71.2- وحيد تمامًا
وأنا أسوي وجه يبكي، غطيت فمي عشان ما أشهق. نزلت عيني، أقّدر كيف بيكونون مقرفين.
"عشان كذا أبغى روبن برا هالشي. بعيد عن سيباستيان. أبغى أسد يتأكد إن روبن ما يقرب لسيباستيان مرة ثانية. مستعدة أسوي أي شي إلا إنكم تساعدوني."
هذا ليش كنت أكره أسد من أعماق قلبي. يبغونه يبعده عني. دخل حياتي بس عشان ياخذ أخوي حبيبي مني.
"أنتِ واعية وش قاعدة تقولين يا ألبرت؟" سأل أبو أسد وهو مو مصدق، ما قدر يصدق اللي يسمعه.
بس، إعلان الأب أكد لي إنه ما عاد يعتبرني جزء من عايلته. إني متت بالنسبة له.
"أنا بس أنقذ عايلتي من وحش."
"لا.. لا.. هو أخوي. مو حق أسد. ليش بياخذه مني…؟" همست، ورجعت خطوة لورا. الدموع تجمعت في عيني، وأنا أكره أي أحد بيتفق إنه ياخذ أخوي مني.
"يا لورد صغير-" الخادم حقنا حاول يوقفني بس، وأنا أبعدته، ودخلت الغرفة بعنف.
ما قدرت أتحمل العذاب اللي كان يتراكم. سكت، وحبست نفسي في غرفتي عشان أهدأ، بس هم رفضوا يسمعون. يبون يسرقونه مني.
"ما تقدرون تاخذونه مني!" صرخت، وبديت أشهق، وأمسكت المزهرية اللي قريبة، ورميتها على جعفر شيخ.
لأنه كان هاديء ومتماسك، تفاجأ من شكلي، وبسرعة، وقف المزهرية بمسند.
"سيباستيان؟" الأب شهق، وانصدم من انفجاري المفاجئ ودخولي اللي مو مرحب فيه.
"هو أخوي! ليش ما تفهمون، بس أبغى أسمعه؟! ما راح أخليه ياخذه مني!!" صرخت، وقفلت عيوني، والدموع تنزل على وجهي.
ما قدرت أنسى كيف كانوا يطالعوني.
ولد عمره سبعتاشر سنة يشهق من العذاب بس كل اللي شافوه وحش يبغى يحافظ على فريسته.
يطالعوني باشمئزاز.
عدم استقراري خلاني مذنب في قصتي.
"سيباستيان، خلاص! خذوه!"
زمجر، الأب رماني برا. بكيت، أترجاه يعاقبني بأي طريقة يبغاها بس مو ياخذ الأخ الوحيد اللي عندي.
"لا! لا!! لا تسرق أخوي!!"
صرخت، وحاولت أوقفهم. طالعت في عيون الأب بعيوني الضبابية المحطمة.
مقطوع النفس، منهك، ترجيت، "أترجاك يا أبتي. لا تفعل."
نزلت دمعة على خدي لما عبرت عن طلبي الوحيد بكلماتي. كنت مستعدة أسوي أي شي، عشان أقتل هالصراخ، وأقتل الوحش اللي كان عايش جواتي. أي شي عشان أنقذ عايلتي من إنها تتقطع.
بس، وش يقدر يسويه ولد عمره سبعتاشر سنة ما قدر يستعيد نفسه في سنة؟
بدون ما تنزل ولا قطرة رحمة، الأب أمر بلا قلب.
"جهزوا أغراضه. ما راح أخلي روبن في بيئة غير مستقرة."
قفلت عيوني باستسلام، وتوقفت عن المقاومة، ونزلت راسي. شفاتي بدت ترجف، الدموع تلمع بس ولا وحدة منهم نزلت تعاطف.
رموني في الصالة عشان أفكر في إني ما في أحد. كنت لحالي. لحالي تماماً.
لفيت يدي في قبضة، وصرخت على أسناني، عاجزة تماماً، ما عندي إلا شخص واحد أشتكي له، وهربت من هناك.
'أمي!!'
