66
نيويورك، ميا
وسط الفوضى، قدرت أسمع أصوات من بعيد. كأنهم بينادوا على اسمي، همهمة خفيفة في الخلفية. لسبب ما، ما كنتش قادرة أفتح عيني، كأني محبوسة في حالة نص-وعي. البانيك بدأ يطلع جوايا. إيه اللي بيحصل؟ ليه مش قادرة أصحى خالص؟
الأصوات فضلت، بتعلى شوية، بس فضلت مكتومة، كأن فيه حاجز مستحيل بيفصل بيني وبينهم. حاولت أركز عشان أفهم الكلام، وفعلا كان كأنه اسمي بيتنادى. كانت تجربة بتخلي الواحد مش مركز، كأني في حلم سيريالي.
وبعدين، فجأة، حسيت بيها - رشة ميه ساقعة على وشي. كانت زي صدمة لجسمي، وعيني اتفتحت على الآخر. الدنيا اللي حواليا لفت في ضبابية، وكنت بحاول أفهم إيه اللي بيحصل.
لما نظري بدأ يصفى شوية شوية، أدركت إن فيه ناس واقفين حواليا. من بين اللخبطة والدوخة، عرفت سيباستيان، وشه اللي قلقان فوقي. إيديه القويين سندوا راسي، وحسيت بالأمان والاستقرار في وجوده.
'ميا... يا ربي، صحيتي يا حبيبتي،' قالها، صوته مليان ارتياح وقلق. كان فرق كبير بينه وبين الغضب والعنف اللي شوفته قبل كده.
اللخبطة مسكتني. 'إيه اللي حصل؟' سألت، صوتي بيرتعش من عدم التأكد. ذاكرتي متكسرة، وكنت محتاجة إجابات.
سيباستيان سخر، مزيج من الإحباط والغضب في نبرة صوته. 'أبوكي اللي حصل،' رد، وعينيه بتعكس اشمئزازه من الراجل اللي سبب الفوضى دي.
بصعوبة كبيرة، حاولت أقعد، بس راسي لسه بتلف، واضطريت إني أرجع أنام تاني. 'بالراحة يا حبيبتي،' سيباستيان حذر، إيده بتضغط بلطف على كتفي عشان يثبتني.
السؤال اللي كان شاغل دماغي طلع أخيرا من شفايفي. 'هو فين؟' سألت، كلامي طالع متثاقل، زي الضباب اللي بيطلع بالراحة.
عينين سيباستيان قابلت عيني، نظراته مليانة مزيج من الإصرار والطمأنة. 'هو في القسم. بيتحبس بسبب الإزعاج العام،' شرح، وسمعت الرضا في صوته. 'أنتِ بأمان دلوقتي.'
لما الضباب اللي في دماغي بدأ يروح، أدركت إن المقهى كله سكت سكوتا غريبا، الزباين التانيين بيبصوا في اتجاهي بنظرات فضول وقلق. التدخل المفاجئ والعنيف لصباحهم خلاهم مصدومين، ووجودي على الأرض كأنه لفت انتباههم.
حسيت إني بقيت مركز الاهتمام، حسيت بعدم راحة بتزيد. ما كنتش عايزة غير إني أمشي من المكان ده وأهرب من النظرات اللي بتحكم. 'ممكن نمشي؟' سألت سيباستيان، صوتي بيتوه من عدم الراحة.
من غير تردد، سيباستيان هز راسه. 'يلا بينا،' قال، وغرايزه الحامية اشتغلت. ساعدني أقوم على رجلي، واتسندت عليه عشان أستند، وإحنا ماشيين في اتجاه المخرج، وسبنا وراينا السكوت اللي مش مريح في المقهى.
مشوار العربية كان غالبا في صمت وإحنا ماشيين في المدينة. قعدت في مكاني، تايهة في أفكاري، لسه مش قادرة أستوعب اللقاء المفاجئ بأبويا. سيباستيان، قلقه كان واضح، كسر الصمت.
'أنتِ كويسة؟' سأل، صوته مليان قلق.
