44
الفصل الأربعون - أربعة: من أنت؟
من وجهة نظر إيثان
ما فيش حاجة انتهت.
غمضت عيني للحظة أحاول أوقف سيل الذكريات. في المساء ده، اتحط قدري. خسرت الشخصين الوحيدين اللي كانو يقدروا يحموني من العالم الخارجي، غير أبويا وأمي. المصيبة ضربت فجأة وبقسوة. بس ده كان بداية حياتي والنقطة اللي بدأت فيها أتحول للظل ده.
رغم إن الحياة ممكن تكون صعبة، ما متش فجأة. أديت فرصة تانية عشان أتحول لظل وفرصة إني أشرح لهم رقبتهم واحد ورا التاني.
أنا قريب.
أنا قريييييب جدًا إني أخلي أمي تفرح بعد أكتر من ثلاثين سنة. تحولت لوحش. الناس المسؤولة عن قتلها هتدفع بنفس الدم اللي نزل منها ومن أبويا. أنا وحش ما عنديش حاجة أخسرها.
الأيرلنديين والروس بتوعي. هو خان أمي وكان واحد من العوامل الرئيسية في قتلها. هو اللي أمي وثقت فيه وعرضت عليه معلومات مقابل إنه يساعدنا نتحرر. مقرف بنفس القدر اللي قتل بيه أبويا بوحشية وأخد سلطته.
بداية قلقه على اللي هيحصل له كانت كده.
الموضوع كله إنك تجيب حقك.
العدالة...
مانترتي (الكلمات اللي بتخليني ماشي في حياتي) هي عين بعين وسنة بسن.
بالرغم من إني كنت ممكن أعيش، جزء كبير مني – أهلي، تربيتي، وحياتي كلها الزفت- كمان اتضربوا بالنار في الليلة دي. قفلت التليفون مع الليل وحطيت الجاكيت بتاعي قبل ما أروح للمراية. روز عادة بتدخل قدامي تعدل ليا ياقة القميص أو الجاكيت عشان ما فيش حاجة كانت بتظبط معاها.
روز حذرة وعايزة تكون واعية بالموقف، بالرغم من المظهر اللي بتبينه للعالم. أول ما كل حاجة تتكشف، أكيد هتحاربني بكل قوتها، بس أنا مستعد.
من البداية، أنا مستعد. ده واحد من آخر لقاءاتي مع الروس قبل ما أمشي. أنا ببذل مجهود إضافي إني أقدم نفسي بشكل لطيف.
بس مش هسيبها. مراتي.
ما يفرقش لو الجوازة دي بدأت بالطريقة الأغرب اللي ممكن تتخيلها. لسه حقيقية، وهي وافقت عليها، مضت عليها بـ "أيوة"، وده ليه أهمية أكبر بكتير من اللي هتدركها.
وكمان ما يفرقش إني بخطط أرجع لطرق القديمة، أيام القتل والتجول كذئب وحيد. روز هتكون جنبي المرة دي، وده الفرق الوحيد. ما عنديش شك إنها هتقاومني في كل خطوة.
كان عندها اختيار إنها ترجع مع توأمها أو تختفي، بس هي اختارت لأ. هي بتختار حي وحش نص الناس فيه بيعاملوها وحش والنص التاني بيتآمر عشان يدمرها.
مش هيكون سهل إني أقنعها ترفض ورث أمبر عشان عندها ولاء شديد، بس هعرف أعملها.
إحساس قوي بيضربني في وشي أول ما بفتح الباب. في إحساس غريب. ما عنديش فكرة إيه هو أو ليه، من كل الأوقات، بيوصل، بس أنا واعي بوجوده. بالنظر إلى أن غريزتي ديما بتحافظ علي حياً، ما ينفعش أتجاهلها. القتلة بيخسروا حياتهم أول ما بيبدأوا يتجاهلوا غرائزهم. وده كل اللي فيه.
أول ما رجلي بتوصل لآخر الدرج. بالرغم من إن ده قدامي مباشرة، في البداية صدقت اللي شوفته. كأنه واحد من الكوابيس الغريبة اللي الطريقة الوحيدة للخروج منها هو كابوس تاني. يمكن ذكرى أظلم ليلة في حياتي من شوية بترجع عشان تستهزئ بيا وتسحبني لحفرة سوداء دموية تانية.
أغمض وأفتح مرة، وبعدين مرتين، بس المشهد اللي قدامي بيفضل زي ما هو.
