الفصل التاسع
وصلنا البيت في رمشة عين، وبدأ أوستن يحضر العشاء. ما كان بيمزح لما قال إنه طلب شوية حاجات، المطبخ كله كان مليان أكياس تسوق، والأكياس دي كمان كانت مليانة أكل. عرضت عليه أساعده في الطبخ ونرتب حاجات التسوق، بس في المرتين قال لي هو هيعمل كل حاجة وأروح آخد دش عشان أهدى من الشغل. بجد قدرت ده وشكرته قبل ما ألم كل حاجتي، ووأنا معدية عشان أروح الحمام، لقيته بيفك حاجات التسوق و بيرقص شوية. هزيت راسي بابتسامة، ودخلت الحمام عشان آخد الدش اللي أستاهله.
لما خلصت الدش، طلعت من الحمام وشعري مبلول، وشفتي أوستن فك حاجات التسوق بس لسه بيطبخ. قعدت في الدش أكتر من ساعة، إيه اللي ممكن يكون لسه بيطبخه؟
"متأكد إنك مش عايز أي مساعدة؟" سألت وأنا بأنشف شعري بالفوطة، دلوقتي شعري كيرلي أوي.
"زي ما قلت يا بيتون العزيزة، تقدري تريحي نفسك وأنا اللي هظبط العشاء" رد بلهجة الشيف دي، وده ضحكني وأنا بمشي ناحيته عشان أشوف هو بيطبخ إيه.
ما كان عندي أي فكرة عن الوصفة اللي الراجل ده بيعملها، شكلها زي صوص الباستا بس فيه حتت متكتلة. لازم أعطيه حقه، كانت ريحتها تحفة، بس حتى الريحة ما ادتنيش أي فكرة إيه ممكن تكون.
"دي وصفة وجدتي سرية، اتنقلت من جيل لجيل. أمي علمتها لي لأني كنت وحيدها" ابتسم وهو بيشرح لي القصة، دي كانت عادة عائلية لطيفة بجد.
"يا ريت عيلتي كان عندها عادات عائلية، كل اللي عندنا مشاكل" ابتسمت وأنا بنط على الكونتر وأنا بتكلم، وده السبب الرئيسي إني ماشفتيش كتير من أفراد عيلتي من يوم ما عشت مع رومان.
"يبقى لازم نعمل عاداتنا الخاصة" ابتسم أوستن وهو بيبص لي لحظة، ابتسمت وهزيت راسي والبوابة الأمامية بدأت تخبط. "ما تتحركيش ولا مليم يا ست الكل، مرة تانية أنا اللي هتصرف في كل حاجة" قال أوستن وهو بيحط لهجة تانية، ضحكت وهو بيرمي فوطة المطبخ على الكونتر قبل ما يتجه للبوابة الأمامية. من المكان اللي كنت قاعدة فيه، ما كنتش شايفه البوابة الأمامية، بس سمعته بيفتحها.
"أوستن، لازم تدخلنا يا مان" صوت ولد مرعوب بيقول، مرة تانية ما كنتش شايفه البوابة الأمامية فما كنتش أعرف مين اللي هناك.
"ليه مفكر إنني هأخليكم تدخلوا بيتي، روحوا من هنا" قال أوستن، وسمعت حد بيخبط على الباب، أوستن حاول يقفل الباب في وش الولد ده؟!
"أنت مش فاهم يا مان، لما كنا بنعمل الشغل ده، العيال حاولوا يقتلونا. مش عارفين لو تبعونا لهنا" الولد قال وهو بيتوسل المرة دي، وده خلاني أخاف بجد، لو حد بيحاول يقتلهم، ليه جم هنا؟!
"دي حالة شغل، لو ما أخدتش بالك لغاية دلوقتي، أنا خلصت شغلي، فبجد، دي مش مشكلتي لغاية بكرة" رد أوستن ببساطة وأنا بنط من الكونتر، ما كنتش عايزة أكله يتحرق وهو بيتكلم مع العيال دول.
"ليه بتتصرف كده، مفروض تكون مختلف عن كل العيال التانيين، بس دلوقتي بتتكلم زيهم بالظبط!" صوت راجل تاني صرخ، بس الصوت ده عرفته من مكان ما، ما عرفتش أحدد منين.
"لما أكون في البيت مش لازم أفكر في نفسي بس، مش مستعد أخلي الناس اللي بحبهم وبأهتم بيهم في خطر عشانك. ودلوقتي زي ما قلت، ابعدوا عن بابي وروحوا ضايقوا حد تاني" رد أوستن، والمرة دي سمعت الباب بيتقفل ويتأمن، بس بعدها على طول فيه خبط جامد على الباب.
قفلت العشاء عشان شكله استوى وأوستن بيلف الزاوية، ابتسم لي كأن اللي سمعته ما حصلش.
