الفصل 71 - بوابة التناسخ
بجد فضول... يااااه.
الفضول اللي كان مكبوت جواها طول الوقت، وتحت التفكير اللي ما تقدرش تتحكم فيه، بدأ يكبر ويزيد، والإيد اللي كانت بتنسج القماش بسرعة فجأة وقفت.
باندورا اتغاظت في صمت، عينيها الضايعة شوية بتلمع فيها صراع وتردد، مليانة أفكار ما تقدرش إلا إنها تتمتم بيها: 'مش المفروض يكون فيه مشكلة لو بصيت بس... صح! بس هافتح فتحة صغيرة، وأبص على اللي جوه وأقفلها على طول!'
الحذر اللي هيبه، إلهة الحياة، علمتهولها، بدأ ينبض بقوة، بيناديها إنها ما تروحش، بس المرة دي فشل، الفضول اللي زايوس اداهولها انفجر بعد كل السنين دي من الكبت، ومسح كل الصبر والحذر في لحظة، سحر عيون باندورا وساقها ناحية الصندوق.
باندورا، الجميلة المطلقة اللي صنعها الآلهة، فتحت الصندوق ده من كتر الفضول، اللي جننها، وبتلهث وهي بتاخد نفسها، عيونها الخضرا بتدق بفضول وتوتر في اللي جوه الصندوق، عايزة تشوف الهدية الغامضة دي اللي عذبتها سنين شكلها إيه.
بس قبل ما تقدر تبص كويس، دخان أسود ريحته وحشة طلعت من الصندوق، ورفع الغطا وبدأ يملى الأوضة كلها بسرعة.
الدخان الأسود هرب بسرعة بره البيت، وانتشر في السما زي سحابة سودة، والجنون، والخطايا، والغيرة، والزنا، والنهب، والطمع، وكل أنواع المصايب اللي زايوس خبّاها في الصندوق انتشرت في كل الاتجاهات مع الدخان الأسود، والأرض كلها اتغطت بالدمار ده اللي ما حصلش قبل كده في لحظة.
'ياااه!'
باندورا اللي خافت، شافت الشر الكبير، وقفلت الصندوق بسرعة، وجريت بره البيت، بس شافت السحاب الأسود مغطي السما، وشافت عيون الناس اللي كانت طيبة أوي قبل كده، احمرت، وبدأوا يتخانقوا ويتعاركوا، لغاية لما واحد منهم يموت عشان يرضى، والفايز بدل ما يخاف من القتل والإحساس بالذنب، بقى يضحك بصوت عالي.
شافت المدينة الهادية والسلام اللي كانت موجودة قبل كده اتحولت لأرض محروقة من الجحيم، وفيها كل أنواع الشر والقبح عمالة تكبر.
شافت المجاعة، والأوبئة، والأمراض، وكل أنواع الكوارث بتجتاح الأرض.
'لا! ازاي ده ممكن يحصل!'
وش باندورا ابيض، وعيونها اللي بتدمع فقدت لمعانها الأصلي، ووقعت على الأرض، ورعبها خلاها تدخل في حالة ذهول، ودمعتين صافيين نزلوا من عينيها، وراحوا نازلين على خدودها.
خلاص، كل حاجة خلصت... بسبب الفضول الغبي ده، إيديها هي اللي دفعت الجنس البشري لطريق الانقراض، هي المذنبة في الجنس البشري!
باندورا رجعت البيت وهي مش مركزة، لمعان المقص اللي على الترابيزة شد انتباهها، وبصت عليه في حالة ذهول.
الفضول... اللعنة على الفضول ده... اللعنة على الفضول ده!
وبإحباط في عينيها، باندورا مسكت المقص اللي على الترابيزة بعنف، وغرزته في قلبها.
برك من الدم نزلت من الجرح، برغم إنها كانت أجمل امرأة الآلهة عملوا كل مجهودهم عشان يخلقوها، بس هي مش خالدة، الجميلة دي اللي كان جمالها قريب من جمال أفروديت، بالطريقة دي بالظبط، خلصت حياتها في الخطيئة.
