79
لوس أنجلوس، سيباستيان
بعد ما بعت الرسالة لـ ميا، عرفت إن الكرة في ملعبها دلوقتي. كنت بموت وأسمع صوتها، أطمن عليها، وأعرفها إيه اللي بيحصل. بس التزامي بالأمانة يعني لازم أستنى لما هي تتصل، لحظة ترقب كانت تقيلة أوي عليا.
قررت أنظف دماغي وأخد شاور. المية السخنة انسكبت عليا، بتريح عضلاتي المتوترة، وبتسمح لأفكاري تروح لـ ميا. وأنا في الحمام، مليان بخار، مكنش ينفع غير إني أتمنى إنها تكون بخير وإن مفيش أي حاجة وحشة تحصلها طول اليوم.
المية الداافية عملت شغلها في إنها تخفف شوية من التوتر اللي اتراكم جوايا، ولما طلعت من الشاور، حسيت إني أهدى. نشفتي جسمي، ولفيت فوطة حوالين وسطي، ورحت على أوضة النوم.
إنك تلبس عشان الشغل حسيت إنه عملية ميكانيكية، دماغي لسه مشغولة بـ أفكار عن ميا. سرحت شعري وحاولت أرتب شكلي. لبسي كان مختار بعناية بس كان فاقد الحماس المعتاد اللي بـ أحسه وأنا بـ ألبس.
انعكاسي في المراية وراني راجل دماغه في حتة تانية، تايه في متاهة مشاعر. عرفت إن اليوم اللي جاي فيه اجتماعات مهمة ومسؤوليات بتضغط، بس أفكاري مابتفارقش مراتي.
بعد ما خلصت روتين الصبح، نزلت السلم ودخلت المطبخ. الفطار كان حاجة بسيطة النهاردة، عبارة عن طبق كورن فليكس وكوباية قهوة بتطلع دخان. صوت حبات الكورن فليكس وهي بتخبط في طبق البورسلين، حسيت إنه أعلى من المعتاد، كأنه بيردد الوحدة اللي حسيت بيها في اللحظة دي.
وأنا باخد أول لقمة كورن فليكس، الطعم حسيت إنه باهت، على عكس دوامة المشاعر اللي سيطرت عليا في الساعات اللي فاتت. شربت قهوتي، الدفا انتشر في جسمي بس معرفش يبعد البرد بتاع عدم اليقين اللي كان لسه موجود في الجو.
بعد ما خلصت الفطار، جمعت شنطة الشغل والملفات اللي محتاجها لاجتماعات اليوم. صوت مفاتيح العربية وهي بتترجرج في إيدي كان بيفكرني إن اليوم بيمشي، بغض النظر عن الصبح اللي كان كله مشاكل.
مشيت للعربية، نور الشمس بيتصفى من بين الشجر وعمل أشكال على الأرض. العالم حواليا شكله بيكمل روتينه المعتاد، مش حاسس بالاضطراب اللي هز حياتي أنا.
وأنا بستقر في كرسي السواق وبدأت أدور الموتور، مكنتش عايز أروح الشغل. المسؤوليات والالتزامات اللي مستنياني هناك، كانت دايما هي اللي بتخليني أمشي، بس النهاردة حسيت إنها عبء لازم أشيله.
السواقة للشغل كانت مليانة صمت، الراديو كان مقفول. دماغي كانت مشغولة أوي بـ ميا والحالة اللي ما اتحلتش واللي حصلت الصبح. كل شارع عديت عليه، كل مبنى شوفته، بيفكرني بيها.
عرفت إني لازم أكون في أحسن حالاتي للاجتماعات اللي جاية، عشان أقوم بالواجبات المهنية اللي مستنياني. بس وأنا داخل الجراج، معرفتش أبطل أحس بلسعة حزن وإحباط.
وأنا داخل مبنى الشركة، الجو المليان حركة والزميلة اللي بتتحرك، والمناظر والأصوات المألوفة في مكان العمل حاصروني. تقيل المسؤولية كان ملموس زي الهوا اللي بتنفسه، وجهزت نفسي لليوم اللي جاي.
الاجتماعات كانت مهمة، ولازم أكون موجود. كانت اختبار لقدرتي إني أقسم مشاعري، إني أحط المشاكل الشخصية على جنب وأركز على المهام المهنية اللي في إيدي. مكنتش هسمح لقلقي على ميا إنه يغمق رؤيتي أو يعطل أدائي.
جوا أوضة الاجتماعات، النقاشات بدأت، وأنا غصبت نفسي إني أشارك بالكامل، إني أسمع بتركيز، وإني أساهم في الإجراءات. كانت محاولة متعمدة، ماشي على الحبل بين الالتزامات الشخصية والمهنية.
في وسط كلام المتحدث، حسيت بحركة بسيطة من جنبي، حاجة كسرت التركيز اللي بنيته على مدار العرض التقديمي. مساعدتي، اللي كانت قاعدة جنبي، قربت مني، عينيها مليانة إحساس بالإلحاح.
قلبي نط. إيه اللي ممكن يكون مهم أوي لدرجة إنها تقاطع العرض التقديمي؟ هل هي ميا؟ موجة خوف غسلتني، وطلعت من الأوضة بسرعة، ورحت.
أول ما بقيت في الممر، وصلت عندها، حواجبي متكرمشة من القلق. 'إيه اللي حصل؟' سألت بحدة، القلق اللي في صوتي مستحيل أخفيه.
مساعدتي بصت في عيني، تعبيرها كان جاد. 'جالك تليفون يا فندم. مهم'، ردت وهي بتمدلي التليفون.
