الفصل 65 اللعنة
العملية كلها كانت تقريباً خالصة، والآلهة حبسوا أنفاسهم، عيونهم مركّزة على الإلهة ذات الشعر الذهبي اللي بتشعّ طاقة حياة مش طبيعية في العالم السفلي، جنبها، الإله ذو الشعر الأسود والأجنحة الإيبونية.
"يا أرواح اللي خلصوا رحلة الموت، اسمعوا همساتي. الموت مش نهاية، دي بداية جديدة. لما تستعيدوا نقاءكم الأصلي، هتاخدوا حق تولدوا من جديد. تعالوا، ادخلوا معبد التناسخ، امشوا عبر القوس الحجري اللي بيشعّ، وهتتولدوا من جديد بنار الحياة، هتودّعوا نفسكم القديمة. هتنزلوا للعالم اللي بتحبوه دايماً في شكل جديد خالص. باسم إلهة الحياة، خلي التناسخ يتأسّس!"
بمجرد ما الإلهة اتكلمت، ظهر قوس حجري ضخم. معمّول من أعمق أحجار تارتاروس، كان بيلمع بلون بنفسجي غامق غامض، منقوش عليه نقوش فضية إلهية معقّدة. القوة الهائلة للفضاء شكّلت دوامة من الضوء جوّه.
"باكوس."
الإلهة ذات الشعر الذهبي والعيون البنفسجية تبادلت نظرة مع نصها التاني. الإله الوسيم ذو الشعر الأسود هز رأسه باحترام وطلع بذرة ذهبية من صدره. نشّط جوهره الإلهي للموت، وهالة موت كثيفة اندفعت في البذرة المعجزة. تحت تأثير الطاقة المميتة دي، البذرة طلعت ضوء ذهبي-أزرق إلهي لامع.
نبتة صغيرة طلعت من الأرض، وعشبة إلهية مليانة بقوة الإحياء اتولدت في لحظة. جسمها الذهبي من غير ورق كان طويل وشبه الكرمة، مزيّن بورد أزرق ساحر بيتفتح زي اللوتس، بتلات طويلة معاها خيوط رفيعة، شكلها حلو ومهيب في نفس الوقت.
باكوس رمى عشبة الإحياء ناحية القوس الحجري. العشبة الإلهية الخارقة والجميلة على طول جذّرت نفسها وتلفّت حوالين القوس، واندغمت فيه تحت تأثير إرادة العالم. الضوء المتدوّر بتاع البوابة اتحوّل للون ذهبي-أزرق، وكمل بوابة التناسخ اللي مليانة بقوة الميلاد من جديد.
مع تأسيس بوابة التناسخ، موجة غريبة من الطاقة بدأت تطلع من إرادة العالم، وده حسّ بيه حتى الآلهة المتلخبطين، كإشارة فرح.
في الفراغ، قوة لا توصف ولا تُدرك كانت بتتجمّع، بتكشف عن ظل لجوهر إلهي غريب، أسود وأبيض متداخلين، بيتجسّد تدريجياً قدّام الآلهة. كانت قوتين إلهيتين متعارضتين تماماً، متكثّفين دلوقتي جوه جوهر إلهي واحد.
جوهر الإحياء الإلهي جوه هبة، طار من غير سيطرة، وتحوّل لخط من الضوء اللي اندفع جوه ظل الجوهر الإلهي ده. على طول، الجوهر الإلهي الأسود والأبيض شعّ بضوء لامع، واخد شكل بسرعة.
الإلهة ذات الشعر الذهبي والعيون البنفسجية مسكت الجوهر الإلهي في إيديها، ودمجته في جسمها. شعّت بضوء أسود وأبيض، ومستوى قوتها الإلهية بيزيد على طول لحد ما وصل لأعلى مستوى من الآلهة العالية، وكأنه اتوقف بسبب حاجة.
"اِحْتَضِن الموت، وخلّي حياة جديدة تظهر، باسم هبة، خلي التناسخ يتأسّس معايا كسيّدته!"
