57
من وجهة نظر **روز أميرة**
صلبي متصلب من لما دخلت جوه.
حتى لو قلت لـ **فون هاديس** يمشي، أنا مش بالكامل مسيطرة على الموقف. هو، **زيث**، و **إيا** مستنيين بره، وأقدر أرجعهم تاني، بس ده هيخالف السبب اللي دخلت عشانه في الأساس.
بحاول ما أقعدش أبص على حالة **إيثان** اللي متبهدلة كتير، بس شفايفه اللي فيها دم، و جفونه، و مناخيره صعب ما تاخدش بالي منها. **فون هاديس** ضربه ضرب، وده مش مفاجأة بالنظر لشخصية **فون هاديس** اللي مالهاش رحمة لما بيقرر يعاقب حد.
خلى وش **إيثان** الوسيم ما يتشافش. المفروض إني أحس إن الوضع أفضل كده. هو يستاهل كل حبة ألم بيمر بيها دلوقتي.
في الحقيقة، هو يستاهل أكتر.
ده اللي بقوله لنفسي على أي حال، عشان و أنا ببص عليه، الجزء الغبي اللي انكسر قلبه لما سمعت المكالمة بتاعته، برضو بيوجعني.
الجزء ده الزفت حاسس كأني أنا اللي اتضربت وعيني وارمة وشفايفي بتنزف.
بس ليه ده يحصل؟ إصابات **إيثان** ممكن تكون جسدية، بس بتاعتي أعمق. هو خبط في صدري و كسر قلبي، وبعدين داس عليه لدرجة إني عمري ما هعرف أصلحه تاني.
و كل ده كان عشان وثقت فيه. ضد حكمي السليم وشخصيتي الشكاكة، ميلت لـ **إيثان**، و هو حطم الثقة دي على الأرض.
دلوقتي، ولائي، قسمي، و واجبي تجاه عيلتي بيتحطوا في الاختبار. كل حاجة حاربت عشانها بتندفع للأمام، و مش هقدر أتجاهلها.
"إيه دلوقتي؟" صوته، بالرغم من أنه هادي، بس ما فيهوش أي مشاعر كأنه مش عايز يتكلم خالص.
"إيه دلوقتي؟" بكرر بعدم تصديق، و ده محتاج كل اللي فيا عشان ما أصرخش و أضربه. عايزة أوجعه زي ما هو بيبهدلني من جوه.
"بتجرؤ تسألني إيه دلوقتي؟"
"أفترض إني أسأل إيه؟ أنت اللي جبتني هنا و خليتني أضرب، يبقى مفروض إنك ظبطت الباقي."
بأفضل صامتة للحظة، وبعدين بسأل بهدوء أنا ما بحسش بيه، "ليه أنا؟"
"إيه؟"
"أكيد اتجوزتني لسبب، فـ عمالة أفكر، ليه لازم أكون أنا؟ أنا أسهل طريقة؟
ده عشان كنت تعرفني من سبع سنين؟ ولا كنت مخطط لكده من أول ما اتقابلنا؟"
بكره المشاعر في صوتي؛ الألم اللي وراها كله بيترجم لغضب مؤلم.
**إيثان** بيرفع كتفه. "كنتي أكتر طريقة مريحة، **روز أميرة أمبر**."
إيدي بتكون قبضة على جنبي، و ده محتاج كل قوة إرادتي عشان ما أستسلمش للانفعال. لو الغضب أكلني، هرتكب أخطاء، و هو هيكسب من غير مجهود.
فـ بتعلق في هدوئي الظاهري بأظافر مقشرة وأصابع مدممة. "هل في أي حاجة قولتهالي كانت صح؟"
"بيعتمد على إيه اللي قولته. أنهي جزء؟"
"معندكش أي تأنيب ضمير خالص، مش كده؟"
"لو تتوقعي إني أحس بالأسف إني بمشي ورا الناس اللي ذبحوا أمي و أبويا قدام عيني، يبقي لأ، معنديش أي تأنيب ضمير على الإطلاق."
