109. الفراغ اللانهائي
كلاريس قعدت في أوضتها طول الصبح. لما راحت المطبخ عشان تحضر الغدا، ديميتريا ما كانتش موجودة في أي حتة. قضت باقي بعد الضهر بتاعها في قراية كتاب.
في الليل، كانت لسه مخلصة العشا وبتسترخي في الصالة، لما ديميتريا وصلت.
"مسا الخير، يا عزيزي. يومك عامل إيه؟" سألتها.
"كويس," ردت كلاريس. "رحتي فين؟"
"كان عندي شوية حاجات مهمة لازم أخلصها في مقر جمعية مصاصي الدماء. أنا هتقاعد قريب، فمحتاجة أظبط الدنيا قبل ما أختفي," ردت ديميتريا.
"ممكن نبدأ التحول بتاعي النهاردة بالليل لو مش مشغولة؟" طلبت كلاريس بصوت مستعجل.
"أكيد!" ابتسمت ديميتريا. "رفضتي عرضي قبل كده، بس دلوقتي أنتِ متشوقة للتحول يحصل. بحب حماسك عشان تطوري من نفسك," علقت بفرح.
كلاريس ابتسمت. "عايزة أروح البيت. خايفة لو طولت في الرجوع البيت، ممكن ينسوني. لازم نستعجل التحول والتدريب وكل حاجة، عشان أخيراً أزور أهلي. وحشني أهلي قوي," قالت بعنيها مدمعة، وحست بمشاعر جامدة.
ديميتريا اتنهدت. "يعني عايزة تستعجلي تحولك، وتاخدي قوة، وبعدين تروحي البيت عشان تشوفي أهلك؟ ده كل اللي في الموضوع؟ مش متحمسة إنك تبقي ست قوية عشان تقدري تعملي حاجات عظيمة لنفسك ولغيرك؟"
"متفهمينيش غلط، أنا بحب القوة اللي بتيجي مع مسؤولية كبيرة. بالنسبة لواحد زيي ضعيف جسدياً، أنا فعلاً محتاجة لكل المساعدة اللي ممكن أحصل عليها. أنا ممتنة وشاكرة إنك اخترتيني كخليفتك. ده شرف عظيم ليا. شكراً جزيلاً، يا ديميتريا، على إنك اخترتيني. أنا ممتنة ليكي إلى الأبد على إنك أعطيتيني الفرصة الرائعة دي في حياتي," قالت كلاريس بصدق.
ديميتريا ابتسمت، ومبسوطة بالصدق في عينيها. "على الرحب والسعة، يا عزيزي. مقدرلنا نتقابل لسبب. كأنها تدخل إلهي. المفروض تبقي خليفتي وتحمي العالم ده مكاني. أخيراً ممكن أتقاعد بسلام، وأنا عارفة إن بدالي شخص كويس أقدر أثق فيه. متخذلينيش، يا عزيزي. ارفعي رأسي."
"هحاول على قد ما أقدر. بجد," ردت كلاريس بجدية.
"كويس. دلوقتي خليني أرتاح شوية. لازم تروحي أوتك. هشوفك بعدين," قالت ديميتريا، وهي رايحة ناحية السلم.
"لازم أحضر حاجة، أي حاجة للتحول؟" سألت كلاريس.
ديميتريا هزت راسها. "لا. مش لازم تحضري أي حاجة. حماسك عشان تبقي مصاصة دماء كفاية بالنسبة لي."
"تمام." كلاريس هزت راسها، وقفلت الباب الرئيسي وراحت أوضتها عشان تجهز نفسها ذهنياً للتحول بتاع الليلة.
نامت على السرير وبصت للسقف في أوضتها، وحاسة بتوتر. "اهدي. كل حاجة هتبقى كويسة، يا كلاريس," قالت لنفسها مرة ورا مرة.
قفلت عينيها، وهي بتهدي نفسها. مفيش حاجة ممكن تحصل غلط، صح؟
بعد ساعة، ديميتريا دخلت الأوضة. "يا عزيزي، جه وقت التحول بتاعك. هنعمله في أوضة النواة."
"تمام." كلاريس قامت ومشت ناحية الباب، وهي بتمشي ورا معلمتها بره.
