31- أصوات
~ سيباستيان~
الأوقات صارت أيام، والأيام صارت أسابيع، وقبل ما أعرف، شهر ثاني عدى بسرعة، زي ومضة. الأمور كانت بتهدى، بس عشان مصلحتي، تجنبت إيلين طول الشهر ده.
"بس إزاي ممكن تختارِ حبيبك عشان تكسرِه؟!"
أنتِ مش حبيبتي. أنتِ مش حبيبتي. عمرك ما كنتِ، وعمرك ما هتكوني.
مش عايز أتورط مع الست دي عشان ما أصبحش اللي عمري ما كنت. مش ممكن أسمح لها تخرب وظايفي. لو تجرأت وبقت بلائي، هموتها.
مش هخليها تدمرني. مش هكون زي ألفونس، ناثانيل، سفيان، وكل واحد تاني أعرفه دمر نفسه بسبب المشاعر.
"خوفي منك أكبر بكتير من حبي لكِ، سيباستيان ستيليوس."
لازم تخافي مني. وده بالظبط ليه اتجوزتك، عشان آكل خوفك عشان أكون هادي.
طول الشهر ده، حاولت أحافظ على مسافتي عشان أجمع نفسي وأرجع زي ما كنت. عشان أرجع الأمور زي ما بدأت. ما عنديش أي نية إني أطور علاقة معاها.
بروح الشغل بدري، وبرجع متأخر، ولا رحت الموعد معاها كمان. قطعت نفسي عنها خالص لمدة شهر كامل، وأنا متأكد إن ده هيكون نعمة ليها.
"كله تمام، يا ريس؟" سأل ديف بعد ما خلصنا شوية شغل.
"اه..." تهت، وأنا بفرك صدغي، وبغمض عيني عشان ما أفكرش في الموضوع، بس بعدين استوعبت إن ده كل اللي فكرت فيه طول الشهر ده - هي.
"أنت كمان الراجل اللي حبيته، يا حمار!"
"اللعنة!" بلعن، وخبطت إيدي على الطاولة، ورجعت لمكتبي عشان أريح عقلي وأركز في الشغل.
مش ممكن أخلي ده يحصل، مش عايز أسمع صوتها. مش عايز.
"يا ريس..؟" نادى يعقوب وهو داخل المكتب، بس اتفاجأ لما شافني متضايق من غير سبب، بس مش عايز أظهر ضيقي أكتر من كده، وأقول لهم إنه بسبب ست.
"إيه؟" زمجرت بغضب، وقعدت عشان أغير تفكيري، وما أركزش في بلائي، وبدأت أشتغل على ملف.
"هتروح حفلة جايك؟ أنت عارف إنه هيتباهى بنجاحه هناك، ولا نتعامل إحنا؟" سأل يعقوب بتردد، وهو بيبص على ديف عشان يسأل إيه اللي حصل، بس بصي له بحدة عشان ما يدورش على سبب تاني عشان أطلع غضبي عليه.
"لأ، ماليش وقت لحفلة تافهة. خد حبيبتك واحضرها بدالي." تمتمت، وأنا بقلب عيني. بستخدم الحفلة دي كحجة عشان أنزل جايك، وأفكره بموقعه.
أيوة، هو منافسي في الشغل، دايما بيتفاخر بمبيعاته ونجاحه، بس أنا عندي حاجتين أتعامل معاهم في نفس الوقت، وإلا إزاي هكون متفوق عليه أكتر من كده؟
"طيب..." همهم، وخرج على طول، مش عايز يغضبني بأسئلة غبية أكتر من كده.
بتقزز، كنت بشتغل على الملف لحد ما صوت ديف جه بشكل خافت، "هو حضرتك... اتخانقت مع مدام، يا ريس؟"
وقفت لثانية، وأنا بضيق عيني في غضب خالص، عشان ما يسألش وإلا هيندم.
"آسف." قال على طول، ومشي، وسابني لوحدي في أفكاري. طلعت ضيقي، وتجاهلت سؤاله، وهزيت رأسي، وركزت في الشغل.
لحد ما موبايلي رن، والراجل اللي بكرهه أكتر من أي حد، اللي مش عايز أشوف وشه. اللي بيحرق روحي - أسد بيتصل.
فككت فكي، بغضب خالص، لأنه لو بيتصل يبقى فيه حاجة هتدمر مزاجي.
أخدت نفس عميق، وحافظت على مظهري، ورديت على مكالمته، "السلام عليكم." سلم عليا بطريقته اللي معناها 'السلام عليكم'، بس تنهدت.
"مش محتاج دعاء منك مش صادق، يا أسد." رديت ببرود.
"أنت عدواني بشكل غريب، مش كده؟" سأل بنبرة ساخرة، تقريبا عشان يقرص أعصابي.
"مش فاكر إننا أصحاب أصلا." تمتمت، وأنا بقرص على جسر أنفي.
"أنت مش من ضمن الناس المفضلين عندي أنا كمان. على أي حال، مبروك. عارف إني متأخر، بس الموضوع ده كان مش من اهتماماتي." ضحك بصوت خافت، وهو بيختبر صبري. بيحب يعمل كده.
"همم." همهمت، ومش عايز أطول المحادثة أكتر من كده.
