن بوبي يعرف كل تحركاتهم. بس، وجهوا قلقهم في عمل مثمر. سارة راجعت نتائجهم بعناية شديدة، بتدور على أي اتجاهات أو أدلة مخفية. ديريك حفر أعمق في بصمة بوبي على الإنترنت، باستغلال خبرته في تكنولوجيا المعلومات في محاولة لإيجاد أي أثر رقمي يمكن يكون الرجل ده سابه وراه.
بعد ما بدا كأنه عمر، رد السيد بلاك أخيرا على سارة. كان كتاب مختلف، و جوه الصفحات دي المرة كان قطعة ورق صغيرة مطوية. الورق قال، "قابلني في المخزن المهجور، منتصف الليل". كانت رسالة واحدة غامضة.
بإعادة قراءة تواصل السيد بلاك، سارة وديريك حسوا بموجة نشوة وقلق. "منتصف الليل في مخزن مهجور"، تمتمت سارة، وقشعريرة بتمر في عمودها الفقري بالرغم من هواء المساء الدافئ. "تبدو وكأنها من فيلم وحش."
"ممكن"، سلم ديريك، بابتسامة ساخرة على شفايفه. "بس بالنظر لوضعنا، فيلم وحش يمكن يكون أفضل من الواقع دلوقتي."
عيونهم اتعلقت ببعض، محادثة صامتة بتمر بينهم. الخطر المحتمل للاجتماع كان لا يمكن إنكاره، بس إمكانية كشف المخبر، المفتاح لإسقاط بوبي، كانت أهم من إنهم يتجاهلوها.
"لازم نروح"، قالت سارة، وصوتها ثابت بتصميم. "دي ممكن تكون أفضل فرصة لينا."
أومأ ديريك برأسه، وتعابيره بتعكس تصميها. الساعات اللي بعد كده اتصرفت في تحضيرات دقيقة. حزموا كشافات، بخاخ فلفل (للاحتياط)، ومسجل صوت مخفي – احتياط ضد أي منعطف غير متوقع في الاجتماع.
مع تغطية المدينة نفسها في الظلام، لقوا نفسهم واقفين برة صورة المخزن المهجور المهيبة. شبابيك مكسورة فاتحة زي عيون فاضية، والصمت كان بيتقطع بس بصوت الريح اللي بيخبط في القشرة المعدنية المتحللة.
"جاهزين؟" بس بـهمس يكاد يسمع، استفسر ديريك.
بقلبها اللي بيدق بشدة، استنشقت سارة بعمق. قالت بصوت متماسك بشكل مفاجئ، "هيا بنا."
الظلال لصقت بيهم زي المعاطف وهم بيتزحلقوا أقرب للبناء. باب المعدن الصدأ اتعلق بضعف على مفصلاته، والإضاءة المخيفة نتجت من مصباح شارع واحد بيومض.
تبادلوا نظرة، وبعد كده فتحوا الباب، المفصلات الصدئة بتصرخ بالقوة. كان الداخل متاهة من الصناديق المحطمة والحطام الملتوي، مغطى بغطاء من الظلام. كان فيه ريحة عفن وتراب قوية في الهواء.
"السيد بلاك؟" وسط المساحة الشاسعة، صدى صوت سارة بشكل مزعج وهي بتصرخ بحذر. بخلاف صوت تنفسهم بصعوبة، كان فيه صمت متوتر.
ظهر ظل من الظلام، بس بمجرد ما بدأ الشك يتكون. ظهر السيد بلاك، وسماته مخفية بالظلال. أفعاله كانت بتبعث إحساس بالغموض وهو بيأمرهم يتبعوه.
"اللمحة الأخيرة، صوت منخفض، أنا عايز أشكركم على المجيء. الموقف بقى أدق مما كان متوقعًا."
"تقصد إيه؟" سأل ديريك، وصوته مليان إلحاح. "هل أوليفيا قالت لبوبي عن المصدر؟"
هز السيد بلاك رأسه. "لأ، مش لسه. على أي حال، بوبي مشتبه. هو بيشدد أمنه، وبيصعب التواصل مع المصدر بتاعنا."
انقبضت معدة سارة. "طيب، إزاي هنلاقيه إذن؟"
السيد بلاك مد إيده لجوه معطفه القديم وطلع صورة صغيرة مهترئة. الصورة كانت بتصور امرأة شابة، وعيونها الطيبة وابتسامتها الرقيقة كانت بتناقض البيئة القاسية اللي لقوا نفسهم فيها.
"دي هي"، قال السيد بلاك، وصوته مليان مزيج فضولي من الاحترام والرهبة. "اسمها إيميلي. بتشتغل مع بوبي، بس هي شافت الظلام في قلب عمليته. هي عايزة توقعه، بس هي محبوسة."
"إزاي نتصل بيها؟" استفسر ديريك، وعيونه لازقة في الصورة.
"فيه نقطة وصول مخفية جوه المخزن"، شرح السيد بلاك، وهو بيقودهم لأعمق جوه المبنى. وقف قدام حائط من الطوب شكله متميزش. "فيه طوبة سايبة هنا. ادفعها لجوه، وهتكشف عن ممر."
اكتشفوا باب سري بيؤدي لنفق صغير باتباع توجيهاته. مع نزولهم، درجة الحرارة انخفضت، مع إضاءة الكشافات اللي بتومض بالكاد بتعمل أي أثر في السواد الكثيف.
غرفة صغيرة، فيها إحساس بالخوف، كانت دي هي المنطقة اللي بيؤدي إليها النفق. كل اللي شغل الغرفة كان مكتب وحيد، مكدس بأوراق وكمبيوتر محمول. لمعة دهشة عبرت سمات امرأة بشعر أحمر ناري وعيون متحدية وهي بتبص عليهم.
"السيد بلاك؟" سألت بنبرة حذرة. "مين الناس دول؟"
قدم السيد بلاك سارة وديريك، وشرح وضعهم ودورهم في فضح بوبي. إيميلي استمعت بتركيز، ونظرتها بتتنقل بينهم بتقييم حسابي.
"ليه المفروض أثق فيكم؟" سألت أخيرا، وصوتها مليان شك. "مع كل اللي أعرفه، ممكن تكونوا بتشتغلوا مع بوبي."
"إحنا فاهمين ترددك"، قالت سارة، وهي بتتقدم للأمام. "بس إحنا كمان ضحايا لعب بوبي. معانا دليل، دليل على أنشطته غير القانونية."
في هذه اللحظة، طلع ديريك ملف بيحتوي على أدلتهم المجمعة، وبيعرض معاملات مالية مشبوهة ورسايل بريد إلكتروني مجرمة. اتسعت عيون إيميلي