61.2- صلاة
'ستة، لأنّي روّعتك.'
غمّضت عيوني، وكملت كلامي، وإيديّ بتترعش من الرعب، وعقلي دخل في كابوس، والعذاب الصريح كان بيحتضن قلبي. ما كنتش قادرة أستحمل.
'سبعة، لأنّي خليتك فريسة.'
'أنا مش فريسة تاني، أنت لِسَّك قولت مراتي. ليه عايزني أوجعك عشان كده؟' سألت وأنا بمسح خدودي المليانة دموع، غرقانة في الحزن عشانه.
دي كانت دموع القهر اللي كنت بصبها مكانه، هو ما قدرش يعيط على جروحه، فعملت أنا كده.
'بس اعملي كده.' همس وهو بيكور إيده قبضة، وفكه متشنج، وضهره كله دموي ومليان ندوب في اللحظة دي.
'ثمانية، لأنك قتلت صاحب النُزُل ده.'
'أرجوك، بلاش، بتوسل إليك…' بس، ما قدرتش أستحمل تاني، بس هو قرر يغمّش رؤيتي بالبؤس، كان بيوجعني أكتر.
'تسعة، عشان ضربت صوفيا.'
شهقاتي اختلطت بآهاته، وفي اللحظة دي، كان واضح على وشه إن ضهره بيوجعه أوي، ورغم كده رفض يوقف.
'عشرة، عشان ما وثقتش فيكي.'
لما قالها، وقفت. هل هو بجد… ما بيثقش فيا؟ افتكرت إنه عشان كان سكران، ما تخيلتش إنه كان جاد بخصوص طريقته المريبة دي.
قلبي اتعصر، وده اللي أعتقد إنه يستاهل ياخده، فضربته عشان كده.
بس، لاحظت حاجة تانية كمان. هو ذكر ضرب صوفيا، بس ما ذكرش اللحظة اللي مد فيها إيده عشان يضربني، عشان هو عاقب نفسه عليها قبل كده.
ده معناه إن حد علمه إنه لازم يتعاقب بالألم الجسدي على أفعاله.
ما كانتش أول مرة، كان بيعمل كده قبل كده…
ليه؟ إزاي؟ من إمتى؟
'سيبا-' فتحت بوقي عشان أسأل، بس هو كمل.
'إحدى عشر، عشان أجبرتك.' اتنفست، ومسحت دموعي، ولبّيت رغبته، حتي لو ده معناه إني أمزّق روحي عشان كده.
'إثنى عشر… عشان كل حاجة,' صوته انكسر، وغطّى بوقه، وغمّض عينيه، لأنه في النهاية إنسان، وده كان بيوجع زي الجحيم، كان في ألم شديد.
'سيباستيان!' شهقت، واندفعت لقدام، ومسكت وشه، ومسحت الدمعة اللي في الزاوية، والعرق اللي على جبينه، وخلّيته يبص في عيني.
'أنا آسفة على كل حاجة. بس، ممكن تعمل حاجة أخيرة عشان حد تاني.' صوته المشرّخ جه، والنفس بيصبح صعب.
'مين؟'
'عشان ألفونس,' تأوّه، وهو ماسك شرارة من النار في عينيه، ما قدرتش أفهمها. عينيه كانت بتحترق وهو بيقول كده.
'عملت إيه ليه؟' سألت بتردد، بس هو تمتم، وهو بيجز على أسنانه، وبيغطي بوقه عشان ما ينكسرش.
'ما تسأليش. بس اعملي كده.' همس، وهو بيرجع شعره لورا.
بلعت ريقي، وعملت زي ما قال، وقبل ما أرجع وأمسكه، أغمى عليه بعد ما تخطّى قدرته على تحمّل الألم أكتر، ووقع فاقد الوعي من الوجع اللي سيطر على جسمه.
'سيباستيان!'
***
كنا في الأوضة، عيني كانت على ضهره العاري، وهو نايم على السرير، بالكاد حاسس بنفسه، ماسك المخدة، وبيئن باستمرار من الألم، وأنا بفضل باصة على ضهره الملطخ بالشفقة، والأهم الحزن.
بصلي، ولاحظ الحزن في عيني، ومد إيده ليا، وأنا مسكتها على طول، وماسكتهاش جامد.
'أنتِ روعة أوي، عارفة؟' همس بضعف، لِسَّه في ألم، بس بيلوّي شفايفه لفوق بالراحة، وهو بيمشي إبهامه عليها.
وأنا ببص على ضهره، أداني إحساس بالحنين، ورجعنا لليوم اللي اعترفت فيه للمرة الأخيرة.
