3
نيويورك، سيباستيان
قعدت لوحدي في البار، بشرب ويسكي وأنا براجع حفل الزفاف اللي قدامي. الاحتفالات كانت في عزها، والغرفة بتدوش بضحك وفرح. فرح أخويا كان حاجة فخمة، احتفال بالحب والالتزام، والمفروض إني أكون مبسوط في اللحظة دي. بس الصراحة، أنا ما كنتش عايز أكون هنا.
أخويا الوحيد، أخويا، كان دايماً بيراعييني. كان الأخ الأكبر اللي بيحميني، اللي بيدافع عني لما أحتاج. كان طبيعي إني أكون هنا عشان أدعمه في يومه الكبير، عشان أشهد على اتحاد روحين لاقوا الحب في أحضان بعض.
بس وأنا شايف العروسين السعداء، قلبي كان تقيل بإحساس بالواجب. حضور الفرح ده ما كانش حاجة أنا عايزها بجد، مش لأني مش مبسوط لأخويا، بس عشان حسيت إنها اقتحام لعالمي اللي بنيته بعناية من الشغل والفلوس.
الدعوة حددت إني ممكن أجيب معاي شخص تاني، لفتة ذكية أغلب الضيوف استقبلوها. ومع ذلك، وصلت لوحدي. ببساطة ما كانش فيه وقت في جدول أعمالي المزدحم عشان أدور على رفيق مناسب. حياتي بتدور حوالين الشغل والفلوس، وأنا أقنعت نفسي إن دول الثوابت الوحيدة اللي محتاجها. موثوقين، ثابتين، وعمرهم ما هيقفوا ويمشوا ويسيبوني في يوم من الأيام.
مسيرتي المهنية طلبت مني أقصى درجات التفاني، وأنا اديتها بإرادة. طلعت سلم الشركة بإصرار لا يرحم، بجمع ثروة ونجاح في الطريق. بس دلوقتي، وأنا قاعد في الأوضة دي المليانة حب وسعادة، ما قدرتش أساعد نفسي من إني أحس إني غريب.
الضيوف اللي حواليا كانوا بحر من الوجوه الغريبة، أصدقاء وأفراد عيلة العروسين اللي ما قابلتهمش إلا مرور الكرام. بيتكلموا بحيوية، بيتبادلوا قصص وضحكات، بينما أنا بقيت منعزل، مراقب في عالم بحس إنه غريب.
وإحنا بنكمل السهرة، ما قدرتش أساعد نفسي من إني أفكر في اختياراتي في الحياة. أنا فضلت الشغل والفلوس فوق أي حاجة تانية، مصدق إنهم مفاتيح السعادة والرضا. ضحيت بالعلاقات، الروابط الشخصية، وحتى سعادتي في مذبح الطموح.
أفكاري راحت لسلسلة العلاقات الفاشلة اللي سبتها في طريقي. عمري ما قدرت ألتزم بيهم كلهم، دايماً بختار الشغل على الحب. صديقاتي جم وراحوا، كل واحدة أسوأ من التانية، وأنا بصارع عشان الاقي حد يقدر يدخل في حياتي المنظمة جداً.
لحد ما جات في مجال رؤيتي.
قعدت هناك، منورة بنور الشموع الخافت، و للحظة، نسيت إزاي أتنفس. كأن الزمن وقف، وفي اللحظة دي.
"سيباستيان." قولت. بصوت عالي بما يكفي عشان تسمع.
إجابتها كانت جريئة.
في عيونها قدرت أشوف نار. ورا كلامها، قدرت أسمع المعاني الخفية. الأسئلة المحرقة.
للمرأة الجميلة دي كنت هعمل أي حاجة. ولو ده كان معناه إني أمارس معاها الجنس في دورة مياه فرح أخويا يبقى براحتها.
