6- محاصر
~ إيلين ~
'بالوقت اللي فهمت فيه وضعي، كان فات الأوان. قفل كل بوابات حريتي. كنت محبوسة.'
******
شهقة ألم عالية طلعت من شفايفي من الرعب. رجلي ضعفت من الخوف لما دم ريك اتسكب على الأرض كلها.
الابن ده كان بيبتسم باستهزاء كأن مفهوم أهمية حياة الإنسان غريب عليه، كأن كلمة 'رحمة' ما تجرأتش تعدي حدودها لطريقه.
'لا، لا...' هزيت راسي، وأجبرت جسمي الضعيف والمرتعش إنه يتحرك قبل ما ياخد حياتي كمان. الدموع ضبابية رؤيتي، بتحطم قلبي.
ماقدرتش أقعد هنا ثانية واحدة. المنظر ده كان كفاية عشان أعرف إنه مش هـيتردد إنه يوقف أنفاسي كمان.
بدمعة بتنزل، درت عشان أهرب، بعيد أوي عن الوحش ده، عشان أخلق مسافات كافية ما يقدرش يقضي عليها.
بس في اللحظة اللي درت فيها عشان أهرب، صوت خطوات مبلولة مغموسة بالدم قرب مني، وغمضت عيني. ما فكرتش مرتين واستخدمت كل قوتي عشان أجري.
مش عايزة أموت، ما أقدرش أموت هنا... مش على إيد الراجل اللي كنت معجبة بيه.
'تتش، تتش، تتش.' صوته جه، ووقف نفسي بس بدأت أجري والخطوات اتسارعت.
هو سريع، أسرع مني بكتير.
مسحت عيني عشان أوضح رؤيتي، جريت بس قبل ما أصرخ عشان أطلب المساعدة، مسك خصلة من شعري، وتبعها ضحكة مرعبة.
'فاكرة بجد إنك تقدري تهربي؟' همس بإغراء في ودني، وهو بيشد قبضته على شعري اللي خلاني أتأوه.
'سيبني!' صرخت بس متجاهل كلامي، سحبني جوه تاني، ماسكني بصلابة، وقافل كل طرق هروبي.
'اخرجوا. كلكم.' أمر بصرامة لكل اللي كانوا موجودين هنا، ومشوا وسابوني لوحدي مع الشيطان ده اللي زود مستوى الخوف في قلبي.
'إزاي قدرت تعمل كده، سيباستيان!؟' صرخت، بحاول أضربه، وبجتهد عشان أبعد.
'بطلِ التمرّد، أنتِ بس بتختبري صبري بكده.' زمجر، وأخدني تاني للنقطة اللي جريت منها.
'سيبني! إزاي تجرأ!؟ يا قاتل! ساعدوا-' قبل ما أقدر أكمل صراعي عشان أتحرر، ثبتني على عربيته بقسوة.
'قولت، بطلِ التمرّد، يا لهوي!'
صرخت بألم لما مسك إيدي الاتنين وثبتهم على العربية وهو بيضغط بجسمه عليا، وبيخوفني بقربنا.
مش قادرة أصدق، في غمضة عين، دراعاته اللي كانت بتحميني دلوقتي مش بتديني غير الاشمئزاز.
'تحركي مرة كمان وهتكوني في نفس وضع حبيبك ده.' زمجر، بيهددني اللي خلاني أتجمد من الرعب.
جسمي اتجمد لما ضغط على جسمي المرتعش، وقرب من رقبتي. نفسه الساخن خلّى روحي ترتعش.
دمعة تانية نزلت على خدي، خايفة من مواجهة عواقب مخالفته. مش قادرة أتحمل قوته، خلصت ببكي.
'ليه بتعمل كده، سيباستيان؟' سألت بصوت خافت، ووطيت راسي في هزيمة.
'ليه، هممم؟'
همهم، وحط قبلة ناعمة على رقبتي، وطلعت قشعريرة من أعماقي. ضعيفة تمامًا قدام الراجل المجهول اللي قدامي.
'للمتعة، يا حبيبتي.' عيني اتفتحت بفزع من رده. ما كانش عنده سبب يقتل ريك. ما كانتش غيرة، ما كانتش تملك...
كل ده بس عشان... المتعة.
'يا لهوي على الشيطان.' فكرت بقلق، ومرعوبة إني أتخيل.
'مين أنت؟' قدرت أسأل، بجمع شجاعتي، خايفة ليكون قاتل متسلسل أو مختل عقلي خدعني في فروسيته.
'أوه، مش هتحبي تعرفي...' تمتم، وهو بيغرس أسنانه في جلدي، حاولت أتحرك بس قبضته الحديدية تركت علامات على جلدي، بتأكد إني ما أقدرش أتحرك بوصة.
'مين يا رب تكون أنت؟' زمجرت، ومش مصدقة إني باحتقره من أعماق قلبي في اللحظة دي. بصلي إن اليوم اللي وقعت فيه في حبه ما كانش موجود بالأصل.
'هتندمي لو عرفتي.' كان على حق.
ملامحه سقطت ميتة، واداني تعبير قاتل وقف وظائفي، وسرق قدرتي على رد الفعل بنظرة واحدة، وهو بيقولي مين هو.
'الموت الأسود.'
أقول إني كنت خايفة ده هيكون تقليل. من بين كل الناس، جوزي... الموت الأسود.
الشيطان متنكر في هيئة إنسان، الراجل اللي بيتغذى على خوف الناس، اللي عايز عرش من الدم. المخلوق ده عديم الرحمة هو... جوزي؟
لاهث، حس بالرعشة بتاعتي مع الخوف الواضح، بحاول أفهم بس خلاه متحمس، حب خوفي.