بكلمات الإلهة الأخيرة، التناسخ اتأسس رسمياً في عالم الفوضى. إرادة العالم انتشرت في كل أرجاء عالم الفوضى، وأثّرت على كل حاجة—من جبل الأوليمبوس العالي لحد الأراضي والمحيطات الواسعة، وحتى الكيانات اللي عايشة في أعماق العالم السفلي. الإرادة دي ألهمت فرح لا يمكن السيطرة عليه، من أعماق قلوبهم.
عالم الفوضى اتغيّر، وأول واحدة حسّت بالتغيير ده كانت جايا، أم الأرض. وش الإلهة نور بالفرح؛ كحجر الأساس بتاع العالم، هي حسّت إن تأسيس التناسخ ضخّ في العالم حيوية، وخلّى شكل عالم الفوضى كأنه عاش. بدأت تسحب قوة من الطاقات الفوضوية اللي بتحيط بيه، بتحوّلها لطاقة أولية عشان تعوّض نفسها.
وهي لابسة تاج كل الخليقة، أم الأرض شعّت بوهج لطيف. تعبير وشها المهيب والرسمي قبل كده، خفّ، ووشها، اللي شكله كان كبير في السن ومتعب شوية مقارنة بأخواتها، دلوقتي كان عليه طبقة جلد شكلها زي حراشف التعبان.
في لحظة واحدة، الطبقة الحرشفية اتشالت، وكشفتي عن وش أصغر بكتير وجميل. مع تجديد جوهرها، جايا رجعت شابة تاني. التجاعيد اللي على وشها قلت كتير؛ بدل ما كانت بتبان كست ستينيات ساحرة، دلوقتي بدت كست مذهلة في أواخر العشرينات، بتطلع سحر ناضج وأنيق. حتى مع مكانتها كإلهة أولية، كذا إله ذكور موجودين، مابقوش قادرين يمسكوا نفسهم عن البلع بصعوبة لما شافوا المنظر.
…حتى بعض الإلهات الإناث حسّوا بنفس الإحساس.
جايا لمست وشها، فرحة مش طبيعية بتزيد جواها. مع إرادة أم الأرض، الطاقة الأولية على الأرض اندفعت بعنف.
الكائنات اللي على الأرض حسّوا أجسامهم خفيفة بشكل مش طبيعي في لحظة، وكأن ريحة غامضة مِلت الهوا. الأشجار والزهور المقدسة اللي بيفضّلوها الآلهة—أشجار البلوط، أشجار الحور، أشجار الزيتون، زهور النرجس، زهور الرمان، وغيرها—تحت تأثير الطاقة الأولية، بدأت تولّد حوريات شجر وأرواح زهور.
بعد جايا، إله المحيط القديم حسّ بالتغييرات في عالم الفوضى. هو كان واحد من ولاد جايا الإثني عشر، اللي بيمثّلوا نهر العالم اللي بيدور حوالين عالم الفوضى، عايش بين النجوم، ومتكلف بحراسة العالم ومقاومة غزو الطاقات الفوضوية—إله المحيط أوقيانوس.
الاضطراب في العالم صحّى إله المحيط القديم من نومه. فتح عينيه الغائرتين وبص على الأرض، بيبص على الوهج بتاعها اللي بيشعّ، وحسّ إن العالم اللي كان ساكت لفترة طويلة بدأ يسحب طاقات فوضوية، بيحوّلها لطاقة أولية عشان يعوّض نفسه. الاكتشاف ده خلّى أوقيانوس مذهول.
مش أوقيانوس بس، إله البحر القديم بونتس، اللي اتولد من جايا من غير اتحاد، بيمثّل أعماق المحيطات بتاعة الأرض، حسّ بالتغييرات. تحوّل الأرض ما فاتش ملاحظته.
عيون الإلهين القديمين دول لمعت بفهم؛ هما أدركوا إن ولادة التناسخ، زي ما أعلنت إرادة العالم، كانت مهمة بما فيه الكفاية عشان تبشر بترقية ما اتشافتش من عصور.