لحد دلوقتي، كان عندي فكرة إن أهلُه كانوا أشباح. هو ذكر إنهم ماتوا، و فكرت إن دي النهاية.
"كان عمري خمس سنين" بيكمل بصوت بعيد. بيبص عليا، بس شايف من خلالي.
"أمي اتقتلت لما حاولت تاخدني و تمشي. وبعدين، أبويا اتضرب برصاصة في ضهره. الاتنين حصلوا قدام عيني."
وزن كلماته بيضربني في ضربة وحشية. مش بس عن موت أهله المأساوي، بس عن الطريقة اللي اتكلم بيها بهدوء عن إنه شاف جريمة قتلهم لما كان عنده خمس سنين بس.
مفيش أي مشاعر ورا صوته، كأنه خدر نفسه من المشاعر دي.
"مش فاكر وشوشهم تاني - وشوشهم وهم عايشين، على الأقل. الحاجة الوحيدة اللي فاكرها عن أهلي هي عيونهم الفاضية و الدم. دي اللي كانت القوة الدافعة بتاعتي من وأنا صبي، بس ده مش أسوأ حاجة. فاكرة المنظمة اللي قولتلك عليها؟ دي مش مدرسة للقتلة؛ دي أوضة تعذيب اسمها الهاوية. بما إننا كنا بنعرف نقتل، كنا بنُجبر ننفذ ضربات عشان فلوس أو عشان رؤسائنا."
أنا مصدومة و صامتة و أنا بركب كلامه مع بعض. مش بس إنه خسر أهله وهو صبي، بس كمان بقى قاتل. كل ده حصل معاه وهو لسه طفل.
مش غريب إنه بقى الماكينة اللي مالهاش رحمة اللي هو عليها النهارده.
مش غريب إنه ما بيترددش لما بيقتل.
حياته خلصت من زمان، فـ شايف إنه من العدل إنه يدوس على الآخرين و يقتلهم.
"دي المسافة اللي وصلت لها، ومش هوقف لحد ما اللي قللوا أهلي لعيون فاضية يدفعوا الثمن."
"وبفترض إنهم ليهم علاقة بالروس؟"
"كل حاجة ليها علاقة بيهم."
"مين؟"
"ليه عايزة تعرفي؟"
"أنت خلاص قولتلي القصة، فـ زي ما تقوللي المسؤولين."
"لأ. دي انتقامي."
"طيب، على الأقل قوللي دي. إيه علاقة الأخوة بانتقامك؟"
"كل حاجة."
"ده المفروض معناه إيه؟"
"مش محتاجة تعرفي."
"بالطبع محتاجة!"
"كل اللي يخصك هو إني بمشي ورا الروس، يبقى الأحسن تتخلصي مني دلوقتي." بيشير براسه للسلاح اللي في إيدي. "طلقة واحدة بس من المسدس ده هتنجز المهمة، ولا تفضلي إن **فون هاديس** يعمل الشرف؟"
"بطل تستفزني. فاكر إني مش هعملها؟"
"أنا متأكد إنك هتعمليها. في النهاية، سممتيني. أحسنتِ يا أميرة. أنا فخور بيكي."
"بطل تقول حاجات زي كده."
"زي إيه؟ إني فخور بيكي؟"
"أيوة. مش عايزة إنك تكون فخور بيا."
"طيب، أنا فخور. قولتلك إنك، لما تتحصري، محتاجة تجرحي، وتعضي، وتقتلي عشان تخرجي، وده بالظبط اللي عملتيه." بيكح، الدم بينزل على دقنه وبينقع ياقة قميصه زيادة. "وصلتي لمسافة كبيرة من لما ماتِ. ما خليتيش موت أهله أو أهلك يأثروا فيكي. رفعتي راسك بس ومضيتي قدام."
دموع إحباط و غضب بتتجمع في عيني، بس بتنفس بعمق، رافضة إني أطلعها عشان ما يشوفش قد إيه كلامه بيأثر فيا.
