الفصل 31
لما خلصت أروق، رميت أغراضي في ركني المبهدل. لاحظت قديش كان موّسخ، ووعدت نفسي أرتّب كل أغراضي بعدين.
الشباب كلهم لسه كانوا متجمعين في الصالة، وانضميت لهم. وأنا ماشية، سمعت ترنيمة خافتة من السيد هوانغ، ما كانت إلا أغنية صينية جاية من المطبخ. الشباب كلهم هزوا راسهم لي، وعطوني ابتسامات وتحيات خفيفة.
ابتسمت لهم، ما كنت أعرف شو أقول لأني حتى ما بعرف أسمائهم. عشان أكسر الصمت المحرج، حاولت أعرف واحد واحد فيهم.
"طيب، بما إننا ما عم نضرب بعض، ممكن تشاركونا بأسمائكم؟" هزيت جسمي لقدام وورا على أطراف رجلي، وحاولت ما أبين قديش متوترة.
الرجل الآسيوي حكى أول شي، وقدم نفسه والشباب. "أنا ميلو، وهذول براكستون، ولوهان، وكروخنيغنز."
حدّقت فيه، مصدومة تماماً بالاسم الأخير اللي ذكره. نظرت بينه وبين الشب اللي اسمه كرو-هذاك-اللي-ما-أعرف-شو. الشب كان الأضعف جسداً بين الأربعة، بس هاد ما خلاه أقل ترهيباً. كان عنده شعر أشقر بلاتيني وعيون رمادية باردة.
"آسف، كرو-مين؟" سألت مرة ثانية، مصدومة تماماً من نطق اسمه. كلهم ضحكوا على تعبير وجهي، وميلو حاول يوضح لي. "ألماني، واسمه صعب جداً تنطقه، عشان هيك مناديه كرو."
براكستون، أعتقد، هز راسه بتسلية، وخصل شعره الأشقر المتسخ تمايلت من جنب لجنب. جوانب راسه كانت مقصوصة قصيرة، وهالشي أبرز ملامح وجهه الزاوية. عنده عيون زرقاء فاتحة زي المي.
لوهان كان الأكبر بين الشباب الأربعة. طبعاً، كلهم عندهم عضلات، بس لوهان عنده الأكثر. الواحد بيشتبه إنه بيستخدم منشطات. على عكس الاثنين التانيين، عنده شعر أسود حالك وعيون كهرمانية. رموشه كانت طويلة، وكان لها تأثير أكيد على كيف عيونه تبين كبيرة. قدرت أعرف إنه كان الهاديء بين المجموعة.
"أنتوا أصحاب؟" سألتهم بفضول.
"أكيد. أنا أصحاب مع براكستون وكرو من وقت ما بلشنا نتدرب سوا. لوهان أخو براكس." شرح ميلو بحماس. يا ربي، لو بس عندي هالحماس كل صباح عشان أواجه التدريب.
"من متى بتعرف السيد هوانغ؟" كنت واعية تماماً إني يمكن أبدو كأني بستجوبهم، بس كان عندي أسئلة كتير عن مين هم. وسؤال الأسئلة ما كان غلط، صح؟
"أكتر من ما بتمنى. هو عمي." هالشي خلّى فكي يطيح.
"شو؟" طيب، لحظة. خلّونا نعمل شوية حسابات سريعة هون. بعرف إنها صعبة، بس أحياناً، بتحتاجها.
إذا ميلو كان، وهو على الأغلب كان، عمره 22 سنة على الأكثر، السيد هوانغ ممكن يكون جده، طالما إننا نفترض إن هو وابنه كانوا صغار كتير لما جابوا ولد. بس عم؟ قديش ممكن يكون عمر أبو ميلو؟ 70؟
"كيف هو عمك؟ نظرياً، لو سمحت." ضحك على ردّي وما بان عليه أي علامات إهانة. بالحقيقة، بان عليه إنه مستمتع بصدق؛ كأن ناس كتير تساءلوا وسألوه عن هالشي لدرجة إنها صارت بتضحك.
"أبويا أخوه الصغير. في فرق عمر كبير بينهم. عمي وافق يعلمني شوية حركات لما كنت ولد صغير. كان طلب بريء من ولد عمره تسع سنين، بس أدمنت، فها أنا هون." هزيت كتفي، هاد تفسير منيح، أعتقد. ما بتخيل يكون عندي فرق عمر كبير مع براينت. هل علاقتنا كانت حتكون هي نفسها لو كان في هالفرق بيناتنا؟
السيد هوانغ فات قبل ما أغرق في هاوية الأفكار اللي مالها نهاية، ولحسني، جاب معه شوية مشروبات. مع إن الشباب ما بانوا مبسوطين كتير، أعطيت السيد هوانغ أكبر ابتسامة عندي وشربت كلشي دفعة وحدة بسعادة. بتتعود بعد كم يوم من العيش مع هالرجل، بتعرف؟ كأن كلشي بيعطيني إياه نعمة مباشرة من الله نفسه. يمكن كنت جوعانة في كل ثانية بضل فيها في هالمكان المعزول، وكل أكل بيعطوني إياه كان مرحب به بحرارة.
الشباب حدقوا فيني كأنهم متوقعين إني أموت فجأة، بس أنا ببساطة لعقت شفتيي العليا ومسحتها بإبهامي. حطيت الكاسة على الطاولة الخشبية بيننا. طعمها كان حلو ونعنع بنفس الوقت. عادة ما كنت استمتع بطعم النعنع، على عكس معظم الناس، بس ما كان عندي مانع، طالما ما حيسوي لي أي معاناة كبيرة. يمكن كان شوية أعشاب صينية أو شي. سمعت إنها منيحة للتخلص من السموم، فبتوقع إنها صحية؟
"بتعرفي عمي ما حيزعل إذا بلشتي تركضي عالحمام أي لحظة. ما في داعي تستني ليغض نظره. عنده ناس كتير عم يقولوا له قديش طبخه بشع، فمتعود على ناس عم تركض على الحمام لترجع اللي في بطنها. حتى بتساءل ليش بيتعذب أحياناً." حكى ميلو بغضب، وكأنه ممكن يمرض بعد ما شافني أشرب هالشراب. ببساطة ضحكت بهدوء، وعطيته ابتسامة صغيرة وحسيت إيد السيد هوانغ على كتفي.
"شايف إنكم قدّمتم أنفسكم. على عكسكم يا شباب، كيس بالحقيقة ما بتهتم، وبالحقيقة بتحب اللي بعمله هون. لازم تتعلموا كيف تقدروا مهارات الطبخ عندي زيها." حكى السيد هوانغ بفخر، وهالشي خلاني أضحك أكتر.
"بتكيف بسرعة، إنها نعمة حقيقية،" هاد الشي الوحيد اللي قلته للتعليق على كلام السيد هوانغ. كان منيح أعرف إني رفعت معنويات الرجل في مهاراته بالطبخ. لازم يكون وحيد هون لحاله.
"هلق، إذا ما بتمانعوا يا شباب، كيس وأنا عندنا رقص. إلا إذا بدكم تبقوا وتشاركونا؟" دعانا السيد هوانغ، بس كل اللي قدرت أعمله إني أطل عليه كأنه مجنون.