جسمها كان بيتلائم تماماً في إيدي الكبيرة. كانت زي لغز لاقى القطعة الناقصة. عيونها بتلمع بمزيج من الغموض والضعف، وابتسامتها حملت وعد بقصص لا تحصى لم تُحكَ بعد. وجودها لوحده كان ساحر، بيجذبني زي فراشة للنار.
أدركت إن رؤيتها وهي بتترجى كانت أحلى منظر ممكن يشوفه راجل في حياته.
قدرت أحس من لغة جسدها إنها بتشتاق لحاجة، حاجة بتهرب من قبضتها. كانت عايزة تنسى حاجة. وفي اللحظة دي، الحاجة الوحيدة اللي كنت عايزها تنساها هي اسمها.
وبعدين، زي ما حصل. الواقي الذكري اتقطع. "يا ابن الـ..." تنهدت وأنا بحاول أبعد.
بس ميا، سحبتني أقرب. "أنا مش بقدر أخلف عيال."
صوتها بالكاد أعلى من الهمس. في أي موقف تاني كنت هعتذر وأواسيها. بس دلوقتي كنت مدفوع بس بالشهوة. فقمت بضرب شفتيي عليها وكملت.
هسألها لما مانكونش بنأكل مخ بعض.
شمس الصباح بتتدفق من الستاير، بتلقي ضوء دافئ وجذاب في الأوضة. وأنا بصحى بالراحة، إيدي راحت بشكل تلقائي للمساحة الفاضية اللي جنبي. هنا أدركت إن ميا مشيت، ما سابتش وراها غير صدى ليلتنا المليئة بالعاطفة.
للحظة، ارتباك غمرني. هل خرجت لفترة قصيرة؟ يمكن عشان تجيب فطار أو قهوة؟ بس وأنا بشوف الثواني بتعدي، بقى واضح إن ميا ما خرجتش بس بشكل مؤقت— اختفت من غير أثر، ما سابتش ورقة ولا رسالة.
إحساس بالضياع غمرني. ذكريات الليلة اللي فاتت رجعت في وعيي، متقطعة وضبابية. بعد لقائنا العاطفي في دورة المياه، انتهينا بطريقة ما هنا، بس التفاصيل كانت مش واضحة. ما قدرتش أتذكر هل أنا اللي سقت بينا للفندق ولا أخدنا تاكسي. كأن الليلة ألقت تعويذة على ذاكرتي.
نص الحماس والدفء من الليلة اللي فاتت بدا يختفي جوايا. كأن شعلة اشتعلت لفترة قصيرة انطفأت، وسابت وراها إحساس بالفراغ.
ما قدرتش أساعد نفسي من إني أحس بوخزة خيبة أمل. ميا كانت جميلة— فاتنة بشكل قاتل، في الحقيقة. وجودها أشعل حاجة جوايا، حاجة ما حسيتهاش من زمان. كأن جمالها ذوب الحواجز الجليدية اللي حوالين قلبي البارد، ولو للحظة خاطفة.
بس دلوقتي، وأنا بستلقي في عزلة الفندق الهادئة، القلب ده كان أبرد من أي وقت. الدفء والترابط اللي شاركناه اختفوا معها، وسابوني بوجع شوق وإحساس مزعج بالفراغ.
بقى واضح بالنسبة لي إن ميا ما كانش عندها نية تتعدى علاقتنا لليلة واحدة. كانت شخصية غامضة وجذابة في حياتي، مذنب عابر أضاء لفترة قصيرة سماء الليل قبل ما يختفي في الظلام.
وأنا بنزل بالراحة من السرير وبدأت أجمع أغراضي، ما قدرتش أساعد نفسي من إني أتأمل في دوافع ميا. هل كانت بتبحث عن هروب من واقعها، زي ما كنت بعمل أنا؟ ولا هل لقائنا ما كانش معناه أكتر من مجرد إلهاء مؤقت من تعقيدات الحياة؟
بالرغم من إني محبط شوية، أقنعت نفسي إني أعامل اللقاء كرومانسية عابرة، فترة قصيرة وعاطفية ما لهاش عواقب دائمة.