مش بس اللي قاله، بس القصة كلها عن أهله ونشأته.
مهما كسر قلبي، عندي واجب، ومش هقدر أكمله لو أنا متشابكة في مشاعره دي و بحس بيها كأنها بتاعتي.
"مين كان يعرف إننا هنلاقي نفسنا في الموقف ده؟" بسأل ببطء.
"موقف إيه؟"
"أنا ماسكة مسدس و أنت بتتعذب."
"جوازنا بدأ في حمام دم. بجد توقعتي إنه يخلص بشكل مختلف؟"
تنهيدة مؤلمة بتخرج من أعماق روحي. "هل كنت دايماً مستعد للموت بجد؟"
بيهز رأسه مرة، وبعدين بيتهز. "كنت مستعد بقالي تلاتين سنة. الوقت اللي عشته لحد دلوقتي كان مؤقت لحد ما آخد انتقامي."
"وبعدين؟"
"هاه؟"
"بعد الانتقام، كنت بتخطط تعمل إيه؟"
بيهز كتفه كأن ده مش مهم. "أرجع لندن وأخد عقود. النوع ده من الحاجات."
"وبعدين روح."
"إيه؟"
بحط المسدس على الأرض و أفضل منزوية عشان أفُك الحبال من كاحليه، وبعدين أحل معصميه وجذعه. **إيثان** ما بيتحركش، حتى لما بيكون حر تماماً.
بعد ما بخلص، بمشي بعيد عنه، بس مش بعيد كفاية عشان ما أحسش بوجوده أو أشم ريحته.
ريحته النظيفة المميزة بتملا مناخيري، بس دلوقتي مصحوبة بريحة دم، لاذعة ومؤثرة.
"تقصدي إيه بـ روح؟"
بأخد نفس حاد عشان أعرف أتكلم بشريحة من الهدوء. "بديك الطريقة الوحيدة للخروج."
"طريقة إيه؟"
"انسى الانتقام و بس امشى. ارجع لندن أو أي مكان عايز تروح له. بس متورينيش وشك هنا تاني. أنا هخلي الكل يصدق إنك مش مصنوع للروس و إننا انفصلنا وديًا." بيفتح بقه عشان يتكلم، بس بقاطعه. "تقدر تخرج من الباب الخلفي من غير حراس."
**إيثان** بيترنح على رجليه و بيمشي ناحيتي.
بمشي خطوة لورا، صوتي بيتحول لقاسي، زي **العم** لما كان بيصدر أوامر. "لو شوفتك تاني، هقتلك."
من غير ما أستنى رده، بلم المسدس من الأرض، بدور وشي، وبمشي ناحية الباب الأمامي.
رِجْلي تقيلة، بتصرخ فيا عشان أقف وأواجهه تاني، عشان آخد نظرة أخيرة، لمسة أخيرة.
قبلة أخيرة.
امشي بعيد. خلاص يا **روز أميرة**. بس امشي بعيد.
**الأم** قالتلي زمان إن التضحيات لازم تتعمل عشان العيلة و إن مش كلهم هيكونوا سهلين؛ كتير منهم هيوجعوا. قالت مفيش شرف من غير ألم.
دلوقتي فهمت بالظبط هي تقصد إيه.
أول ما الباب بيقفل ورايا بـ تكه بطيئة، بمسك نفسي في الحيطة عشان أستند. دقني بتهتز، ورجلي هتفشل.
بتنفس بعنف، كأني على وشك أتوقف في أي ثانية. ده الوقت اللي بسمعه - صوت حاجة بتتكسر في صدري.
في الأول، بيكون هادي، تقريباً ما يتاخدش بالي منه، بس بيعلى و بيعلى لحد ما بيكون الحاجة الوحيدة اللي بسمعها.
آه. ده لازم يكون معناه إن القلب مكسور.
أكتر حاجة مرعبة هي إن الإحساس ده عمره ما هيروح.