الفصل 18
صحيت اليوم اللي بعده وركبي بتعمل طقطقة كل ما أنحني وأفردها. عظامي عملت أصوات تشقق وأنا بتمدد. جسمي كله كان واجعني بشكل مفاجئ من التدريب الصغير اللي عملته امبارح. ما خطرش في بالي إن الحركات الصغيرة دي ممكن تعمل وجع بشع كده في عضلات ذراعاتي.
لما خرجت من مكاني، السيد هوانغ كان في المطبخ بالفعل، بيعمل فطار لينا احنا الاتنين. أخدت أدواتي الشخصية ومشيت في الممر القصير للحمام عشان أغسل أسناني. بعد ما اتنشطت، رجعت لمكاني عشان أحط أدواتي الشخصية و اتسلحت للمطبخ، وأخدت تفاحة وعضيت فيها. العصير غرق براعم التذوق بتاعتي. الطعم اللاذع كان واضح وفتح عيني على الآخر.
'كويس، صحيت. يلا بينا ناكل. عندنا حاجات كتير نغطيها و أتوقع إنك تتقنيها. بما إن مفيش معانا غير أسبوعين أو يمكن أقل، مش هنقدر نضيع وقت أكتر من كده، فكل بسرعة." السيد هوانغ حتى ما تعبش نفسه بالكلام العادي، وأنا تبعته. مسكت عيدان الأكل الخشبية وبدأت آكل.
كان فيه مشكلة كبيرة في محاولة الأكل بعيدان الأكل عشان أنا دايماً بفضل المعالق والشوَك عنهم. استخدمتهم مرة أو مرتين بس أهلي دايماً كانوا بيقولوا لي إن الطريقة اللي بمسك بيها غريبة شوية، وعمرهم ما صححولي. شكيت إن براينت له علاقة بالموضوع عشان هو الشخص اللي دايماً بيؤمن بالتميز، ودايماً بيشجعني أعمل الحاجات بشكل مختلف.
أخدت شوية وقت عشان أخلص عشان أصابعي مش شاطرة في استخدام الأداة دي، بس في النهاية حشرت آخر قطعة في بقي وشطفت الأطباق بسرعة. ربطت شعري وحطيت مزيل عرق عشان أجهز لأبدأ التدريب تاني. وأنا بخرج من الكوخ، جريت للمكان اللي كان السيد هوانغ واقف فيه، وعينه مقفولة ورجليه متباعدة شوية وإيديه متشابكة ورا ضهره.
'اليوم ده هيبقى اليوم اللي هتراجعي فيه." كيس كشرت في الموضوع ده، ومابتحبش صوت الفكرة دي.
'تقصد هنعيد الروتين ده تاني؟ يا لهوي. لا، تعرفوا رجلي قد إيه وجعاني؟ لو لازم أعمل مجموعة تانية من ضرب الهوا الفاضي، مش هتفاجأ لو فجأة وقعت من جسمي،" صرخت. لا، ماقدرتش أعدي بمجموعة تانية من التمرين ده. خلاص. امبارح كان جحيم بالنسبة لي.
'لا، مش هتقدري تجبريني أعمله. مش هعمله. الفكرة دي ممكن تتحرق في الجحيم على كل اللي تستحقه. مش هعمله!" رفضت، كنت تعبانة من إني أبدو كإنسانة غبية، بضرب الهوا الرقيق اللي قدامي. يوه، أعمل ده لساعة تانية وأنا أطرافي واجعة بالفعل زي ما هي في اللحظة دي؟ لا شكراً، بفضل إن مأعملش كده.