'شايفة، قولتلك.' تمتم، وهو بيعض شحمة ودني، وبيأمن إيدي ورا ضهري بإيد واحدة، وهو بيمسك رقبتي، وبيشير إن حياتي في إيده.
'بصي في عيني، إيلين.' قال بس كان أمر بيتطلب طاعة.
بإجبار عيني على الانفتاح، كل اللي قدرت أشوفه عيونه القاسية عليا، بتستمتع بخوفي. مش قادرة أصدق إني كنت بتجنن عشانه.
'عشان كده لازم تختاري مُثُلك بعناية. عمرك ما تعرفي إزاي شخص تاني ممكن يكون.' همس، وهو بيشد قبضته على رقبتي.
'م-من فضلك... ما تقتلنيش...' حاولت أتكلم بين قبضته الصلبة على رقبتي، وهي بتحد أنفاسي.
'دلوقتي، ليه هعمل كده؟ أنتِ مراتي.' الطبيعي إنه كان بيديني رفرفة لما كان بيقول كده قبل الجواز بس دلوقتي. بس ده بس بيثير الرعب.
'سيبني... من فضلك...' همست، بتوسل ليه بس البحث عن الشفقة في ساحة الشيطان كان بلا جدوى.
'لا.' ضحك، وهو بيرخي قبضته اللي في النهاية أدتني شوية هوا عشان أملا رئتي.
'عمري ما هسيبك تروحي، إيلين، وأنتِ عارفة ليه؟' بيميل عشان يخلط أنفاسه بأنفاسي، وبيسبب إن جسمي يرعش من القرب، بقوته الساحقة.
'أنتِ الفريسة اللي اخترتها بنفسي.' همس بإغراء، وعيونه بتمسحني بنوايا واضحة للتعذيب.
'لا...' الدموع غمرت عيني، وحطمت قلبي، مش قادرة أتحمل ثانية واحدة مع المتلاعب ده.
'أيوة، أنتِ...' كمل بإغراء، وشفايفه بتلامس شفايفي، بتبتسم باستهزاء برعبي، بصراخي.
حاولت أحرك راسي لورا بس مسك شعري، بيجبرني إني ما أقطعش التواصل اللي هو خلقه.
وهو بيضغط شفايفه ببطء على شفايفي، ومش بيسمحلي أبعد عن لمسته المقززة.
بأغماض عيني في هزيمة، حثته على الابتعاد بس خايفة على حياتي، ما قدرتش أحرك إيدي - ناهيك عن جسمي كله، وهو بيبوسني، وبيحرك شفايفه بامتلاك عليا.
قبلة بلا مشاعر، قبلة عشان تبين السلطة اللي بيمتلكها عليا، عشان يحددني كفريسته.
بدأت أبكي، مش قادرة أتحمل أكتر من كده اللي خلاه يضحك شوية ويبعد ببطء. بيلعق شفايفه عشان يبين المتعة اللي كسبها.
بيضحك شوية، وأجبر عيني إنها تتصادم مع عيونه الجامدة اللي بلا مشاعر، وبيعبر عن فظاعته.
'ما عندكيش فكرة أد إيه كنت عايز أمسكك من اللحظة اللي حطيت فيها عيني عليكي.' قال بلهث بس ده بس مرعبني دلوقتي.
الموت الأسود حط عينيه على مجرد بنت زيي.
مش هعيش في ده، دي نهاية حياتي. مش هيبين أي تلميح للرحمة.
'لا، من فضلك، سيبني أروح. أ-أقسم، مش هـأقول لـ أي حد. من فضلك سيبني أروح. من فضلك.' تلعثمت. بتترجى على حياتي، وبشد قميصه، وبموت عشان ألاقي تلميح واحد من البوصلة في عيونه الفضية بس بلا جدوى.
طلباتي كانت غير مجدية. كانت بس بتزود استمتاعه. حب كل همسة بتطلعها شفايفي.
'من فضلك، سيباستيان، سيبني أروح، من فضلك.' توسلت، ببكي بدموع بتلمع على خدي، وبمسكه بيأس.
عيونه لاحظت شكلي الصغير بعناية، بتعبير غامض ما كنتش قادرة أفهمه. بس أيًا كان، أراهن إنه كان قاتل.
'تمام.' تنهد، وسابني فجأة. غمضت، ووقفت لثانية. ما كنتش قادرة أصدق إنه سابني أروح بس ما فكرتش مرتين.
في اللحظة اللي سابني أروح فيها، ابتعدت، وخبطت في العربية. برتعش وأنا ماسكة في العربية كدعمي. مرعوبة بعد معرفة الهوية الحقيقية للشيطان ده.
'اذهبي.' هز كتفيه، وهو بيطبق دراعاته على صدره وأنا ما كنتش عارفة، امتثلت ومسحت دموعي. بدأت أجري عشان أحافظ على حياتي.
أجري بعيد أوي عن الوحش ده، وأجري لنقطة معينة من العالم اللي ما يقدرش يرمي فيها ظله عليا. انطلقت بكل قوتي.
أو على الأقل فكرت إني عملت كده.
في اللحظة اللي أخدت فيها خطوات قليلة بعيد عنه، على أمل الهرب، ضرب جنب رجلي بس خدش رجلي، وأذاها بشدة.
أذاها اللي خلاني أصرخ، وقبل ما أعرف، أغمى عليا من الخوف الزايد.
بس آخر حاجة افتكرتها من الذاكرة المروعة دي كانت صوت ضحكته القاسية.