في نفس الوقت، أفكارهم اللي كانت نايمة لفترة طويلة بدأت تتحرّك. هما كانوا من القليلين اللي عارفين إن الطاقة الأولية بتاعة العالم مش كافية عشان تسند إله أولي خامس. مع إن العالم دلوقتي بيختبر ترقية وبيكسب القدرة على سحب طاقات فوضوية عشان يعوّض نفسه، هما اعتقدوا إن في حوالي مية سنة، ممكن يبقى فيه إمكانية إنه يسند إله تاني بالكاد.
طيب، هل هما، كتمثيل قديم لنهر العالم والبحر، ممكن يكون عندهم فرصة يتنافسوا على المكانة دي؟
في اللحظة دي، الإلهة اللي بتحكم في التناسخ، هبة، ما كانتش تعرف إن تأسيس التناسخ جابلها مش بس فوائد، لكن كمان تهديدين محتملين قديمين، مستخبيين في الظل.
في الوقت نفسه، على جبل الأوليمبوس، زيوس قعد على عرش ملك الآلهة. عيونه الحكيمة واللي بتبص للمستقبل، تعرف على التغييرات في الأرض. هو بالفعل عرف بتأسيس التناسخ الرسمي، وظهر إن جدّته كسبت فوائد كتيرة منه. ما فيش سبب إنها كانت بتحمي هبة أوي كده؛ طلع إنها المستفيدة النهائية من الموضوع ده.
عاصفة بتتحضّر في عيون زيوس الزرق السماوية، وتعبيره اتغيّر بشكل مش متوقع. هو حسّ إن الطاقة الأولية بتاعة العالم بتزيد أكتر، ويبدو إن قوته الإلهية نفسها بتزيد شوية. الحاجز اللي كان بيعافر إنه يعديه، دلوقتي بيوري علامات خفيفة بإن الموضوع بيسهل.
مع إن التسهيل الخفيف ده كان مش ملحوظ تقريباً، هو ولّد شرارة أمل جواه.
زيوس وقف بحماس من عرش ملك الآلهة، وعيونه بتلمع بطموح ما حسّ بيه قبل كده.
"يعني كده! السبب في إني ما قدرتش آخد الخطوة دي، مش بسبب نقص الإمكانيات في نفسي، لكن عشان الطاقة الأولية بتاعة العالم كانت محدودة، وما قدرتش تسند تقدمي. دلوقتي بما إن العالم اترقى وتركيز الطاقة الأولية بيزيد على طول، يعني... هيكون عندي فرصة آخد الخطوة دي!"
لو هو نجح بجد في إنه ياخد الخطوة دي وانضم لصفوف الآلهة الأولية، مش هيكون لازم يخاف من لعنة إنه يتقلب. مين هيكون عنده القوة إنه يلقي لعنة على إله أولي؟
بس، التقدم عشان يبقى إله أولي، مش هيكون سهل أوي كده...
زيوس مسح دقنه، وهو بيفكّر بعمق. عشان يحقّق تقدمه، دعم الآلهة الأولية كان ضروري. ومع ذلك، بسبب الصراع اللي فات على سلطة التناسخ، هو و"البنت الكويسة" هبة، كانوا تقريباً وصلوا لنقطة عداوة مفتوحة، مع بقاء آخر شوية كرامة بينهم.
تأسيس التناسخ جاب فوائد مهمة لجايا، والإلهة أكيد ليها وزن كبير في عيونها دلوقتي. الاستمرار في مواجهتها بالطريقة دي، ممكن يؤدّي لجايا ما تبصّش عليه نظرة كويسة، وده بيخلّي من الصعب إنه يكسب دعمها.
يبدو... إنه هيكون محتاج يلاقي فرصة يصلح بيها علاقته ببنته.
لو يقدر يخلّيها وسيطة، مش بس هيكسب دعم جايا، لكن ممكن كمان يكسب ود الإلهة نكس. طول ما فيه فايدة لتقدّمه عشان يبقى إله أولي، زيوس مستعد يشيل كبريائه ويعمل تنازلات.