كل اللي حصل على الأرض، أكيد ما كانش ممكن يستخبى عن عيون الآلهة اللي على الجبل المقدس، الفوضى اللي على الأرض خلت هيستيا، إلهة النار والبيت والعيلة، ترجع للجبل المقدس برضه، وشها كان غضبان بطريقة ما حصلتش قبل كده، لأن الخطايا دي اللي زايوس أطلقها انتشرت مش بس للبشر، بس كمان للكائنات الحية التانية اللي على الأرض، وبعض الحوريات اللي قوتهم ضعيفة برضه اتأثروا بالجانب المظلم ده، واتحولوا لـ 'بانشي'.
'زايوس! أنت زودتها أوي! كل الشرور اللي أطلقتها دي عملت فوضى على الأرض، مش خايف من إن الآلهة جايا تحاسبك؟' وهي عيونها نار، هيستيا بتوبخ أخوها، ملك الآلهة.
'هيستيا، أختي اللي بتدي من غير مقابل وعظيمة، ازاي أنا اللي أطلقت ده؟ الخطايا دي واضحة إن باندورا هي اللي أطلقتها، أنا حبست خطايا الأرض في صندوق وأديتهولها عشان تحافظ عليه، قلتلها ألف مرة ما تفتحهوش، وهي بنفسها فتحت الصندوق السحري لوحدها، لولا إنها خافت ترتكب جريمة، كنت لازم أمسكها هنا على جبل الآلهة عشان أسألها عن جرائمها.' الملك زايوس اللي شعره أشقر قعد على عرش ملك الآلهة، وبص على الآلهة اللي كانت غاضبة أوي.
'... زايوس، عاجلاً أم آجلاً هتدفع تمن جرائم النهارده.' كلام زايوس اللي مفيش فيه خجل خلا هيستيا تتصدم، والآلهة، وهي باين على عيونها خيبة الأمل، دارت وشها ومشيت من غير تردد.
زايوس بص لظهر هيستيا، وشه متغير، وبعدين قام ونادى على الآلهة عشان ييجوا فوق السحاب الأسود، وبدأوا يبصوا على الأرض من فوق السحاب، ويبصوا على عذاب الكائنات اللي تحت السحاب، كمنظر بس.
هيبه كانت مع الآلهة، هيرا، وأريس، وهيپاستوس كلهم بصوا عليها وهم قلقانين، كانوا عارفين إن البشر طول الوقت كانوا مميزين في قلب هيبه، وخافوا إنها ما تقدرش تتقبل دمار خلقها على إيد زايوس.
هيبه ابتسمت و هزت راسها شوية عشان تبين إنها كويسة، وإن فيه أمل للبشرية وإن الموت مجرد بداية.
'الوقت جه، يا پوزيدون، عشان تطهر الأرض من خطاياها.' زايوس قال بصوت عميق لـ پوزيدون وهو بيبص على الأرض المدمرة.
'همم.' پوزيدون هز راسه، والسلاح الإلهي اللي فيه قوة المحيط ظهر في إيده، والآلهة اللي بتزلزل الأرض استخدم قوته الإلهية عشان يجيب الكارثة الأخيرة للجيل ده من البشر - الطوفان العظيم اللي هيدمر كل شيء.
'يا بحر، اغسل القذارة اللي فوق الأرض!'
وبمجرد ما صوت ملك البحر خلص، الترايدنت اللي في إيده طلع منه نور إلهي أزرق، والمحيط اتهز، وموجات عاتية طلعت للسما، وتسونامي كبير ما بيرحمش اجتاح الأرض في وقت قياسي، وغرق وقتل كل الكائنات الحية اللي على الأرض.
تحت التسونامي اللي عمله پوزيدون، الأرض بسرعة 'اتطهرت'.
بس بس السفينة اللي شايلة پيراه و ديكاليون فضلت طايفة في الميه الواسعة. للاثنين دول اللي هربوا من الشبكة، زايوس مش بس ما قتلهمش، بس كمان أمر الآلهة إنهم يحموهم، لأن ده 'الأمل' اللي سابوه للبشرية، بس كمان القطعة الجاية في خلق البشر.
پيراه و ديكاليون فضلوا طايفين في الميه تسع أيام وتسع ليالي، وأخيراً في اليوم التاسع السفينة وصلت لـ جبل پارناسوس قرب ديلفي.
