44.2- كئيب
نزلت دمعة على خدي، ولحقتها دموع تانية، بس غطيت فمي عشان أكتم صراخي. حتى لو حبني، هل دي الطريقة اللي بيعاملوا بيها اللي بيحبوهم؟
كنت بـأشهق وأنا تحت الدش. قلقانة على صحة صوفيا، وعلى أهلي. بدعي لها بالسَّلامة، ومتجاهلة كلام روبن.
كان همي الأساسي هو عيلتي، مش كلام واحد قال لي في أول لقاء بينا.
بعد ما هديت نفسي شوية، وغيرت تفكيري من الرعب اللي كان مسيطر عليَّ. خرجت، على أمل إني ألاقي تليفون وأطمن أهلي وأسأل كمان على صوفيا.
بس، في اللحظة اللي خرجت فيها، شهقت لما شفتي سيباستيان بيطعن إيده بقلم، وده خلى الدم ينزل بغزارة وهو بيزمجر من الألم.
"سيباستيان! إيه اللي بتعمله ده؟" شهقت، و جريت ناحيته فورا، وركزت نظري على كمية الدم.
ما كنتش عارفة إيه اللي حصل لي، جسمي اتصرف لوحده لما شوفته بيأذي نفسه.
"يا إلهي، في دم كتير أوي. إيه اللي كنت بتفكر فيه؟" همست بصوت عالي، وإيديّ بترتعش عشان ألمس دمه. قربت إيدي بس خفت أحس بالدم.
"إيه اللي فيك؟" سألت، وعقلي راح في ثانية، وفكري تحول فجأة لجرحه. فتحت الدرج، وأخدت منديله، وقربت إيدي عشان أمسح الدم اللي بينزل.
بس، مسك معصمي، واتلاقت نظراتنا، كانت عيونه منهكة بعد ما استعاد وقفته وأفعاله اللي ما تتصلحش.
"أنا اللي رفعت الإيد دي، صح؟" نزل صوته الخشن، و هو بياخد نفسه بالعافية، ومتألم، و بيوريني الإيد اللي بتنزف.
"أهو. عاقبتها." همس، و هو بيلوي شفايفه لفوق بفراغ، بحزن. وده خلاني أوسع عيني وأبعد فجأة عن المجنون ده.
رجعت لورا، وضيقت عيني، ورفضت أصدق إنه عاقب نفسه عشان رفع إيده. مش ضرب، بس عشان رفعها.
"أنت مجنون." همست، متضايقة من اللي عمله. هل هو بجد عاقب نفسه؟
قربت تاني، وضغطت المنديل على كفه، و خليته يقعد على السرير.
جبت عدة الإسعافات الأولية، وقعدت جنبه، وحطيت مطهر على إيده ولففت الضمادة حوالين إيده المصابة.
كان بيبص في روحي مباشرة، وده بيهد كل وظائفي بنظراته اللي زادت لما كلام روبن رجع تاني.
مستحيل يحب أي حد.
كنت خلاص هربط الضمادة، بس هو نزل رأسه وحط جبهته على كتفي. اتجمدت من التلامس غير المرغوب فيه، ولفيت صوابعي عشان أقاوم نفسه اللي بتلهب بشرتي.
"بتتعبني. دايما بتعمل اللي بيعصبني." قال بصوت أجش، وهو بيغمض عيونه بس ما تفاعلش، ربطت الضمادة كويس.
بعدت ببرود، وزقيته لورا وقمت عشان أمشي، بس مسك معصمي، وسحبني تاني على السرير.
"ليه حاولتي تسيبيني؟ أنا كمان بطلت أأذيكي. حتى قولت لك حاجات ما قولتليش لحد." سأل بهمس يائس، وهو بيلوي شفايفه لتحت، والقلق مرسوم على ملامحه.
"ما عملتش. ما سمعتنيش. ما قدرتش تسمعني..." اتنفست، مش متفاعلة مع حزنه. مش ببص في عينيه، ما قدرتش أعمل كده تاني.
"إيه قصدك؟" سأل، و هو بيقطب حاجبيه.
"كنت ناوية أخليهم يسمعوني في النهاية وأمشي. أنا نفسي كنت عايزة أفضل أطول عشان أنت قولت يومين." شرحت بلا مبالاة.
"إيه؟" ما قدرش يصدق، بس سحبت معصمي منه، وبعد ما أدرك إنه بوظ الدنيا، وسع عينيه.
"ما كانش عندي فكرة... فكرت، ليه هتفضلي مع واحد زيي؟ إيه اللي اديته لك؟ أنا... فكرت إنك هتسيبيني للأبد..." بدأ يشارك رؤيته المحبطة، و هو بيبلع بصعوبة.
"أ-أنا... آسفة، إيلين..." طلع كلمة أسف بلا فائدة بس صادقة، وده ما صلحش أي حاجة.
"عشان كام حاجة هتعتذر؟" ضحكت ببرود، و اتلفت له، و بتهكم عليه وده خلاه يبص لتحت، خجلان من نفسه.