أفكاري جريت. كنت خايف إن يكون حصل حاجة لـ ميا، بس سلوك مساعدتي ميوصلش النوع ده من الإلحاح. لو مكنش بخصوص مراتي، إيه اللي ممكن يكون مهم أوي كده؟ ومع ذلك، معرفتش أبطل أتمنى إن خوفي مكنش في محله.
أخدت التليفون من إيديها، إحساس بالخوف بيعدي فيا. صوابعي مسكت في الجهاز وأنا بحطه على ودني. 'ثورنتون' قلت بحدة، صوتي مضلع بعدم ارتياح.
على الناحية التانية من الخط، سمعت صوت معرفتوش، مشوه ببرنامج عشان يخليه مختلف. النبرة الصناعية بعتت قشعريرة في ضهري. 'سيباستيان' الصوت قال بطريقة رتيبة، كأنها آلة، 'عندي بس حاجة واحدة أقولها'.
قلبي دق بسرعة، ومعرفتش أبطل أتوتر من implications بتاعة المكالمة الغامضة. أول حاجة فكرت فيها، كانت ميا. هل بيهددوها؟ الصوت كمل، 'تعالى في خلال ساعة تحت الكوبري اللي مش بعيد من شركتك. الكوبري الأحمر. لو عايز مراتك تكون بخير'.
الرسالة بعتت موجة صدمة من الذعر فيا. كنت ممزق بين إحساس بالخوف وبين ضرورة إني أرد. 'إيه؟!' بدأت، صوتي مليان بعدم تصديق وغضب، بس قبل ما أقدر أطلب معلومات أكتر، المكالمة خلصت فجأة.
بصيت للتليفون، دماغي بتجري، وقلبي بيضرب في صدري. التهديدات بتزيد، والمتصل اللي معرفهوش سحب ميا في الموقف الخطير ده. تقيل الرسالة، الإلحاح في الصوت، خلاني أحس إني عاجز وضعيف.
الكوبري الأحمر كان علامة مميزة، مش بعيد من شركتي. شكله كان بيحمل جو من الألفة، بس دلوقتي بيمثل مستقبل نذير، مستقبل مليان بعدم يقين وخطر. معرفتش أتخيل الدافع ورا المكالمة المشؤومة دي، بس حاجة واحدة كانت واضحة: لازم أرد، لازم أضمن سلامة ميا.
مساعدتي بصتلي، عينيها مليانة قلق. 'يا فندم، نعمل إيه؟' سألت، واضح إنها حاسة بإلحاح الموقف.
عرفت إن معنديش اختيار. مسؤوليتي مكنتش بس تجاه مراتي بس، كمان تجاه سلامة طفلنا اللي لسه ميتولدش. 'اتصلي بالبوليس' أمرت، في إشارة لـ أحسن صحابي. 'قوليلهم يقابلوني عند الكوبري الأحمر'.
قلبي دق بالذعر وأنا بحاول أتصل بـ ميا كتير، رسايل البريد الصوتي اللي بتكرر بتزود قلقي. هي ماردتش، وكل مكالمة مش بيتجاوب عليها، خوفي عليها بيزيد.
في حركة يائسة، اتصلت بـ بيلا، بأمل في أي معلومة عن ميا. لما ردت، رحت متكلم عن قلقي، بالكاد عرفت أخفي القلق اللي في صوتي. 'بيلا، ميا فين؟ بحاول أوصلها، وهي مش بترد'.
صوت بيلا كان فيه لمحة مفاجأة وهي بترد، 'ميا في الشغل. خرجت الصبح عشان شغلها'.
الراحة غسلتني. إني أعرف إن ميا في الشغل جابلي شوية راحة، بس مهدتش بالكامل عدم الارتياح اللي حسيت بيه بخصوص المكالمة المشؤومة اللي استقبلتها قبل كده. ومع ذلك، كان تأكيد مطمئن إن ميا بخير في اللحظة دي.
خلصت المكالمة مع بيلا، وشكرتها على المعلومة، وبعدين جريت برة المبنى. قلبي كان لسه بيدق بسرعة، والخوف اللي سيطر عليا فضل تقيل. لازم أروح للكوبري الأحمر، عشان أواجه التهديد وأضمن سلامة ميا.
عربيتي كانت واقفة في الجراج القريب، وجريت عليها، دماغي مركزة على الحاجة الملحة إني أوصل للكوبري. كل ثانية بتعدي كانت ثانية بتهدد سلامة ميا.
وأنا بطلع من الجراج، أفكاري كانت مستهلكة بـ ميا وبالمواجهة اللي جاية. السواقة للكوبري الأحمر كانت كلها توتر، والطريق اللي ممتد قدامي شكله مخلصش.
الدقايق بتعدي، وأنا بقرب من التقاطع اللي بيودي للكوبري، حسيت رجلي بتتحرك على دواسة الفرامل. قلبي ضرب، وثقل المواجهة اللي جاية كان ملموس. مسكت الدركسيون جامد وأنا بحاول أهدي، بس في حاجة غلط.
الذعر عدا فيا وأنا أدركت إن الفرامل مش شغالة. دوست على دواسة الفرامل، بس كأن العربية فقدت قدرتها على الوقوف. قدرت أشوف عربية نقل ضخمة قدامي، وجودها المهيب بيسد الطريق. القرب من التصادم كان فوري، ومفيش طريقة لتجنب الاصطدام.
في اللحظة المرعبة دي، كل حاجة ضلمت. العالم اللي حواليا اختفى، وصوت صراخ المعادن مع بعضها ملا الجو. التصادم كان وحشي، والعربية اتنفضت بقوة الاصطدام. جسمي اتحرك لقدام، مربوط بحزام الأمان، والعالم اللي حواليا راح في الفوضى.