الفصل 126 الاقتراح
بس! فجأة، انشدّ كل تفكيره للشخصية اللي دخلت القاعة الكبيرة بعدها.
كان وجهها مغطى، وفستانها البسيط ما قدر يخفي ملامحها اللي تخلي الواحد يدوب، زي وردة متفتحة وسط شجر مليان شوك، أجمل من أي بنت شافها في حياته كلها. بوليدكتس حس كأنه اتضرب بسهم من إلهة الحب، وبدأ يشتعل في قلبه شعور قوي إنه يمتلكها، تكون له هو بس، تكون جوهرته.
الملك ده اللي طول عمره مدلل، مابقاش في قلبه غير فكرة واحدة بس في اللحظة دي: الإشاعات صحيحة! بنت بالجمال ده كلها مسيطر عليها أخوه لمدة أكتر من عشر سنين!
كان المفروض تكون لابسة فساتين طويلة من خيوط ذهبية، وعقود من لؤلؤ أعماق البحار، وتاكل فواكه طازة ولحمة، وتشرب أحلى أنواع النبيذ والأكلات الفاخرة، مش إنها تمشي ورا أخوه الصياد الفقير ده، تعيش عيشة فقيرة! حرام!
'ديكتيس، دي مراتك؟' بوليدكتس نزل من على العرش وحيّا أخوه 'بحب'، وعيونه ما بطلتش تروح على دانايه اللي واقفة على جنب، النظرة دي خلت دانايه مش مرتاحة ونزلت راسها عشان تهرب من نظراته.
'......'
بيرسيوس بسرعة وقف قدام أمه، عينيه الحادة مركزة على بوليدكتس، وعيونه كلها تحذير للملك الوقح.
بيرسيوس من عيلة نبيلة، والضغط الخفيف اللي طلع بدون ما تشوفه، خلى بوليدكتس فجأة يحس بشوية خوف، وماقدرش يمسك نفسه غير إنه يرجع كم خطوة لورا، وبعدها حس بضيق.
هو الملك العظيم بتاع سيريفوس، أهم وأشرف شخص في المملكة دي كلها، وفي الآخر بيبين خوفه قدام واحد من عامة الشعب! يالهوي على الإهانة!
'جرأة! إزاي تتجرأ وتبص للملك بالنظرة دي؟ ديكتيس، دي تربيتك؟' بوليدكتس صرخ بأعلى صوته لأخوه الصياد.
'أخويا، بيرسيوس لسه صغير ومايعرفش حاجة، فبلاش تزعل منه. ودانايه مش مراتي...' ديكتيس بيحب دانايه، بس هو طيب وصادق، وشايف إن دانايه عندها عقدة في قلبها مش قادرة تتخلص منها، فقرر بس إنه يكون معاها بهدوء، ومش عايزها تعمل حاجة عكس إرادتها بسبب أي مصلحة أو أي حاجة تانية.
'أوه؟ مش مراتك؟' بوليدكتس فرحان أوي لما سمع الكلام ده، وقاطع ديكتيس في نفس اللحظة وقال بحماس، 'أنا قولتلك، أنت صياد فقير، إزاي تستاهل واحدة بالجمال ده كله؟'
ملك سيريفوس بص على دانايه اللي كانت مستخبية ورا بيرسيوس، وقال بنظرة فاكر إنها حب عميق، 'دانايه الجميلة، من أول لحظة شوفتك فيها، عرفت إنك حبيبتي اللي مقدرالي، خليكي ملكتي، هتكوني أشرف واحدة في المملكة، أي حاجة عايزها، ورد، نبيذ، مجوهرات، أو ذهب، هاقدر أديهولك، هتكوني أشرف واحدة في المملكة. هاقدر أديلك كل ده، وابنك، بيرسيوس، يقدر يكون أمير في البلد دي زي ابني ويتمتع بأعلى درجات الشرف.'
'......'
دانايه ماحستش بأي شعور كويس ناحية الملك المتغطرس والوحشي ده، ولما سمعت كلامه، ماقدرتش تمسك نفسها وطلعت من ورا بيرسيوس، ورفضت عرض الزواج بتاع الملك ده من غير أي تردد، 'أيها الملك المحترم لسيريفوس، شكراً على لطفك، بس قلبي من زمان له مكان، ومش عايزة أكون ملكة، أنا بس عايزة أنسج بهدوء في قرية صيد صغيرة وأعيش حياة هادية، فياريت تسامحني على إنّي برفض عرض الزواج.'
'......' بوليدكتس وشه غمق للحظة، من يوم ما اتولد، يقدر يقول إنه بيحصل على اللي هو عايزه، وفي قلبه، إنه يقدر يبص لدانايه، دي نعمة ليها، وغير كده إنه ماعندهوش مانع إنها معاها ابن، وعمل تنازل كبير، ماكنش متوقع إن الطرف التاني يكون ناكر للجميل، وبيجرؤ على إنه يرفض عرض الزواج بتاعه.
'همف! النهاردة لازم تتجوزي غصب عنك أو برضاكي! فاكرة إني بناقشك؟ تعالوا يا ناس!'
مجموعة من الجنود لابسين دروع وماسكين رماح دخلوا فجأة في نص القصر الملكي، وفصلوا بوليدكتس عن بيرسيوس والتلاتة، الرماح اللي في إيديهم بتلمع بضوء بارد، وبتشاور على عيلة بيرسيوس.
جو الحفلة اللي كان هادي وفرحان تحول فجأة لمتوتر وجدي، كتير من الأمراء والنبلاء اتصدموا بالمنظر اللي قدامهم، وماقدروش يمسكوا نفسهم غير إنهم يصرخوا من المفاجأة، ورجعوا لورا بسرعة خايفين إنهم يتأثروا بالحرب المفاجئة دي.