ديكاليون و پيراه كانوا متحمسين أوي إنهم يدخلوا تاني على الأرض الغنية والهادية بعد الكارثة، لدرجة إنهم كادوا يدمعوا، بس وهم بيبصوا على الأرض اللي كانت فاضية من ولاد وبنات الآلهة، ما قدروش يوقفوا موجة حزن ما حصلتش قبل كده من إنها تزيد جواهم؛ الكل مات، و بس هما الاثنين، نفسهم و ديكاليون / پيراه، اللي فضلوا.
پيراه اللي شعرها أحمر قعدت على ركبها، وهي ماسكة آثار أمها اللي لقتها في الطوفان، الصندوق السحري اللي جاب الكارثة، ودموع البنت الصغيرة الشفافة نزلت على غطا الصندوق السحري الجميل أوي اللي مالوش مثيل.
الصندوق السحري في اللحظة دي طلع هالة ضعيفة، و بدأ ينفتح من حضن البنت، واتعلق في نص الهوا، وقدام الاتنين دول اللي مصدومين، وفتحوا الغطا بتاعه بالراحة.
كانت الهدية الأخيرة اللي كانت محبوسة في الصندوق من قبل باندورا قبل ما تتاح لها فرصة إنها تطير بره - الأمل.
الورقة الخضرا اللي عليها الأمل فضلت طايرة في نص الهوا، وأمر من ملك الآلهة طلع، 'احموا رؤوسكم، وبعدين ارموا عظام أمكم وراكم.'
الجيل ده من البشر هيتولد تحت التوجيه الشخصي لملك الآلهة ده.
هنا، ديكاليون و پيراه كانوا لسه بيحضروا لأسرار الأمر، في حين إن الأوراق الخضرا بتاعة الأمل طارت بعيد مع الريح بعد ما خلصت أمر زايوس، مافيش إله اهتم بالأمل ده الفاضي، إلا هيبه.
'پاكوس!'
في نص العالم السفلي، الإله اللي ريشه أسود قعد في معبده، العصا اللي من نوع اليشب اللي مالهاش مثيل اللي قدامه طلعت منها هالة حياة مش طبيعية.
وهو بيحس بأمر الجسم الرئيسي، پاكوس شغل قوته الإلهية، وطلع بلورة ذهبية فاتحة من الجوهرة اللي على رأس العصا، طاقتها كانت قوية أوي، ولو بصيت كويس كأنك بتشوف عدد كبير من الأرواح اللي شكلها طيور و فراشات بتطير حواليها، ولو سمعت كويس، هتقدر تسمع صوت التوسلات والصلوات.
ده سنين طويلة من الجنس البشري لمساهمة هيبه في الإيمان، هي ما امتصتهمش، بس هما بيتجمعوا في عصا الحياة بتاعتها، دلوقتي زايوس عشان يخلق بشر جداد يخصوه هو، الأمل هيتاخد، بس لسه ينفع يستخدمهم ليها، هي عايزة تستخدم الإيمان ده، وتخلطه مع الأمل الوهمي ده، عشان تخلق آلهة!
'روحوا!'
پاكوس رما على طول الإيمان البشري المتبلور ده في بوابة التجسد، مستخدماً سلطة رب التجسد عشان يبعته للأرض.
الورقة الخضرا بتاعة الأمل اللي كانت لسه بتلف حوالين الأرض بشكل غير متوقع نزلت في وادي مجهول، تموج في المكان، والتبلور الذهبي الشاحب ظهر فجأة وصدم الأمل الضعيف ده.
قوة إيمان عظيمة زي المحيط اندفعت في الأمل، النور الإلهي للأمل أزهر بعنف، النار الإلهية ولعت، والوعي بدأ يصحى.
في ضوء ذهبي لامع بس ناعم، آلهة صغيرة لابسة فستان أبيض وماسكة وردة ليلى نطت بره، تولدت من الإيمان والأمل في الجنس البشري، تجاعيدها السودا بتمثل الحيرة والمعضلة اللي قدامها، وعيونها الذهبية زي الأمل بتبص للمستقبل، تبعها مجموعة من الأرواح المقدسة اللي اتحولت بالإيمان، فراشات وشكلها طيور بتحب.