صرخت، وركضت أدور على أمي. وهي مو دارية، كانت تشرب شايها، وخافت لما ركضت وحضنتها بقوة.
"سيباستيان؟ وش صار يا حبيبي؟ أحد قال شي؟" سألت، وهي تقلق على طول، وتفحصني من فوق لتحت.
القلق اللي شفتيه في عيونها خلّى قلبي ينقبض. خليت أمي تتوتر بزيادة، أخذت صحتها، نومها، ابتسامتها. أنا دمرت أمي.
شهقت، وحضنتها بقوة، وأقول لها كل شي. وش تكلموا عنه، وهي مصدومة لأنها ما تدري عن هالشي بعد.
"عشان كذا خفت إنه ياخذك مني زي ما سرق روبن. صرت مجنونة من هالخوف، إيلين، وخلصت أسوي أشياء بشعة معاك."
"بياخذونه مني يا أمي! أسد هذا بياخذ أخوي!"
نفخت في أنفي، وأنا أمسك قميصها بيدي. حاولت أمسح عيوني بس الدموع ما وقفت.
رمشت، أمي ما صدقت اللي كانت تسمعه، وحطت يديها على خدي، "وش؟ وش-"
قبل ما تسأل زيادة، الأب جاء بعصبية. خافني وأعلن قراره الأخير، مع الأخذ في الاعتبار حالتي.
"هذا هو. راح أسوي شي فيك، وما راح تتكلم ولا كلمة بعد الحين. تدري وش سوى؟ حاول يهاجم جعفر شيخ!"
"سيباستيان ما يقدر يسوي كذا! أكيد أنت استفزت ولدي." أمي عبست على الأب. تحاول تحميني من غضب الأب.
"وقفوا تبرير أفعاله، اللعنة! طفشت منه خلاص." زمجر، وضرب يده على الطاولة، ورعبني بوجوده.
"وش بتسوي؟" أمي تجرأت وسألت بشكل غامض، وهو قرر إنه يزيد حالتي سوءاً اللي كانت تتحسن مع الوقت.
"بيروح للمصحة وروبن بيروح لمدرسة داخلية."
"مو معقول، ألبرت… تدري كيف صعب علينا جبنا طفلين، وتبغى ترسلهم!؟" أمي صرخت، وقفل عيوني، وأنا أرتجف من القلق.
"إذا كان لحمايتي فـ نعم." سخر.
"وش الحماية اللي تتكلم عنها بإنك ترسل ولد عمره سبعتاشر سنة لمصحة لعينة!؟ ما عندك أي رحمة!؟" انفجرت تبكي، ورفضت تتركني. وأنا أخفي وجهي في حضنها، ورفضت أتركها.
"خلاص. ما تقدرين تحميه. بيروح وهذا هو القرار النهائي."
"لا! ما راح أخلي هالشي يصير."
رفعت راسي وشفتي الدموع تنزل على وجهها، وهي تترجى الأب زي ما سويت، "ارحم ولدك شوي، ألبرت."
"فقد هالميزة."
سخر، وتركنا بقراره الأخير.
أمي حاولت تاخذني بس مسكوها. الأب ضربها، ولما شفتيها تتأذى من محاولاتها اللي مالها فايدة عشان تنقذني، استسلمت.
وافقت أروح هناك.
ما بغيتها تدمر نفسها بسببي أكثر من كذا.
"سيباستيان. أحبك، أحبك مرة، الله يخليك انتبه على نفسك."
قلبي انقبض لما استمرت تبكي بقوة، وتبوس يدي، ووجهي، ورأسي، ويديها ترتجف، وتموت عشان تسرقني من هالعالم وتحميني في حضنها.
كنت أدري إن حياتي ما راح تكون زي ما هي بعد كذا، فـ وعدت قبل ما أمشي.
"انتبهي على نفسك. ما راح أخليك تبكين بسببي مرة ثانية."
'ما عندي أي شكوى على الأب. ما أكرهه، سوى اللي المفروض يسويه. كان بس يحمي عايلته. زوجته كانت في اكتئاب، ولد واحد يجن، والثاني انصدم بعد ما فقد عينه. كان محبط وسوى اللي يقدر عليه عشان يوقف هالشي.'