بس طلع إن السيد هوانغ عنده أفكار تانية. بعد دقايق، كنت واقفة قدامه، بحاول أمسك شوية فلوس ورقية في نص السقوط. بتترنح على الأرض بأناقة، بتهزأني. فاكرة إنهم بيقعوا على الأرض ببطء وإنها سهلة زي الزفت إنك تمسكيهم؟ جربي. مش هتحرقي بيتك، جربي. أراهنك. متقدريش تسميني عاهرة بكاء لحد ما تجربيها نص يوم بعد ما تضربي هوا رقيق للنص التاني، بتحاولي تعملي المستحيل. (تأكدي إن الأصابع اللي هتستخدميها في الإمساك بيها على الأقل تكون على بعد 5 بوصات من المكان اللي هتتسقط فيه)
الحمد لله، السيد هوانغ سمحلي أخيراً أتوقف وآخد استراحة قصيرة. قدرت الوقت اللي كان معايا قبل ما التدريب يرجع تاني، ووقتها بس أدركت قد إيه السيد هوانغ ممكن يكون مجنون.
'على الأقل هو سيد مجنون في فنون القتال، ومش متسول مجنون متشرد بيمشي عريان في الشوارع.' أفكاري ظهرت بدون روح الدعابة، وبتعرض عليا ذكريات المرة اللي مسكت فيها راجل عريان بيمشي في شوارع المدينة المزدحمة بتاعتي. العربيات كانت بتتحرك بسرعة هنا وهناك، والراجل العجوز ده كان موجود، بيمشي بمنتهى الاسترخاء وكأنه معاه كل الوقت في العالم. على الأقل يمتلك الأدب إنه يغطي نفسه، يارجل.
كان فيه جزء مني حس بالأسف على الراجل، بس حسيت في الغالب بالشفقة على عيني.
نرجع للموضوع، توقفي عن الاستطراد يا مؤلفة. ركزي.
إذاً، بعد استراحتي القصيرة اللي فيها شربت مية باردة بشكل مفاجئ و اتبردت، دورت على السيد هوانغ اللي اعتذر عشان يتمشى شوية. لما لمحته، نطيت بسعادة ناحيته، وبحاول أرفع من معنوياتي. مين يعرف لو حاولت أتصرف بسعادة وبهجة، ممكن تتحول لإحساس حقيقي وتعدي لضمير كيس البشعة. هيكون لطيف لو هي مدحتني مرة على مرة.
'أنا جاهزة." ناديت عليه. هو لف وشه ناحيتي وبدأ يوجهني عشان أجيب كيس بلاستيك أسود كبير، اللي بيستخدموه عادة للزبالة، قبل ما يشرح المفروض أعمل إيه بعد كده.
'اليوم هيبقى يوم 'اذهب للخضرة'؛ بمعنى، هتجمعي الزبالة على طول المكان ده وعلى التل اللي المتنزهين بيمروا منه عادة لما بيتجولوا."
كيس كشرت. هبقى ست الزبالة؟ إيه؟
'عفواً؟" طلبت منه السماح و هو لف عينه. 'أخوكي كان عنده نفس النظرة الغبية في عيونه لما قلتله يعمل كده مرة. أنتم يا جماعة المدلعين زي بعض." خطف البلاستيك من إيدي، و أسقط زجاجة بلاستيكية. هو انحنى، مسكها وواجهني. أداني نظرة موجهة بتصرخ 'شايفة ده؟'، قبل ما يسقط الزجاجة في البلاستيك.
'فهمتي؟ طيب، يلا." سلمني كيس البلاستيك لإيدي المرتخية و وجهني ناحية الطريق اللي بيوصل ل مسار التنزه. بدون أي إنذار، دفعني في الاتجاه ده وأبعدني.
'يا سلام، الطريقة المثالية اللي تخليني أحس إني مرحب بيها هنا،' رديت في عقلي مع لف عيني، بس فضلت أمشي لقدام.
'دي على الأرجح الطريقة الأسلس للتخلص من شخص متقدرش تتحمله قدام عينك. أحسنت يا سيد هوانغ.'
ضمير كيس تمعن. مفيش عجب إنه كان Shī Fu (سيد)، هو شخص ذكي.