طلعوا السلم في صمت ووصلوا لوجهتهم.
جوة أوضة النواة.
ديميتريا أمرت كلاريس، "نامي على الترابيزة، يا عزيزي."
"تمام." كلاريس طلعت على الترابيزة ونامت في وضعية النوم. "عايزة أكون صاحية خلال عملية التحول," طلبت.
"أكيد." ابتسمت ديميتريا وعقبت، "أنتِ بنت شجاعة."
كلاريس ردت, "بس عايزة أعرف العملية بتتعمل إزاي."
"تمام، هفهمك دلوقتي إيه اللي هيحصل بعد كده," قالت ديميتريا، وهي بتجهز.
"كملي، أنا سامعة," ردت كلاريس.
"النواة هتطلق زوايا عشان تجمع دمك. بعدين، لما تحسي إنك هتدوخي، لازم تقوليلي، عشان أقدر أطلب من النواة توقف. بعدين هعض رقبتك وهبدأ التحول. متقلقيش، عض الزوايا مش مؤلمة قوي. أنتِ نجوت من أنيابي. درجة الألم هي هياها," شرحت ديميتريا.
"آه، تمام، فهمت," تمتمت كلاريس بقلق. "نبدأ دلوقتي."
"تمام، نبدأ," ردت ديميتريا. رفعت راسها وبصت للحجر الثمين اللي بيطير في الهوا. "من فضلك أطلقي زواياكي، كلاريس مستعدة تقدمي عرض دم النهاردة بالليل," أبلغت النواة.
كلاريس بصت للنواة وهي بتطلق الزوايا، وبتنزل تدريجياً، وبتتعلق في دراعها زي إبر صغيرة. عينيها وسعت من الخوف. اتألمت لما الزوايا بدأت تمتص دمها.
ديميتريا طبطبت على إيدين كلاريس، وهي بتهديها. "اهدي يا عزيزي. هتتعودي على كده في يوم من الأيام."
كلاريس هزت راسها، واتنهدت بعمق، وقفلت عينيها عشان تشوش الصورة المخيفة والإحساس اللي مش لطيف إن دمها بيتمص من عروقها.
بعد كام دقيقة حست بدوخة. "أعتقد إني هدخل في غيبوبة," قالت بقلق.
"اقفلي عينك يا عزيزي، وسبي كل حاجة لي," أوامر ديميتريا.
"تمام." كلاريس قفلت عينيها، وهي بتدخل في نوم عميق. سمعت ديميتريا بتأمر النواة إنها توقف مص دمها. حست بالزوايا وهي بتسيب جلدها، وده كان الوقت اللي اغمى عليها فيه.
ده كل اللي ممكن تفتكره...
لما فتحت عينيها، كانت رجعت أوضتها، ونايمة على سريرها.
ديميتريا كانت بتبص عليها من فوق. "حاسة إنك أحسن دلوقتي؟" سألتها.
كلاريس هزت راسها. "أيوة."
"هحولك دلوقتي لمصاصة دماء. بس اهدي," بتقول ديميتريا بهدوء، وبتفتح بوقها، وبتكشف عن أنيابها المخيفة.
"حاضر!" ردت كلاريس بجرأة، وهي عايزة التحول يخلص بسرعة.
"متأكدة إنك لسه صاحية؟" سألت ديميتريا.
كلاريس ردت، "أيوة، عايزة أشوف وأحس بكل حاجة."
"تمام، نبدأ," تمتمت ديميتريا.
كلاريس بصت الناحية الثانية لما ديميتريا غرست أنيابها الحادة في رقبتها. كشرت من الألم بس استرخت بعد كده.
كل ما ديميتريا سحبت دمها، الدوخة رجعت بكل قوتها. فكرت إن كل الدم اللي في جسمها اتسحب. بدأت تهلوس، وشافت نفسها بتتسحب في فضاء ملوش نهاية. الضلمة كانت مرعبة ومخيفة. كانت مرعوبة عشان كل اللي شافته حواليها كان ضلمة، كأنها اتنقلت لبعد تاني.
مكنتش قادرة تشوف وتحس بوجود ديميتريا.
