78
لوس أنجلوس، سيباستيان
كنت ماشي رايح جاي في أوضتي، تقّل عليّ قوووي وزن المكالمة اللي فيها تهديد. حسيت كأنها déjà vu، ذكريات المشاكل اللي فاتت والتوتر رجعت كلها مرة واحدة. كنت فاكر إن حياتنا أخيراً بدأت تستقر شوية، بس دلوقتي، مرة تانية، بيهددونا.
بعد المكالمة اللي قلقتني، قفلت السكة فورا في وش ميا، ما قدرتش أتحمل فكرة إني أشاركها الأخبار اللي تخوّف دي في التليفون. عقلي كان بيجري، ومقدرتش أوقف نفسي من إني أعيد كلام التهديد في راسي. المتصل المجهول حذرني إنه لو ما طلقتش ميا فورا، هي وطفلنا اللي لسه ما اتولدش هيموتوا. أكدوا على خطورة الوضع بإضافة إني ما ينفعش أقول لحد عن التهديد، لأنه لو عملت كده، مصير ميا كمان هيكون زيها.
كنت ضايع، ممزق بين إني عايز أحمي عيلتي ورغبتي في إني أواجه التهديد ده وجهاً لوجه. فكرة إن ميا وطفلنا يكونوا في خطر كانت كابوس عمري ما كنت عايز أشوفه. في اللحظة دي، ما كنتش عارف أثق في مين، والبارانويا سيطرت عليا.
غريزة إني أحمي ميا سيطرت، وقررت إني أحكي لصاحبي اللي بثق فيه، باتريك. هو شخص بثق فيه تماماً، وعارف إنه هيكون سندي في اللعبة الخطيرة دي اللي ظهرت فجأة وبدون سابق إنذار.
وأنا بأضرب رقم باتريك، حسيت إن إيدي بترتعش من القلق. لما رد، صوته كان مليان قلق وسأل، 'سيباستيان، في إيه؟"
ترددت لحظة، كلامي وقف في زوري. 'باتريك، محتاجك تعملي حاجة عشاني,' أخيراً قلت، وصوتي بيتغير من جدية الموقف. بدأت أحكي عن المكالمة اللي فيها تهديد، والصوت الشرير اللي في الطرف التاني، والإنذار اللي ادوهولي.
سكوت باتريك في الطرف التاني من الخط كان بيخوف، وحسيت بوزن كلامي وهو بيغرق. أخيراً اتكلم، وصوته ثابت، 'سيباستيان، هنعدي ده. لازم ناخد كل الاحتياطات عشان نحمي ميا والبيبي.'
كنت عارف إني أقدر أعتمد على باتريك، ودعمه كان زي حبل النجاة في الوقت ده اللي مليان عدم يقين. اتفقنا إنه هيراقب ميا في الخفاء، عشان يتأكد من سلامتها من غير ما يثير أي شكوك. حسيت بلمحة أمل، تطمين إننا مش لوحدنا في الموقف الخطير ده.
بمساعدة باتريك، قفلت التليفون، وعارف إن ميا والبيبي في أمان. بس دلوقتي واجهت معضلة تانية، اختيار يبدو مستحيل. هل أستسلم لمطالب التهديد المجهول ده وأطلق ميا، ولا أحارب القوة الشريرة دي؟
المشاعر المتضاربة كانت بتغلي جوايا، ومقدرتش ألاقي إجابة سهلة. حسيت إني محبوس في لعبة شطرنج، وحياة عيلتي كلها معلقة في الميزان. الأوضة، اللي كانت في يوم من الأيام ملاذ للأمان، اتحولت لسجن لعدم اليقين.
العجز في الموقف كان ساحق، وكنت محتاج متنفس لإحباطي وخوفي. في نوبة غضب ويأس، مسكت كوباية من على الترابيزة وحدفتها في الحيطة. صوت تحطم الزجاج ملأ الأوضة، بينما صرختي الصامتة كانت بتردد في الفراغ.
قطع الزجاج كانت متناثرة على الأرض، وبتعكس شظايا أفكاري. ما ينفعش أسمح للتهديد ده إنه يسيطر على حياتنا، بس في نفس الوقت، ما ينفعش أخاطر بسلامة ميا وطفلنا اللي لسه ما اتولدش. المشاعر كانت بتحارب جوايا، وخلتني منهك نفسياً وعاطفياً.