بدأت رحلتي وانتهى بي الأمر بتنظيف مسار التنزه بالكامل. بما إني ما جبتش شنطتي معايا، مكنش معايا أي أكياس بلاستيكية عشان أغطي بيها إيدي وأنا بلم الزبالة اللي كانت متناثرة في كل مكان. بعضها لازم يكون قعد هناك لأسابيع عشان الأغلبية كانت مدفونة نصها تحت الأرض. لقيت أعقاب سجائر، أكياس حلويات، علب فارغة من مجموعة متنوعة من المشروبات والأكل المعلب. كانت في كل مكان، وأقسم لو لقيت الناس اللي سابوها هناك، هخنقهم في مكانهم. ميهمنيش لو كانوا أغنياء، لسه هأركل مؤخراتهم عشان سابوا مثل هذه الفوضى عشان الله يعلم مين يلمها.
طلع إن المسار كان طويل، عشان كده قضيت اليوم كله بتعثر على طول الطريق، وبأزود الوجع في ضهري كل ما انحنيت عشان ألم زبالة تانية.
أخيراً أخدت استراحة جنب شجرة ضخمة ليها فروع عريضة بتستخدم كظل كويس من اللي باقي من الشمس. الشمس بدأت تغرب قريباً، ولسه عندي شوية مترات أغطيها قبل ما أرجع؛ اللي، حط في اعتبارك، مش مشي قليل. كل اللي كنت بفكر فيه هو 'دي أكتر مهمة سخيفة اتسلمتها' و 'المفروض أستلم راتب من الحكومة عشان أعمل الزفت ده'.
بتنهيدة ثقيلة، رجعت على رجلي واستأنفت الخدمة المجتمعية بتاعتي لبقية الطريق. في نهاية المسار ده، كان فيه مفاجأة ضخمة في انتظاري.
خمنوا إيه كانت.
طيب لو كنتوا فاكرين إنها 7 كوم زبالة مختلفة، متناثرة على المساحة اللي ممكن تكون بحجم تل صغير، يبقي خمنتو صح. افتكرت إني ببص للسحاب، وبصدر صوت تأوه عالي وبلعن كل المتنزهين اللي سابوا مسار الزبالة الملعون ده في طريقهم. إيه اللي حصل ل 'تقدير الطبيعة'؟!
حاولت أنظف بأسرع ما يمكن، بس بمجرد ما انحنيت وفردت جسمي بسرعة كبيرة، ضهري اتشنج، وسببلي إني أكاد أسقط على الأرض بسببه. اللعنة، ده أسوأ بكتير من جلسات التدريب دي. أذرع بتوجع، أقدر أتعامل معاها. ضهر مشدود؟ لا شكراً. أفضل أبدل التانية بالأولى في أي يوم.
أخدت ساعة تانية، بناءً على السماء المظلمة، عشان أخلص كل حاجة. لسه كان عليا أشيل كيس البلاستيك المليان واللي ريحته وحشة كل الطريق ل كوخ السيد هوانغ، اللي كان تمرين لوحده. ربطت فم كيس البلاستيك عشان أتأكد إن مفيش حاجة هتنسكب، وعلقت الكيس على كتفي الشمال.
في اللحظة اللي كنت واقفة فيها قدام كوخ السيد هوانغ، أسقطت كيس البلاستيك و وقعت على مؤخرتي على الأرض الخالية من العشب. 'أرجوك قوليلي إن عندك أكل جوة وبيتوسل إنه يتاكل عشان أنا ميتة من الجوع،' توسلت ليه، و هو ببساطة ضحك عليا.
'أوه، وأرجوكي قوليلي إن دي آخر مهمة اليوم عشان أقسم إن لو لازم أعمل واحدة كمان، هغمى عليا من الإرهاق وهعاني من أطراف مشدودة.' السيد هوانغ ضحك و لوح لي، و طلب مني أدخل الكوخ.
نضفت وأكلت عشا بعد كده، وودعت السيد هوانغ ليلته وانسحبت لمكاني.
في اللحظة اللي خبط فيها راسي على الغطاء، أغمى عليا و الظلام حاصرني.