ليه الزفت لسه نايم؟
غمضت عيني للحظة قبل ما أفتحها، وفي اللحظة دي المشهد ظهر لي للمرة الأولى. كأني الولد اللي عنده خمس سنين واللي كان بس قادر يوقف ويبص كأن حياته بتاخد منه.
إن روز مرمية في آخر السلم، ورأسها مايل على جنب وأطرافها مفرودة بطريقة غريبة كأنها مكسورة، مش ده اللي واخد نفسي. هي ما بتتحركش، ودي المشكلة.
همهمت، "روز.."، بس ما بيعملش فرق. "روز!"
نزولي السريع من السلم تقريبًا خلاني أقع على وشي. حطيت إيدي على كتفها برفق وأنا راكع جنب جسدها الثابت. تقريبًا بالكاد، صدرها بيطلع وينزل.
يا زفت الهبل.
ليه ما سمعتش صوتها وهي بتقع من على السلم، حتى لو أنا متأكد إنها وقعت؟ دلوقتي إنها هنا، ده مش مهم. لو هي مجروحة بجد، بشيلها بين ذراعي وأنا ببذل كل مجهود عشان ما أحركهاش كتير. كان لون بشرتها باهت، شفايفها مفتوحة، وفي دم على كفوفها وده بيوحي إنها ممكن تكون جرحت نفسها.
"إيه اللي حصل؟" إيا وزيث بيجروا في اتجاهي، مركزين على روز بين ذراعي.
صرخت، "جيبوا العربية."
جاوب بثبات، "حاضر يا فندم"، وطلع جري.
تبعت إيا، وهي بتساعدني إني أدخل بإنها فتحت الباب.
"إيه اللي حصل؟" سألت.
"المفروض أنا أسألك ده، في الآخر. ليه ما كنتيش معاها؟"
"زيث كان بيجهز العربية لما بعتتني في مشوار."
يا زفت.
بعد ما إيا بتركب في الكرسي اللي قدام، رأس روز اتحط على رأسي وأنا أخدت الكرسي اللي ورا.
"وصلونا المستشفى. حالا."
وأنا ببص في المراية، كل اللي أقدر أعمله إني أومأ له بالرد لما العربية خرجت من البيت بصوت عالي من صوت الكاوتشوك.
مسحت بصبعي على أنف روز. بالرغم من إنها بتتنفس ببطء، ده موجود. مش بتبين أي أعراض وعي، على الرغم من ده.
زيث بيسرع بالعربية وسط الزحمة، وبيقطع قدام العربيات كأنه في مطاردة، وأنا بحاول أثبتها. إيا ديما بتبص علينا عشان تتأكد إن روز لسه عايشة.
قلبي بيبدأ يدق بصوت عالي في اللحظة دي بالظبط كأنه ما اشتغلش من فترة وبيبدأ يرجع للحياة قبل ما أحس نفسها.
بتوجع بالطريقة دي، إنك تحس بتحول في قلبك بس مش قادر تشوف الشخص اللي جابه.
"مش جبانة، صح يا روز؟"
بمسح الكيرلز اللي في وشها. هي عادة بتربطها بره أوضتنا، بس بعد الوقعة، المشبك بقى سايب. نبضها بيفضل يقل وأنا بفضل ماسك إيدها.
ده مش كويس.
"زيث، أسرع."
"حاضر يا فندم"، هو بيرد، وبمسك روز جامد عشان ما تقعش.
بغمض عيني وبشمها وأنا بجيب وشي عندها. زيها، ريحتها خليط من الورد والخزامى. برفيومها كان بيخليني أحس بالأمان زمان، بس دلوقتي بيخليني أحس برعب.
جسمي كله بيبقى زفت برد بفكرة إني عمري ما هعرف أشمها تاني. إيا بتقفز عشان تفتح الباب لما العربية بتقف قدام قسم الطوارئ. روز كانت في ذراعي وأنا بدخل المبنى.
أبلغت الممرضات اللي وصلوا على طول إنها وقعت من على السلم.
"إيه اللي لازم تعملوه ما يهمنيش. رجعوهالي."
واحدة من الممرضات بتبص عليا قبل ما تلف وتبص لجسم زيث الكبير ووش إيا الجامد. هي بتومأ بإيجاز، وده بيشير إنها واعية بنوع الناس اللي إحنا منهم.
بصعوبة ساعدتهم إني أوديها لإحدى غرف الفحص، اللي مش مسموح لنا ندخلها، بإنها حطتها على السرير المتحرك. كنت ممكن أقتحم، بس كنت محتاجهم يركزوا على روز تمامًا، مش يتشتت انتباههم بسببي.