'فاكر لما اعترفت بعد جوازنا لأول مرة؟ أول مرة سمعتني؟' سألت، وأنا باخد إيده، وبأحطها على خدي عشان أحس بدفء إيده.
'إزاي ممكن تختاري إنك تكسري حبيبك؟' سأل، وهو بينزل إبهامه، وبيمشيه على شفايفي السفلية، وبعدين بيسحبه لتحت من رقبتي لكتافي.
'فاكر؟' ابتسمت بخجل، وأنا بأدخل شعري ورا ودني.
'إزاي ممكن أنسى؟ أنا سمعتك في كل الأحوال…' ضحك بصوت أجش، وهو بيكمل اللي بيعمله، وبيمشي الصوابع دي لتحت لإيدي، وبيبعت إحساس مُرضي بشكل غريب لقلبي.
'عمري ما تخيلت إن إيذاء حبيبك ممكن يكون صعب ومؤلم كده…' همست، واللطف اللي على وشي اتغيّر بالحزن.
نظراتي رفضت تتفارق من جروحه، من البقع اللي اديتها لجسمه، وهي بتوخز قلبي باستمرار.
'ولا أنا…' همس هو كمان، وده فاجأني إني أدرك إنه عنده نفس الإحساس.
كلامه حطّم قلبي أكتر.
ملامحي اتصلبت، وأنا بمسك الملايات جامد، ومتضايقة من الكلام ده، لأنه في لحظة معينة، ألمي بدأ يدمره هو كمان، وما قدرش يستحمل العذاب.
'هيي، ما تبينيش شفقة.' ضحك، وأخد إيدي، واتنفس عن عرضي للبؤس.
'ليه…؟' عبّست، وأنا بسحب إيدي بعيد، وبأحطها على كتفه، وبتحرّك أقرب شوية.
'خليكي زي ما أنتِ، لو كنت عايز أجبر على الشفقة، كنت عملت كده من زمان. مش لازم تجبري نفسك على أي حاجة.' تمتم، وهو بيحاول يمنعني من إظهار الرحمة، بس ما قدرتش أسيطر على شفقتي، يا لهوي، أنا اللي عملت الجروح الوحشية دي.
'طيب إزاي ناوي نبتدي من جديد؟' تنهدت، وأنا بمشي صوابعي لتحت بالراحة، وبعناية على الجنب.
'مش عارف…' تنهد هو كمان، وهو بيغمّض عينيه.
'لازم ترتاح.'
تمتمت، ورجعت إيدي، وطلعت عشان أطفّي النور، وأنام، بس هو مسك معصمي، ورجعني على السرير عشان أقعد جنبه، وما أسيبش قربه.
'ابقي… ما تروحيش في أي مكان.' نادى بيأس، وهو ما سابش معصمي. هو عايزني جنبه بالظبط، مش عايز مسافة فاضية بينا.
'حط حاجة على ضهرك، بعدين صعب إنك تبص عليه كده.' عبّست، وأنا بسحب معصمي، ولاحظت الكدمات اللي بتطلع على ضهره، وبتقرفني.
'بلاش. خليه يوجع.'
صوته بقى حاد فجأة، ورفض يحط أي حاجة غير مطهّر. لا مسكّن ألم، ولا مرهم عشان يشفى بسرعة، ولا أي حاجة على الإطلاق.
'ليه؟ هتقلل الألم، حطّه يا سيباستيان. أرجوك.' طلبت بأدب قدر الإمكان، بس هو فضل عنيد، وما سمعش كلامي.
'قلت، بلاش.' سخر، وكان هايقلب راسه بعيد، بس ما سمحتلهوش، وحطيت إيدي على كتفه، بس هو مسك إيدي، وشالها.
'مش عايز أداوي الجروح دي.' تمتم، وهو في يأس عميق، ومحبط من حاجة ما قدرتش أفهمها.
'ليه مش عايز الدوا؟' سألته في سؤالي اليائس، وسكت لحظة.
نظرته راحت بعيد عني من الندم قبل ما تضرب تاني بشغف ناري مختلط بالويل.
'ليه… بتسألي؟' سأل بعد صمت طويل، وهو بيزود معدل ضربات قلبي لما قبض على إيدي،
عينيه الضيقة فاجأتني لحظة لما شفتي نظرته بتشتعل، وبتحترق بشدة من الندم والويل، وهي بتبني برج ما قدرش يستحمله، وهو بيقول السبب.
'كل الأدوية بطلت تشتغل، أنا محتاج صلاتك دلوقتي.'