72- احترقت معاها
لما شفتي أمي تحاول تنقذني من قدري بدون فايدة، وهي تصير تعيسة أكثر من اللي هي عليه- رحت للمصحة بإرادتي، وأنا مو عارف وش الكابوس اللي راح يصير لي، بس الأمور أخذت منعطف للأسوأ.
خلوني وحش حقيقي. دمروا حياتي.
الدكتورة هناك كانت عندها ضغينة شخصية ضدي. خلتني أسوأ.
تأكدت إني جيت بحالة أحسن بس ما راح أطلع بحالة أحسن.
عمري ما كرهت أحد في حياتي كلها كثر ما كرهتها. الدكتورة لورا واين.
قفلوا وصلي مع الكل، وخلوني في زاوية. عاملوني أسوأ من أي أحد ثاني لأنها هي اللي عندها السلطة.
كل شي في يدها، ووعدت إنها ما راح تطلق سراحي.
ما تكلمت، سكت، كنت بأحسن سلوك، بس ما قدرت أفهم ليش ما كانوا يطلعوني، وبعدين عرفت ليش.
مرعوب، ربطوني، وكنت أشوف مرضى ثانيين يصرخون، فـ خفت وش ممكن تسوي.
"أ-وش قاعدة تسوين؟"
"أبوك قتل زوجي وتهرب. قتل ناس كثيرين وأنت زي أبوك، أسوأ بعد."
صرت لعبة في انتقامها.
متعمّدة خلتني هناك عشان تقدر تشبع عطشها للانتقام.
"لا، مو صحيح. أمي تقول-"
مرعوب، حاولت أقول لها بس هي رمت الحقيقة القاسية على وجهي؛ كنت لحالي تماماً.
"أمك مو هنا. ما في أحد بيجي عشانك مرة ثانية."
"سرق حبيبي وما فكر ولا اهتم ثانية، بسوي نفس الشي." سخرت، وابتسمت ابتسامة سخرية. عيونها الفارغة، المجنونة، تعكس كراهية كبيرة.
"وش.. تقصدين؟" عيوني اتسعت برعب، وحاولت أتخلص من القيود بس ما في فايدة.
"سمعت إنك تحب الصراخ، يا ولد. ليش ما نسمع شوي؟"
كل اللي قدرت أكبته بسبب أغنية أمي ضربني بقوة أكبر. كل هالصراخ والظلام بدأ يسيطر علي مرة ثانية بقوة أشد ظلمة.
خلتني أطلق الصراخ الحقيقي.
"لا!! وقف!!"
استمريت أصرخ وأصرخ بس ما في أحد جاء. لا مكالمة، ولا زيارة.
"لا، لا، وقف. أرجوك… لا تأخذ انتقام أحد ثاني مني."
استمريت أترجاها الرحمة بس شفتي نسخة جديدة من العالم ما عرفتها أبد- العالم مكان قاسي.
"لا تخاف، ما راح أقتلك. مو قاتلة. بس ما أضمن حالتك لما تطلع من هالمكان- إذا قدرت." ضحكت بظلام، واستمرت تعذبني.
أعطتني حبة سببت لي كوابيس، ضربتني. ما في أحد اعترض. سلبتني من مشاعري. استمريت أطالع الجدار. ما قدرت أخفي وجهي في حضن أمي مرة ثانية.
تكرر الشي مرة ورا الثانية، يخرسني، وينتهي بطلب واحد في كل مرة.
"أرجوك… ارحمني."
بس ما سوت، واستمر يتكرر باستمرار لمدة سنة كاملة لحد ما نفد صبري، وما قدرت أتحمل هالبشاعة مرة ثانية.
بغيت هالشي يخلص وأطلق سراحي. صرت بدون مشاعر في ذيك النقطة، عيوني ممزقة من الأحلام والآمال.
ما بقى لي شي.
ولا شي.
عشرة شهور، كل اللي أخذته عشان تحول حالتي اللي تتحسن إلى وحش حقيقي تعلق بالألم. الصراخ كبر، في نقطة، بدأ يهديني.