"شايفة قفلتي العشاء، دي كانت حركة ذكية أوي يا آنسة بيتون، بس دلوقتي هأطلب منك بأدب إنك تبعدي عشان تقدري تكملي استرخائك" قال باللهجة دي وهو بيبعدني عن البوتاجاز ويرجعني مكان ما كنت واقفة جنب الكونتر، يعني مش هيعلق على اللي حصل؟
"مين العيال دول؟" سألت وأنا بنط تاني على الكونتر وهو بيرجع للبوتاجاز، كنت بأمل لو أتعامل مع الوضع ببرود، هيكون فيه احتمال أكبر إنه يقولي.
"شويه عيال من الشغل" قال لي وهو بيفتح الدولاب عشان يطلع طبقين، أعتقد إني فهمت إنهم من شغله من الحاجات اللي اتقالت، بس فضلت هادية عارفة لو انفعلت مش هيقولي أي حاجة وهو طيب أوي إنه بيحضر لي العشاء.
"شكلهم كانوا قلقانين" قلت وأنا بشوفه بيدور في درج أدوات المائدة، دي أول مرة أشوف أوستن بيمسك أي نوع من الحاجات دي.
"حاجة لازم تتعلميها عن العيال دول، إنهم أوفر أوي في الدراما" ضحك وهو بيبدأ يغرف العشاء، لما كان في الأطباق حطهم على الترابيزة. "خلاص بقى كلام عن الشغل، دي المفروض تكون وقت ننسى فيه الشغل ونقعد نستمتع بشوية وصفات عائلية قديمة" قال وهو بيمسك قطعة عيش ويحطها في بوقي قبل ما أتكلم، ابتسمت وأنا بأمضغ وقررت أسيب الموضوع ده لوقت عشان نستمتع بالأكل ده.
أكلنا العشاء واتكلمنا عن أيامنا، بس أوستن حرص إنا نبتعد عن أي موضوع شغل أو أي حاجة ممكن تضايقنا. لسه ما عنديش أي فكرة إيه ده، بس اسمحوا لي أقول لكم، ده يمكن أحسن حاجة في حياتي كلها! اللي اخترع ده لازم ياخد جائزة، ده بيفوق أي حاجة اتعملت لي في حياتي.
"دلوقتي أنت عملت العشاء، أنا اللي هأشيل كل ده، مافيش جدال" قلت وأنا بشاور على أوستن شوية لما راح يعترض، ابتسم وشكرني وأنا بشيل الطبقين وأوديهم على الكونتر.
"ما قلت لك، يمكن ما بطبخش بس ده مش معناه إني ما أعرفش" ابتسم بفخر وهو بيرجع على الكرسي وهو بيتكلم، ضحكت وهزيت راسي وفتحت الحنفية عشان أملا الحوض.
"طيب لازم أفكر في حاجة خاصة عشان أرد لك الجميل على اللي عملته" ابتسمت وأنا ببص له قبل ما أمسك سائل غسيل الصحون، قام من الكرسي ومشى ناحيتي.
"مش لازم تعملي أي حاجة يا بيتون، إنك تكوني أنتِ ده كفاية" ابتسم وهو واقف جنبي بيبص لتحت، لفيت راسي عشان أبص له وحطينا عيوننا في بعض. "أنا محظوظ أوي إن عندي حد زيك في حياتي" قال وهو بيقرب مني وأنا بتكلم، وده خلى مافيش مسافة بيننا.
قبل ما نقدر نعمل أو نقول أي حاجة أكتر، خبط جامد بدأ يحصل من بره. نطيت فورا والضربات بتزيد، عمري ما كنت في مكان فيه طلقات نار بس أكيد شكلها كده.
"انزلوا على الأرض!" صرخ وهو بيزقني عشان أفضل واطية، وقلبى بدأ يشتغل جامد.
"إيه اللي بيحصل؟" سألت وأنا بمسك إيده جامد والطلقات بتزيد أكتر، جسمي كله بيرتعش من الخوف.
"لازم تثقي فيا، اوكي؟ هنفضل واطيين وهنروح على أوضتك عشان هي أبعد مكان عن الباب. خليكي قريبة مني وهنكون بخير، اوكي؟" سأل وهو بيبص في عيني وأنا بتكلم، هزيت راسي وهو بيحولنا عشان نروح ناحية أوضتي.
طلقات النار بتستمر في ملء الجو، وإحنا بنزحف في البيت. ما سبتش إيد أوستن وهو بيوجهني في البيت، وهو بيطمني إنا هنكون بخير وإنه مافيش وقت كتير. في وقت قليل، وصلنا للطريق الصغير لأوضنا، واللي أوضتي كانت في آخر الطريق. أوستن زقني لقدام وإحنا بنجري لأوضتي، وقفل الباب ورانا.
"روحي على الزاوية دي من الأوضة، أنا هأخرج أشوف إيه اللي بيحصل" قال وهو مستعد يتحرك بس مسكت إيده عشان أوقفه.
"لا يا أوستن، أرجوك ما تسيبنيش" قلت وأنا بشده لورا، بص في وشي قبل ما يهز راسه ويقعد جنبي.
حطيت راسي على صدره وإيده بتلف حواليا، وقعدنا نستنى الأصوات البشعة تهدأ.