الفصل 4
الساعة اللي بعدها اتملت بريحة أكل يجنن وكلام كتير.
"مبروك إنك خلصتي المدرسة، يا كيس." جيري ابتسم لي ابتسامة سريعة وهو بياكل، وأنا رفعت راسي من وأنا بساعد بيو أحط باقي الأكل في طبقه عشان أعطي جيري ابتسامة من عندي.
"شكراً، فعلاً شعور حلو إنّي أخيراً خلصت شوية من دراستي." ضحكت بهدوء.
"كيس، ليه مش بتيجي هنا أبداً لما بيكون آدم موجود؟ مش بتوحشيه؟" كالي سألت بهدوء من ناحية يساري، وحسيت إني اتوترت.
"كالي..." بريستون بدأ، بس هزيت رأسي له، وغمزت له "كله تمام".
مقدرتش أبص في وش كالي وأنا بجاوبها، خايفة تشوف في عيني حاجة مش عايزها تشوفها.
"بيوحشني طبعاً، يا حبيبتي. الأمور معقدة شوية اليومين دول." قلت بنبرة صوت منخفضة، بحاول أخلي مشاعري تحت السيطرة.
كالي هزت راسها، واضح إنها حست بالحزن والنبرة الحزينة في صوتي، وده غالباً صعب يتفوت. حسيت بالذنب لأني مقدرتش أقولها الحقيقة، بس هي لسه صغيرة.
وفجأة، الباب اتفتح بقوة، واتخضيت في مكاني، وبصيت حواليا.
جيري وبريستون كانو عاملين نص تكشيرة، بس كنت شايف عدم الراحة في عيونهم.
من الباب، صوت ما سمعتوش من زمان نادى.
"بيو؟ كالي؟" بلعت ريقي، وبصيت لـ بريستون اللي كان ثابت في مكانه. عيني راحت لـ جيري اللي كان مصدوم لدرجة إنه ميعرفش يعمل أي حاجة.
مفروض ميرجعش غير بكرة. المفروض يكون عند صاحبه. المفروض ميكونش هنا اليوم.
"بابا؟" الصوت كان أقرب بكتير دلوقتي، ومع ذلك، ولا واحد فينا قدر يتحرك غير العيال اللي كانوا بيبصوا في وشوشنا في حيرة.
كنت عارفة إنهم عايزين يسلموا على أخوهم الكبير، بس كنت عارفة إنهم غالباً حسوا بالتوتر اللي في الأوضة.
"بريستون؟" الصوت كان جاي من باب المطبخ، وكان ضهري ليه. ومع ذلك، غمضت عيني بقوة، في آخر محاولة يائسة إني أختفي.
هيبقى وقت كويس أوي لو يديني قوة الاختفاء أو الانتقال الفوري دلوقتي، يا الله.
في أي وقت...
لأ؟
يا خراشي.
"مين دي؟" متأكدة إن السؤال ده كان ليا، وبيوجعني إني أتذكّر إنّه ميعرفش أي حاجة عن ماضينا مع بعض؛ إنّي أعرف إنّ الذكرى اللي بينا مش موجودة تاني.
أخدت نفس عميق قبل ما أبص لـ بريستون في عينه، بس نظره كان مركز على الراجل اللي ورايا. لمحة من الخجل كانت واضحة في عيونه، بس كانت كفاية عشان توتر أعصابي.
اتحركت ببطء من مكاني في نفس الوقت اللي جيري وبريستون اتحركوا فيه من مكانهم. وأخيراً جمعت الشجاعة الكافية عشان أواجهه، ولفيت عشان أقابل عيون آدم.
العيون دي كانت لسه خضرة زي زمان، وكنت هفضل باصة فيها أكتر من كده لو مظهره مكنش بيشتت.
هدومه كانت متقطعة، والتراب مغطيها، وكمان وشه. وزنه كان على رجل واحدة كأن رجليه التانية مجروحة، بس وقفته كانت بتقول إنّه مستعد يهاجمني لو عملت أي حركة غلط.
التراب كان لازق فيه زي جلد تاني، بس اللي لفت نظري إنّه كان بينزل منه دم من جرح في دراعه.
التعرف على بعض ظهر في عيونه، والأمل ملاني إني يمكن، بس يمكن، يتذكّر مين أنا، وإيه كنا.
بس الأمل ده اختفى بمجرد ما ظهر لأنّ التعرف ده تحول لكره.