"بفكر آجي مع روبن الأسبوع الجاي." قال، وأنا متأكد إنه لازم يكون بيبتسم وهو بيتكلم باللي بكره أسمعه.
"لأ. أنا مشغول الأسبوع الجاي. هروح حفلة تنكرية. معنديش وقت." اخترعت عذر سريع، ومش عايزه يجي مع روبن بأي شكل.
"أوه، معندكش وقت لأخوك، يا سيباستيان؟ محزن." وهو بيطلع صوت 'تش، تش، تش'، وادعى التعاطف، "أعتقد ده ليه بيكرهك." قال، وفككت فكي.
"بلاش، يا أسد." حذرته إنه يكمل جملته أو يتكلم أكتر من اللازم.
"متزعلش - لو عندك قلب. أنا بس بعمل اللي طلب مني. أشوفك في الأول بعد كده. باي." قال بمرح، وقفل المكالمة، وجاب عبوس على وشي، ومش عايز أخليه يجي مع روبن، ويدمر تدفق حياتي اللي أصله مدمر.
محنة واحدة كفاية، ومفيش نية إني أتعامل مع غيرها. مش عايزه في أي مكان حوالينا، خصوصا إيلين.
تنهدت، وهزيت رأسي، ومش عايز روبن يفتكر إني كداب، فكان لازم أروح الحفلة دي غصب عني.
"يا يعقوب." ناديت، وأنا رايح لمكتبه.
"نعم، يا ريس؟"
"متتعبش نفسك. هاخد إيلين لحفلة جايك." قلت له ببرود. اتفاجأ بس ما سألش، وهز رأسه، "طيب، يا ريس."
تنهدت، وعبست لأني دلوقتي لازم أعلم إيلين إزاي تتصرف كزوجين بيحبوا بعض قدام العالم، وما تعملش أي حاجة ممكن تدمر صورتي واسمي.
رحت البيت. أنا وإيلين كنا في الصالة، وهي مستنياني بصبر أتكلم، بس صورتها وهي بتصرخ ظهرت في دماغي، وده خلاني أفك فكي، وحبست نفسها.
"هـ-هل عملت حاجة؟" اتلعثمت، وهي بتاخد خطوة لورا، وماسكة طرف فستانها.
"أنتِ اللي أثرتي في عقلي. بقيتي أول صوت سمعته بعد وقت طويل مؤلم، ومع ذلك عندك الجرأة إنك تسألي عملتي إيه؟!"
"هنروح حفلة تنكرية الأسبوع الجاي، وعايزك تتعلمي إزاي تتصرفي كزوجة مناسبة." أمرت، وملامحي بترفض تتحول لأي حاجة رقيقة ليها. مش هسمح لهم. مش هسمح لها.
"هـ-هل لازم..؟" سألت بخجل، وهي مش حابة فكرة التمثيل، ولا أنا.
"أيوة. دلوقتي، تعالي هنا، ومتخافيش." مسكت معصمها، وسحبتها قريب مني، وأنا ماسك وسطها.
"سـ-سيباستيان… أ-أنا مش ممكن…" بلعت ريقها، وهي بترتعش لما مسكتها، وهي بتبص في عيونها اللي عمرها ما هترتاح في وجودي. بتلمع بالخوف اللي قدرت أسببه بكسر أحلامها.
كان الترهيب مختلطا بالإحساس بالإحباط.
كسر مشاعر شخص كان حقيقي. خليته واقع.
ارتعاشتها وقفت تدريجيا، وهي ماسكة قميصي وأنا برفض أبص بعيد. كانت ملاك بعيونها اللي مرعوبة متصلة بعيوني، "أنتِ رائعة جدا، عارفة؟" همست، وأنا بفكر في ملامحها اللي مش هادية. ملاحظا التأثيرات السلبية اللي بيحملها وجودي البحت.
بلعت اللقمة اللي في حلقي، وضغطت إصبعي على شفايفها، وبحركها ببطء شديد، بس بلا فائدة.
"مش هينفع مهما حاولت." همست، وهي بتمسك إيدي، وبتشيلها ببطء من على شفايفها.
بتضغط إصبعها على إصبعي، وشفتي إن إصبعها النقي ما لمسهوش إصبعي. معاها حق، مش ممكن. مهما حاولت ألطخ أي جزء من جسمي بالدم ده، مش هينفع.
"سيبني، يا سيباستيان. أنت بتخوفني، هياخد مني وقت أتعلم فيه إزاي أمثل." همست، وهي بتصرف نظرها، ومش قادرة تتحمل الحدة وزائد مش قادرة تتحمل حدي أنا كمان.
بكسر الإيقاع الغريب، شلت إيدي بالتدريج، وأنا مش عايز أبعد إيدي عن بشرتها. ولفيت رأسي بعيدا، وأنا بريح إيدي في جيبي، وبكورها في قبضة قوية عشان أحبس إحباطي هناك.
بتشد شعرها ورا أذنها، وهي بتبعد، وبتجري بسرعة للغرفة، وأنا واقف في الصالة الضخمة لوحدي، وبموت عشان أقتل صوتها اللي بيبقي بلائي، لأنه -
لو مش ممكن أوقف صوتها، يبقي إزاي هجاوب على نفسي؟