هي بتموت؟
هل ديميتريا نزفتها لغاية الموت وهي ماتت؟
ليه هي في الفراغ الأسود ده؟ إيه المكان ده؟
إيه اللي بيحصل؟
الخوف لف حواسها. "ديميتريا، أنتِ فين؟ مش قادرة أشوفك! أنا في مكان ضلمة. أنا خايفة، أنا ميتة بالفعل!" صرخت، وهي في حالة ذعر.
"أرجوكي ساعديني! أنقذيني!"
"مش عايزة أموت دلوقتي! عايزة أروح البيت!" صرخت بيأس.
بس ديميتريا مكنتش بترد على ندائها.
كانت قادرة تسمع صوتها بيتردد حوالين الفضاء الأسود.
"أنا بموت," قالت، وهي بتشهق بشدة. "مش ممكن أموت دلوقتي! عايزة أكمل أعيش!" شهقت بهستيرية، وجسمها بيرتعش، واليأس بيغرق فيها.
مش مصدقة إن ديميتريا خانتها وقتلتها بجد!
في اللحظة اللي كانت هتيأس فيها، صوت ديميتريا اللطيف همس في ودانها، "أنا لسه هنا، يا عزيزي. لسه بخلص عملية التحول بتاعك لمصاصة دماء. العملية طويلة. روحي نامي. هتحسي إنك أحسن بعد ما تصحي بعدين."
"تمام," ردت كلاريس. دموع الراحة غرقت وشها بعد ما سمعت صوت ديميتريا المطمئن.
الهدوء سيطر على وعيها. قفلت عينيها واستسلمت تماماً لقوة الضلمة.
وعي كلاريس كان بيطفو في سحب من الضلمة اللي ملهاش نهاية.
رحلتها المظلمة استمرت لوقت طويل، مبتخلصش أبداً، وبتتحرك دايماً، ومفيش نور في الأفق.
خلال اللحظات دي من عدم اليقين، مكنتش قادرة حتى تعيط أو تفتح بوقها عشان تتكلم وتطلب مساعدة ديميتريا. كانت صاحية، وواعية تماماً بمحيطها، بس مكنتش قادرة تحرك جسمها.
هي زي تمثال، بتنجرف إلى الأبد في بحر من الفراغات اللي ملهاش نهاية.
بدأت تحس بالخوف تاني، وهي بتشتاق بشدة إنها تسمع تأكيد ديميتريا ليها إنها لسه عايشة بشكل تقني.
في عقلها حست إن قرن مر...
ومع ذلك، لسه مكنتش قادرة تخرج من بحر الضلمة.
بدأت تصدق إنها ميتة دلوقتي، وروحها كانت على وشك تدخل العالم السفلي.
في اللحظة اللي فكرت إن كل الأمل راح، شافت شعاع نور في المسافة البعيدة. لسه مكنتش قادرة تحرك جسمها، بس الحمد لله، التيار اللي مش شايفاه بيدفعها ناحية النور.
هي بتقرب من النور، والنور بيزيد وبيزيد. في اللحظة اللي شعاع نور ضرب وشها، الضلمة اختفت للأبد.
فتحت عينيها وشافت معلمتها بتبتسم ليها.
"تهانينا! أهلاً بيكي تاني في أرض الأحياء، يا عزيزي!" قالت ديميتريا في نبرة تهنئة.
رغبة مفاجئة في الأكل ضربت معدة كلاريس. حست بالجوع والعطش. "أنا هموت من الجوع! أنا عطشانة! محتاجة أكل. أرجوكي أديني ماية!" توسلت بإلحاح.
ديميتريا ابتسمت. "أعتقد إن مش ماية اللي محتاجاها، يا عزيزي. ده دمي. روحي كلي من دمي," قالت، وقطعت صباعها السبابة بالسكينة اللي كانت ماسكاها في إيدها اليمين.
في اللحظة اللي كلاريس شافت فيها دم جديد بينزف من الجرح، مسكت صباع ديميتريا وشربت الدم الحلو بشراهة.
"اهدي يا عزيزي. متكونيش طماعة," ذكرت ديميتريا كلاريس بنبرة مهدئة، وبتطبطب على راسها بلطف، ومبسوطة بالتحول الناجح.
كلاريس استمرت تشفط دم ديميتريا كأن مفيش بكرة.