'بوليدكتس! أنت زودتها أوي!' حتى ديكتيس الطيب، اتعصب من التصرف المتغطرس ده بتاع أخوه الكبير، ووقف بسرعة وحط نفسه قدام دانايه وبيرسيوس، 'أنت عارف بتعمل إيه؟'
'همف، مش محتاج صياد فقير زيك يعلمني، اقبضوا عليهم!' بوليدكتس على طول هز إيده وأمر الجنود يبدأوا على طول.
'همف، دول شوية جنود؟' بيرسيوس بص للجنود اللي حاصروا عليهم باحتقار كبير في قلبه، وقفز بسرعة، شكله كان أسرع من الفهد، في غمضة عين وصل قدام جنديين، وقبل ما يقدروا يتفاعلوا، رفع إيده ومسك الدروع والرماح اللي في إيديهم، وعمل ركلتين متتاليتين، والقوة الجبارة طيرتهم على طول، الجنود رجعوا لورا وطاروا، وخبطوا جامد في الحيطة، وبعدين وقعوا، مغمى عليهم.
'يا أبتي، خد دي!'
بيرسيوس رمى رمحين ودرعين ناحية أبوه بالتبني، الدم النبيل اللي في جسم ابن نص إله كان بدأ يصحى خلاص، وتحت تعاون بيرسيوس في الهجوم الأساسي، وديكتيس مسؤول عن حماية دانايه من أي أذى، الجنود اللي جوه القصر الملكي كانوا ببساطة لا يقهروا في إيد بيرسيوس، كأنهم بيكنسوا ورق الشجر في فصل الخريف، نظفوا المكان، وكلهم اتجرحوا جامد ووقعوا على الأرض ومش قادرين يقوموا.
بعد ما حل حصار الجنود، بيرسيوس رفع عينيه للملك اللي مافيش زيه، وماسك في إيده رمح عليه دم، ومشي ناحيته.
'إنت إيه... إنت عايز إيه! ارجع لورا! قتل الملك جريمة كبيرة! مش هيكون ليك مكان في البلد دي تاني، والدول التانية مش هتاخدك لو عرفوا بالجرائم اللي ارتكبتها!'
بوليدكتس ماعرفش غير الخوف في الوقت ده، النية في القتل اللي في عيون بيرسيوس كانت واضحة لدرجة إنه ماقدرش يوقف إنه يرجع لورا، وفي الآخر وصل للنقطة اللي ماقدرش يرجع فيها، وفجأة اتشل على عرشه، بيرتعش.
'بيرسيوس!' ديكتيس بسرعة شد بيرسيوس لورا، خايف إن ابنه بالتبني يعمل حاجة ماتصلحش بسبب الاندفاع.
وبعدين بص على أخوه تاني، ونبرة صوته كانت قوية بشكل نادر، 'بوليدكتس، من أكتر من عشر سنين، لقيت أم دانايه وابنها على البحر الكبير، أنت عارف مين اللي بعتهم هنا؟ ده إله البحر العظيم بوسيدون! أتمنى تفكر كويس قبل ما تاخد قرار أحمق، عشان تشوف تقدر تتحمل التكلفة دي ولا لأ! إحنا حضرنا الحفلة بتاعتك، يبقى هنسيبك في حالك!'
ديكتيس خبط الرمح والدرع اللي في إيده قدام بوليدكتس ومشي من القصر مع بيرسيوس ودانايه.
فضيحة الحفلة دي خلصت مؤقتًا، وديكتيس كان فاكر إن التحذير بتاعه جاب نتيجة، وإن أخوه الكبير المشتت مش هيكون عنده أي أفكار مايصحش يكون عنده.
بس هو لسه ما توقعش، هو قلل من تقدير جنون الملك ومكره، وبعد نص شهر، بوليدكتس هدد إنه هيخطب الأميرة بتاعة البلد المجاورة، ومحتاج يجهز مهر، عشان أهل البلد الجزيرة يسلموا حصان كضريبة.
بس ديكتيس كان صياد بس، وعيلته الفقيرة ماقدرتش تدفع الضريبة القاسية دي، فبوليدكتس استغل الفرصة دي عشان يعاقبه، بيرسيوس ماقدرش يستحمل أبوه بالتبني يعاني العذاب ده، فعرض إنه يخلي الملك يبدل بحاجة تانية، ويعفي أبوه بالتبني من الضريبة.
طبعاً، ده لعب في إيد بوليدكتس على طول، اللي كان عارف إن الضريبة على الخيول والبقر مجرد حجة، وعارف أكيد إن ديكتيس مش هيقدر يدفعها، وإنّه مش هيقدر يهزم بيرسيوس المقاتل، الملك نوى يستخدم قوته وحيله عشان يتخلص من بيرسيوس المكروه.
فبوليدكتس طلب من بيرسيوس إنه يجيب راس الوحش ميدوسا، واحدة من التلات أخوات جورجون، اللي كانت معروفة على البحر، وبيرسيوس، اللي كان صغير ونشيط، ماعرفش قوة ميدوسا، ووافق على طول على الموضوع ده، وبعدين جهز عشان يسافر ويدور على مكان ميدوسا.
بس قبل ما يسافر، خلى بوليدكتس يعمل وعد، قبل ما يرجع، مايجبرش أمه على أي حاجة.
طبعاً، بوليدكتس وافق من كل قلبه، وبمجرد إن دانايه وافقت، مش هيتحسب إجبار ههههه...
بيرسيوس راح البيت وعبى شنطه وخطة إنه يسافر، بس هو ماعرفش ميدوسا فين، وسمع إن أثينا، إلهة الحكمة، هي معلمة ومرشدة البشرية، فراح معبد أثينا، عايز يصلي لإلهة الحكمة دي عشان توجهه.