85. مغر جدا!
لاحظت ديميتريا وجه كلاريس، وهي تشوف بحر من المشاعر يتلألأ في عيونها.
مرت دقايق بس كلاريس كانت بتواجه صعوبة في إنها تقرر.
"عادي، مش لازم تقرري على طول. هديكي شهر عشان تفكري. خدي وقتك يا عزيزي،" قالت ديميتريا بهدوء.
"لحظة... لو جبتي ابني وجوزي هنا، مستحيل يرجعوا لحياتهم القديمة، صح؟ هيفضلوا هنا ويموتوا زي السجناء لبقية حياتهم، زيني؟" سألت كلاريس أهم سؤال على الإطلاق.
هزت ديميتريا راسها بالموافقة. "أيوه، طبعًا. بمجرد ما يوصلوا هنا، مش هينفع يمشوا تاني. ولو جوزك أصر إنه يمشي من البيت ده، هعاقبه. ما تلومينيش لو قتلت. بنصحك تجيبي عيلتك هنا عشان تجمعي معاهم. أنا بس كويسة معاكي ومع عيلتك. دي طريقتي عشان أجمع التلاتة في مكان واحد. لازم تكوني شاكرة لفضلي."
بلعت كلاريس الغصة في حلقها. الدموع لمعت في عيونها. قرار صعب أوي. "هفكر في عرضك. اديني وقت كافي عشان أقرر،" قالت بحزن.
بدت ديميتريا مندهشة من إجابة كلاريس. "يا عزيزي، كنت فاكرة إنك هتقولي أيوة على طول؟ اتفاجئت، شكلك مترددة إنك تتجمعي مع عيلتك."
أخدت كلاريس نفس عميق. "مش هتفهمي أبدًا مدى صعوبة الموقف اللي حطيتيني فيه..." قالت بأسى، وهي عارفة إنه مهما قالت ديميتريا مش هتسمع أبدًا لحججها واعتراضاتها.
رفعت ديميتريا حاجبها باستياء. "إيه؟ صعبة؟ إزاي؟ بحاول أجيب عيلتك هنا عشان تبقوا مع بعض كل يوم. مشكلتك بتتحل. كل اللي لازم تقوليه هو أيوة!"
"بالظبط، اديتيني عرض كويس أوي، بس من ناحية تانية، بتحاولي تضيفي سجينين كمان لبيتك ده. جوزي وابني لازم يسيبوا كل حاجة ورآهم ويتخلوا عن حياتهم عشان ينضموا ليا هنا،" قالت كلاريس بيأس بين دموعها.
تجعدت جبهة ديميتريا. "إيه المانع لو جوزك وابنك سابوا كل حاجة عشان يتجمعوا معاكي؟"
هزت كلاريس رأسها في ضيق شديد. "مش شايفة؟ بتعطلي حياتهم، وبتجبريهم يتخلوا عن مستقبلهم المشرق عشان يبقوا مسجونين معايا في الجبل ده. دي مش نوعية الحياة اللي كنت متخيلاها ليهم. دمرتي حياتي بالفعل لما حولتيني لمغذية لدمك، ودلوقتي هتعملي نفس الشيء لجوزي وابني. مش قادرة تفهمي قصدي؟"
تنهدت ديميتريا. "أنتِ فاهمة غلط قصدي يا عزيزي. مش هجيبهم هنا عشان أتغذى على دمهم. هجيبهم هنا عشان ما تحسيش بالحزن والوحدة تاني. ما تقلقيش، مش همص دمهم. دمك لوحده يكفيني. صدقيني، مش هأذيهم،" قالت وهي تطمئنها، ونبرة صوتها صادقة.
كلاريس لسه ما اقتنعتش بكلام ديميتريا المطمئن. "مش هتفهمي أبدًا قلقي لأنك مش مكاني،" قالت بتعب.
رمت ديميتريا يديها في الهواء وهزت راسها بضيق. "مش فاهماكي خالص. عندك قلق كتير... ليه ما بتستغليش الفرصة وتتجمعي مع عيلتك؟ من غير كلام... بس قولي أيوة!"
كانت كلاريس بتواجه صعوبة في إنها تقرر. "لو بتهتمي بجد بمشاعري، ليه ما تطلقينيش بس عشان أتجمع مع عيلتي؟" تحدتها بدلًا من ذلك.
هزت ديميتريا رأسها. "مستحيل! مش هطلقك. أنتِ ملكي من اللحظة اللي أنقذتك فيها من المحيط!"
انتفخت عيون كلاريس بالدموع. هي في ورطة دلوقتي. الرغبة في التجمع مع جوزها وابنها كانت قوية لدرجة إنها فكرت تقول أيوة لعرض ديميتريا.
شافت ديميتريا المعاناة في عيون كلاريس. في لحظة، رحمتها. "خلاص، مش هأجبرك تقرري على طول. خدي وقتك،" قالت بهدوء ومشت ناحية السلم عشان تروح أوضتها.
قعدت كلاريس على الكرسي وبدأت تعيط بفقة.
بصت ديميتريا على كتفها وتوقفت في مسارها. "لو صعب عليكي تقرري، ليه ما أسأل جوزك؟ خليه يقرر بالنيابة عنك. لو قال أيوة، يبقى مش لازم تحسي بالذنب. هو بيحبك بجد لو مستعد يتخلى عن كل حاجة عشان يبقى معاكي."
ارتفعت رأس كلاريس. بصت لديميتريا. الخوف والارتباك كانوا واضحين على وشها. "إيه قصدك؟ هتكلمي جوزي وتحكيليه عن وضعي الحالي؟" سألت بعدم تصديق.