زيث، وإيا، وأنا قعدنا في غرفة الانتظار. لونها أبيض وفيها ريحة موت ومطهرات. الموت ممكن يشم بنفس الطريقة اللي بتشم بيها المستشفى.
مختلف عن الحرق اللي فضل موجود من جرح الرصاص في صدري. الانتظار طويل جدًا. يمكن فات نص ساعة، بس شكلها أبدية. بتحرك يمين وشمال في المكان كله كإني مخنوق.
مش قادر أعمل أي حاجة، وده بيجنني في مخي. بيفكرني لما شوفت أهلي بيموتوا وحاولت بكل يأس إني أخليهم يتحركوا.
لأ. المرة دي، النتيجة مش هتكون هي هي.
"إزاي هي وقعت؟" سمعت زيث بيكلم إيا بصوت واطي.
"إزاي أكون متأكدة؟" هي بتجاوب برفق.
"فاكرة لما كنت بره؟"
"إن الآنسة تقع من على السلم مش منطقي. مش هي خالص."
"أنا عارف. إلا إذا…" وواجهها تمامًا.
"إيه؟"
"بتفكري… بتفكري إن حد زقها؟"
"إيه الزفت ده اللي المفروض معناه؟" صرخت، وأنا ببص عليهم بحدة.
بيبصوا عليا تاني. إيا وزيث عمرهم ما خفوا حقيقة إنهم مش بيحبوني، يمكن عشان القصص اللي روز بتحكيها عني أو عشان بيفكروا إني بتحكم فيها زيادة عن اللزوم شوية. أو يمكن عشان أنا باخد معظم وقتها مؤخرًا، وهي مش بتقدر تقعد وتلعب معاهم تاني، أو أيًا كان الزفت اللي بيعملوه لما بيكونوا مع بعض.
زيث بيفضل ساكت. هو ديما كان جامد من زمان لما كنا حراس روز من تسع سنين.
"بس أنا بلاقي إن الغريب إن الآنسة تقع من على السلم" قالت إيا بواقعية.
"ليه ده بيديكي فكرة إنها اتزقت؟" وقفت مشيتي الطويلة وواجهتها.
"عشان حاسة كده."
"حاسة كده؟"
"دي غريزة."
غريزة. يا زفت. هي نفس الغريزة اللي كانت عندي لما طلعت من الأوضة من شوية. لو ده حصل بسبب حد، هعرف، ولما أعمل كده، لازم يبدأوا يعدوا أيامهم الزفت.
باب أوضة الفحص بينفتح، وبجري للدكتور، وبقابله قدامه. بيشيل القناع بتاعه، وبيظهر بشرة دهنية وقطرات عرق على شفتيه اللي فوق الرفيعة.
"إزاي هي؟" سألت.
"التوت رقبتها وخبطت راسها؛ بالرغم من إنها كانت خفيفة، على الأغلب ده سبب إغمائها."
"و؟ هل هي كويسة؟"
"حسنًا، نعم، نعتقد ذلك."
"إيه الزفت اللي تقصده بـ نعتقد ذلك؟"
"إنت جوزها، صح؟"
"نعم."
"هيكون أفضل إنك تدخل وتشوف بنفسك، بس من فضلك ما تضغطش عليها."
"هي فايقة؟"
"نعم. لسه فاتحة عينها."
إحساس الراحة بيضربني كموجة طاغية، وبأخد لحظة عشان أتأكد منها في رئتي اللي بتتحرق. بدخل من ورا الدكتور وبجري، مش مهتم بالإجهاد اللي بسببه بتبقى جرحي.
روز مرمية على السرير. اللون رجع شوية لخدودها، بس لسه شاحبة. عينها بتبان بلا روح ومن غير نور، وهي بتبص للسقف.
"روز! إنت كويسة؟" تجاهلت الكرسي اللي جنب سريرها وقعدت على المرتبة. بمسك إيدها الشاحبة الضعيفة وبمثل إننا مش في مكان فيه ريحة موت.
هطلعها من هنا بأسرع وقت ممكن.
رأسها بيلف في اتجاهي، وهي بتبص عليا لثواني طويلة جدًا. ما بتغمضش بس مش مركزة.
عينها الزرقاء كانت زمان ساطعة ومعبرة بس دلوقتي من غير مشاعر زي دمية شمع.
"يا أميرة. إنت كويسة؟ كلميني."
شفايفها الشاحبة بتنحرف، وهي بتتمتم بالكلمات اللي بتخليني نصين.
"مين إنت؟"