بغيت أسمع أكثر منهم في النهاية.
بس، مو حقي. حق غيري.
بديت أتعب من هالشي، بغيت أهرب من هالمكان فـ لاحظت المكان لمدة شهرين، أكملت سنتي في هالجحيم، وبعدين قررت أتركه.
بديت برشوة الحارس حقي أول شي بالمساومة على وش المفروض أمرره للجيل اللي بعدي بس ما يهم قبل الألم اللي واجهته.
بغيت أطلع منه.
"تدري إني ولد ستيليوس، صح؟" سألت الحارس.
"وش يعني؟"
ابتسم بسخرية، ووريت له البروش اللي يسوى ملايين، "بعطيك هالبروش. يسوى أكثر من راتبك طول حياتك. بس بشرط واحد."
حاول ياخذه بس سحبت يدي لورا. في هالوقت، صوتي صار أعمق، بدون مشاعر. في الواقع، كل شي فيني كان برا دائرة المشاعر.
"وش؟"
"أعطني جوال وبعطيك هالشي. لا تخلي أحد يدري عن هالشي. هذي فرصتك لحياة أفضل." ابتسمت بسخرية، وحاولت أتلاعب فيه ونجحت.
بالدافع من الشره للمال، جاب لي جوال وأخذ مكافأته على مساعدتي.
بعد ما جبت الجوال، دقيت على أمي، أطلب مساعدتها للمرة الأخيرة قبل ما أتركها للأبد.
لأن سيباستيان اللي تركته قتلهم ذولا.
"ألو؟" قلبي حس بالهدوء لما سمعت صوتها.
"أمي؟" ناديتها بعد توقف، وخليتها تلهث. عرفتني على طول.
"سيباستيان؟! يا إلهي! ليش ما رديت على مكالماتي؟! يا حبيبي أنا-"
"تقدرين ترشيهم وتزوريني؟ ما راح يخلونك تدخلين غير كذا." سألت على طول، مو في مزاج سوالف.
"أنت بخير؟"
أتجنب سؤالها، سألت، "أحتاج شوية فلوس بعد. طفشت من هالزبالة، بتساعديني؟"
"نعم."
بعدين، أمي زارتني، كانت أفضل شوي. البكاء المستمر وقف. بدت صحية شوي.
مبسوط بزيادة إني شفتي ولدها مرة ثانية بس خليت تعابير وجهي جامدة. أحاول ما أسوي أي شي ممكن يخليها تقلق علي بزيادة.
جبت الفلوس، وشفتي أمي بعد، وكنت مصمم إني أترك هالكابوس بعد.
"حرريني. روحي ضدهم لأنه لو ما تركت هالمكان في الشهر الجاي، كلكم راح تسلمون على زوجها الميت." طلبت من مساعدة الدكتورة الشنيعة ذيك.
"مو معقول-" شهقت، وهي تطالع حواليها إذا في أحد سمع ولا لا. كان طلب سخيف بالنسبة لها.
"ليش تعتقدين إن أمي جت الأسبوع اللي فات؟ أنت ميتة الحين. إذا ما طلعتيني بنفسك." تناولت الكلام، وأنا أستند على جدار زنزاني، ورفعت أكتافي بهدوء.
"ليش بت-"
واستخدمت الطريقة اللي كل الناس تنهار. باستخدام رغبتهم العميقة في إطلاق سراحي.
"راح أدفع لك. قولي المبلغ."
"مليون باوند." طلبت على طول.
ابتسمت بسخرية، ووافقت، وعندي كل الطرق متسهلة عشان أهرب من هنا، "خلص."
ما اهتميت أقول لأي أحد إني طلعت. راح ينصدمون من وجهة نظري ولا راح أتدخل في حياتهم مرة ثانية.
بعد ما تحررت، رجعت لبيتي اللي الأب كان فيه. كان موجود، يقرأ الجريدة مع الشاي.
مسحت حلقي، وجذبت انتباهه. شهق، وما صدق إنه أنا. قام، وركض لجهتي.
"سيباستيان؟"