ابتسمت ديميتريا. "أيوه، أقدر أعمل كده. أنا شوفت جوزك عن قرب بالفعل، وعارفة هو ساكن فين. سهل أتبعه أو أراقبه أو أكلمه في أي وقت أنا عايزة."
جزت كلاريس على أسنانها بغضب. "أنتِ بتلعبي دور ربنا يا ديميتريا! بتلعبي بحياتنا. سيبيه في حاله! مش حاسة بالذنب أبدًا؟" سألت بمرارة.
تنهدت ديميتريا ورفعت كتفيها، غير متأثرة بانفجار كلاريس. "يا عمري، بلاش تحاولي تلمسي ضميري. أنا بلعب دور ربنا لأنني أقدر. أنا اللي بحط القواعد الخاصة بيا ومش بهتم برأي الآخرين فيا. بحاول أتنازل شوية عشان أديكي السعادة. ودلوقتي بتحاولي تخليني أحس بالسوء بسبب نيتي إني أساعدك. هل فقدتي عقلك؟"
"بالظبط، أنتِ بتبوظي عقلي وحياتي بشكل كبير! بتلعبي بحياتي. أنتِ قاسية! هل عملتلك أي أذى عشان أستاهل ده؟" ردت كلاريس بمرارة.
هفت ديميتريا. "بتحاولي ترسميني كأبشع شخص في العالم. بجد؟ بتنسي بسهولة إن لو ما أنقذتكِ من المحيط، كنتِ دلوقتي ميتة جوة بطن القرش. من غير مساعدتي، كنتِ دلوقتي هيكل عظمي. اديني حقي في إنقاذ حياتك. أنتِ لسه بتتنفسي دلوقتي بسببي. حتى عرضت إني أجيب عيلتك هنا عشان تتجمعي بيهم من طيبة قلبي. ومع ذلك، عندك الجرأة إنك تقولي إني قاسية؟"
أغلقت كلاريس فمها، تعبانة جدًا من إنها تجادل شخصًا مثل ديميتريا اللي بتحس وبتتصرف كأنها ربنا، الأقوى على الإطلاق.
بضيق، توجهت ديميتريا إلى غرفتها في الطابق الثالث.
كلاريس، من ناحية تانية، راحت أوضتها عشان تفكر وتحلل قرارها بعناية.
بينما كانت مستلقية على السرير، تحدق في السقف والدموع في عيونها، أدركت إن حاجات وحشة ممكن تحصل لو وافقت على عرض ديميتريا.
جوزها، ألفا كالوم، هيوافق أكيد على عرض ديميتريا وبعدين هيدور على طريقة عشان يقتل ديميتريا عشان يقدروا يمشوا من البيت. لو الحظ خدم جوزها، هيهربوا في النهاية وهتموت ديميتريا. بس ماذا لو قتلت ديميتريا جوزها وابنها أولًا؟
ده هيموتها من جوا وهيدمر عقلها، وهيحط ذنب كبير على كتفها، وهتندم على قرارها لبقية حياتها.
عشان كده هي خايفة توافق على عرض ديميتريا.
معرفة طبع جوزها، إنه هيحارب ديميتريا حتى الموت. حد أكيد هيموت في النهاية. وهي خايفة إنه يكون جوزها اللي هيموت لأن ديميتريا أقوى وأكثر قدرة منه.
لا! مش ممكن تقبل حاجات زي دي تحصل لأحبائها.
دلوقتي، في نظر الكثيرين، هي بالفعل مفترضة إنها ماتت.
لسلامة جوزها وابنها، لازم يستمروا في الحياة. أما هي، فخلاص ماتت، ليه تهتم؟
خليهم يستمروا في تصديق إنها خلاص ماتت. معندهاش فرصة تهرب على أي حال. هي خلاص حست إنها ميتة من جوا، ليه تدخل ناس تانية في مصيرها السيئ؟
جوزها مش هيحس بالسعادة أبدًا وهو عايش على قمة الجبل لبقية حياته. ممكن يكون كويس لعدة أيام أو أسابيع أو شهور أو حتى سنين. بس بعدين هيتعب، وهيقلق، وهينتهي بيه الأمر وهو بيخطط لقتل ديميتريا. ولما جوزها وديميتريا يتحاربوا، هي تعرف بالفعل مين اللي هيفوز في النهاية.
وبعدين في ابنها، كادن. مش قادرة تتحمل إنها تحبس ابنها في البيت ده على قمة الجبل، محاط بالمياه، ومن غير تعليم مناسب وبعيد عن زملائه. ده مكان حزين ووحده عشان تعيش فيه. المكان ده مش مناسب لطفل إنه يعيش فيه.
لا...
هي قررت بالفعل. مش هتقبل عرض ديميتريا، مهما كان مغريًا. هتقبل بمصيرها وتعاني في الظلام طالما جوزها وابنها في أمان وبيعيشوا حياة كويسة في محيطهم الطبيعي.
هي راضية بالواقع المؤلم ده.
حتى لو في يوم لقت طريقة عشان تقتل ديميتريا، إزاي هتقدر تمشي من الجبل لو معندهاش قوة الانتقال لأماكن تانية؟
دي هي المشكلة. معندهاش قوى خارقة تحت تصرفها. حتي مش قادرة تساعد نفسها. هي ضعيفة جدًا!
دموع الحزن انهمرت من عيونها. عيطت بصوت عالي جوه أوضتها، مش مهتمة لو ديميتريا سمعت عياطها العالي لحد أوضتها. مش بتهتم تاني.
في تلك الليلة، نامت كلاريس وقلبها مليان بالحزن، وهي عارفة إن مصيرها مع ديميتريا اتحسم بالفعل.