"أنتي." هو زمجر، وشكله كانه مستعد يعض رأسي. إيده طلعت بسرعة وحاول يمسك رقبتي، بس ردود أفعالي اشتغلت، ونطيت قبل ما أدور بعيد. العيال صرخوا في رعب، وهم شايفين أخوهم بيحاول يأذيني.
"أيه اللي بتعمله هنا؟!" طلب من جيري، ولما مجاش رد، لف لـ بريستون.
"أنت اللي عزمت القاتلة دي في بيتنا؟" صرخ. العيال شكلهم كان مرعوب، وجيري كأنه لاحظ ده، فلف وقال لهم يروحوا أوضهم.
بس بدل ما يعملوا كده، جروا عليا وحضنوا كل رجل من رجلي. اتوترت وبصيت عليهم لتحت. كنت حاسة إنّ عيوني بتلين لما شفتي نظرات الخوف في عيونهم.
"ليه بتحضنوها؟ هي اللي قتلت أمنا! هي قاتلة! سفاحة! كده بتعاملوا قاتلة أمكم؟ بتحضنوها وبتعزموها في بيتكم على العشا؟" آدم صوته كان غاضب، وكل كلمة ضربتني زي رصاصة.
إزاي وصل لكل الاستنتاجات دي كان لغز بالنسبة لي، بس محدش، ولا هو حتى، يقدر يزعق لـ كالي وبيو بالشكل ده. يشتمني ويتّهمني بأشياء عبثية؟ براحتك. بس لما تبدأ تخوّف الصغيرين، استعد إنّك تقابل الجحيم.
"ماتتكلمش معاهم كده." صرخت فيه، والعيال الاتنين استخبوا ورايا، بيدوروا على الأمان من أخوهم الغاضب.
نظره اتثبت فيا، والعيون دي اللي في يوم من الأيام كانت بتبصلي بحب وود، كانت بتبصلي دلوقتي بكره، وكانت أبرد من أي وقت فات.
"ماتجرأش تتكلم معايا كده؛ ابعدي عن عيلتي، بيتنا، وسيبنا في حالنا. مش كفاية اللي عملتيه؟ أخدتي أمنا، وإيه؟ هتاخدي أخواتي الصغيرين كمان؟"
لف لجيري بنظرة اتهام، "وهتسمح لها تعمل كده، ها؟"
مستناش أي تفسير، بس هز رأسه، وبصلي آخر مرة قبل ما ياخد سكينة من على ترابيزة المطبخ، وقبل ما ينطق بكلمات ما كنتش أتخيل إنّه ممكن يقولها لي.
"لازم أقتلك بنفسي عشان تسبّبي لنا الألم والفقد ده." وراح ناحيتي، والسكينة في إيده.
لفيت جسمي، بحمي الصغيرين من الأذى، ومع ذلك كنت بحاول أمنع السكينة إنها تدخل في أي طرف من أطرافي. إيدي طلعت عشان توقف إيده إنها تطعني، بس يا دوب قدرت أقاوم القوة الرهيبة اللي كان بيستخدمها في السكينة لأني كنت بحاول أحمي العيال، وبنفس الوقت ما أأذيهوش.
في ثانية، جيري وبريستون بعدوه عني، وأخدت نفس عميق، وأخدت العيال في حضني، وجريت لأبعد حمام في البيت عشان أحميهم.
"ابقوا هنا." همست لهم، وهزوا راسهم، كالي ماسكة دراع بيو، وبتحضنه جامد عليها.
تحركت بهدوء ناحية المطبخ، وعايزة أحل الأمور مع آدم. بس لما وصلت هناك، الرجالة الاتنين كانوا لسه بيحاولوا يمسكوا فيه كويس عشان يمنعوه من إنه يجري ويدبحني بالسكينة اللي كانت مرمية على الأرض.
بريستون شافني من بعيد، وغمز لي "امشي". هزيت راسي بهدوء، وزودت سرعتي، ومشيت من الباب، ومش عايزة أخلي الأمور أسوأ من اللي هي فيه بالفعل.
تنفسّت الهوا النقي، وركبت في عربيتي، وشغلت الموتور، وطلعت من الممر. وقفت على بعد بلوك من البيت قبل ما أنزّل الشبابيك وأطفّي الموتور. مسكت المعطف اللي على الكرسي اللي جنبي، وحطيته على نفسي.
هتبقى ليلة طويلة.