قعدت لوحدي في أوضة المعيشة اللي نورها خافت، وتليفوني كان على الترابيزة اللي في النص، ورسايل ميا بتناديني. الرسايل كانت مليانة شوقها وقلقها، كلام زوجة بتوحش جوزها جداً. ما كانش عندها فكرة عن العاصفة اللي بتغلي جوايا، المعضلة اللي بتمزق قلبي.
الثواني بتعدي، والتوتر اللي جوايا مستمر في التكوين. من ناحية، كنت مشتاق إني أرد على ميا، عشان أخفف قلقها وأطمنها على حبي. بس من ناحية تانية، الحقيقة كانت بتظهر كحائط منيع. ما ينفعش أكذب على مراتي. الرهانات كانت عالية جداً.
وزن صمتي ضغط عليا، وتنهدت، وحسيت كأني في حرب مع نفسي. حبنا اتبنى على الثقة، وفكرة إني أخفي الحقيقة، حتى لو لسبب أعتقد إنه نبيل، حسيت إنها خيانة.
ميا طول عمرها روح مستقلة، مصممة إنها تحقق أحلامها وتمشي في طريقها. لما جت فرصة إنها تطارد طموحاتها، كان بيفرحني إني أشوفها بتزدهر، بس ده معناه كمان إننا بقينا بعاد عن بعض أكتر من أي وقت تاني. بالرغم من إني فخور بيها، مقدرتش أوقف إحساسي بالوحدة والخوف اللي بيقرصني عليها.
عقلي كان ساحة معركة للمشاعر. كنت غضبان من ميا عشان مش عايزة تيجي تعيش معايا، عشان مش سامحة إني أكون قريب منها، عشان أحميها. بس في نفس الوقت، كنت فاهم أحلامها، النار اللي بتولع جواها. هي لسه صغيرة، مليانة طموحات وإمكانيات. ما كانش من العدل إني أطلب منها إنها تتخلى عن أحلامها عشان راحة بالي.
السكوت في الأوضة كان بيخوّف، ومقدرتش أهرب من إحساسي بالعجز. كنت محبوس في مفارقة من صنعي، ممزق بين حبي لميا والتزامي بالأمانة.
الإرهاق بدأ يتسلل عليا، نتيجة للمعركة الداخلية اللي كانت بتغلي طول الليل. كنت مشتاق لوجود ميا المريح جنبي، بس عارف إنها على بعد أميال، وأحلامها بتستنّاها في مدينة تانية. اتكيت على الكنبة، وقفلت عيني، وسمحت للإرهاق إنه يسيطر عليا.
دفء أوضة المعيشة، ونور التليفزيون اللي بيرفرف، والهمهمة الخفيفة من التلاجة، كل ده اتجمع عشان يعملوا تهويدة، بيهدونني لنوم عميق وغير مستقر.
في أحلامي، شفتي ميا، وعينيها مليانة مزيج من الحب والشوق. مدت إيدها، بتحاول تسد المسافة المادية اللي بتفصلنا، وكنت تقريبا بحس بلمستها. بس الحلم كان صعب الإمساك بيه، بيرفرف زي نجمة بعيدة، وقبل ما أقدر أمسكه كويس، اختفى في الهاوية.
لما صحيت، مشوش ولسه ممزق بمشاعري المتضاربة، أدركت إن الصبح طلع. أول أشعة شمس اتصفّت من خلال الستاير، والأوضة حسيتها أفتح، وأقل كآبة.
كنت عارف إني ما ينفعش أسمح للتوتر اللي جوايا إنه يستمر في التفاقم. ميا تستاهل إنها تعرف الحقيقة، وأنا أستاهل راحة البال اللي هتيجي مع الأمانة. مسكت تليفوني، عملت سكرول في الرسايل اللي ما قدرتش أرد عليها، وكتبت ردي بعناية.
'ميا،' بدأت، وإيدي بترتعش وأنا بكتب كل كلمة. 'بحبك أكتر من أي حاجة، وبوحشك جداً. بس محتاج أقولك حاجة مهمة. يا ريت تتصلي بيا لما تقدري.'