"ما كانتش أول مرة تكسر فيها ثقتي وتأذيني. في الحقيقة، ده اللي كنت عايزه تعمله فيني - تكسرني. أنا مجرد فريسة في النهاية... من إمتى صوتي وصل لك؟" ضحكت بسخرية، و عضيت جوة خدي عشان ما تنزلش دمعة علشانه تاني. ما يستاهلش بؤسي.
لفيت الملاية، و ضغطت أسناني على بعض، و غضبت منه، و خيبت أملي، و انكسر قلبي.
'لأ، ده مش صحيح... أنت عارفة، أنا سمعتك، أنت بس.' همهم، و مسك إيدي وحطها على جبهته، وده خلاني أترعب من اللي بيعمله.
"أنا آسف أوي، إيلين. ما قدرتش أفكر، فقدت السيطرة. كل ده حصل بسرعة أوي... ما رديتيش على مكالماتي كمان... ما قدرتش أفكر... فقدت السيطرة.." همس، بأرق صوت ممكن يطلع منه، و هو بيقرب إيدي و بيبوسها وعيونه مقفولة.
بس، فين الحب ده لما في لحظة، كنت عايزاه؟ قبل ما تكسر كل حاجة؟ إيه فايدته تاني؟ فين سيباستيان ده لما كنت عايزاه؟
"أنت بجد عملت كده. رحت بعيد أوي المرة دي، سيباستيان. رعبت أهلي، ضربت صاحب صاحبي، أذيتني. إيه تاني عايز تعمله عشان تكسب سعادتك؟ مش كفاية كده؟" سألت، وصوتي بيتشقق عشان لا الجرح المزعوم في إيده ولا اعتذاره يقدروا يعوضوا قلبي المكسور.
كنت بعد كل ألم أداه لي. مش كفاية.
"فكرت إنك هتسيبيني للأبد وده... خوفني. ما كنتش عايزك تسيبيني..." همس في عجلة يائسة بصعوبة شديدة. قلبي نط، ومش مدركة إيه اللي كان مستعد يعمله عشان خاطري.
"خايف تخسرني؟" سألت بشكل غامض، وكتوفي مشدودة. مش عايزة أسمع رد ما يحتملش.
بس، عاجز عن الرد بشكل صحيح، هز رأسه.
"إيلين، أنت أكتر بكتير من رغبتي العميقة." كمل، ماسك إيدي بكلتا إيديه بقوة مع يأس لا يوصف ما شوفتوش في عينيه قبل كده.
"أنت حاجتي. محتاجك جنبي، معايا، محتاجك في حياتي." كمل، وصوته بيقل، وبيجش، و بيأمل إنه ينقش بصيص واحد من الإخلاص في صوته.
"ما كدبتش، أقسم، إيلين، أنت استثنائي." وفي اللحظة دي، صوته انكسر، ومش سايب إيدي. عيونه بتموت عشان تلاقي بصيص واحد من المغفرة في عيوني، بس فضلت باصة لتحت.
"صدقت الكلام ده، إيه اللي كسبته؟ خيبة أمل. قولت لي كدب كتير أوي." ضحكت، و بتفكر إزاي صدقت في كلامه قبل الجواز، وإزاي آمنت في كل حاجة قالها في النزل.
'كل شيء على جنب، وثقت فيك، سيباستيان. كنت مرعوبة من رد فعلك، وماما سألت، هتضربه؟ جاوبت بثقة لأ. دلوقتي، مش متأكدة تاني.' قولت له بضعف، كل شيء بدأ يتناثر وكأنه ما كانش موجود.
'إيلين، متقوليش كده... أرجوكي.' همس، وسحب إيدي و بيبوسها بجدية، ورافض يسيب إيدي بس ما قدرتش أسمح بده.
'ما عنديش سبب أثق فيك تاني. أرجوك سيب إيدي، أنت بتخوفني، سيباستيان.' همهمت، وحركت إيدي لتحت، وسحبتها، وماسكة فستاني، وبترتعش برعب.
عيونه رقت في شفقة، و اتحركت أقرب عشان تاخد نظرة أوضح على وشي، و أنفاس سريعة، وعقل مخمور.
"هل أنا بالرعب ده؟" سأل، وصوته مليان بالخوف من سماع 'أيوة' بس مش هو ده اللي عايزه في المقام الأول؟
أخدت نفس عميق، وبصيت في عينيه بنظراتي الفارغة، ورديت بأمانة، "أيوة. أنت كده."
غمض عينيه عشان يحمي نفسه من نظرتي المحبطة، عشان يخفي الحزن اللي ممكن يظهره، عشان يوقف إدراك اللي عمله، أغمض عينيه في هزيمة.
و بعد ما تفكرت في تعبيراته لثواني، درت راسي بعيد، وسمحت له يغرق في هاويته المنزلية، ومش هتضايقه تاني عشان قمت ومشيت، و سبته لوحده حزين.