هزيت راسي بالراحة، الألم من الصفعة على خدي خف شوية. 'مش بتوجع أوي دلوقتي،' اعترفت، صوتي لسه فيه شوية عدم راحة.
عينين سيباستيان فضلت مركزة على الطريق، بس قدرت أحس بوجوده، دعمه اللي مبيتغيرش. 'عايزة آيس كريم؟' سأل، الاقتراح قدم حاجة حلوة تشغلني عن أحداث اليوم.
فكرة الآيس كريم بدت مريحة، متعة بسيطة في وسط الفوضى. 'أيوة،' رديت، صوتي فيه شوية امتنان، وسيباستيان لف في اتجاه محل آيس كريم قريب.
نزلنا من العربية ومشينا جوه المحل الصغير الظريف. ريحة الآيس كريم الطازة غمرتنا، وللحظة قصيرة، قدرت أنسى الفوضى اللي حصلت قبل كده.
'إيه طعمك المفضل؟' سيباستيان سأل وإحنا بنقرب من الكونتر.
'فستق،' رديت، وأنا بابتسم على فكرة الحلوى الخضرا، فيها مكسرات.
سيباستيان رفع حاجب، فيه هزار في عينيه. 'أنت؟'
'فانيليا،' قال، وهو بيبتسم ابتسامة خجولة. 'عارفة، تقليدي شوية.'
ماقدرتش أمنع نفسي إني أتنمر عليه. 'آسفة، يا أستاذ فانيليا،' قلت، وأنا بلف عيني بمرح.
ضحك، ضحكته معدية. 'خلاص يا آنسة فستق، يلا نجيب الآيس كريم بتاعنا.'
خرجنا من المحل، كل واحد فينا مع طعمه اللي اختاره في إيده، جاهزين عشان نستمتع بلحظة بسيطة. بس لما خرجنا، السكينة دي اتكسرت بفلاشات الكاميرات اللي بتعمي العين. الباباراتزي لقونا.
أصواتهم هاجمتنا من كل النواحي، سيول أسئلة واتهامات مابتخلصش. حسيت بضغط مفاجئ وكبير، ومخي كأنه بيهنج وهو بيحاول يفهم كل ده.
سيباستيان، اتصرف بسرعة، مسكني من دراعي ووجهني في اتجاه العربية. كانت لمسة بتثبتني، حبل نجاة في الفوضى. بإحساس بالإلحاح، ساعدني أدخل العربية، وسرعنا بعيد عن جمهور الصحفيين، وسبنا وراينا الباباراتزي اللي بيتطفل.
'باباراتزي أغبية،' سيباستيان تمتم تحت نفسه، وإحباطه كان واضح. بص في الساعة، وملامحه بقت جدية. 'لازم أرجع لـ إل إيه دلوقتي،' قال، وهو بيبصلي.
حسيت بلسعة خيبة أمل، أدركت إن يومنا مع بعض اتقطع فجأة بسبب تدخل الباباراتزي. 'أوصلك البيت؟' سأل، وعينيه فيها مزيج من القلق والندم. 'آسف على اللي حصل النهارده.'
هزيت راسي، وقدمت ابتسامة بتطمن. 'عادي. مفيش حاجة من دي غلطتك،' رديت، صوتي مليان تفهم.
لما وصلت البيت بعد اليوم الفوضوي، حسيت بمزيج من المشاعر. سيباستيان وصلني للباب، وعينيه مليانة قلق وندم. كنت عارفة إنه لازم يمشي لـ لوس أنجلوس، بس قبلة الوداع بتاعته كانت مليانة حنان ووعد. كانت طمأنة صامتة، إنه على الرغم من أحداث اليوم المضطربة، هنواجه أي تحديات تيجي في طريقنا مع بعض.
لما مشي، ابتسمت له، ممتنة لدعمه اللي مبيتغيرش. 'خد بالك من نفسك،' قال، صوته مليان محبة. وبكده، لف ورجع لعربيته، وسابني واقفة على الباب، مزيج من المشاعر بتلف جوايا.
لما دخلت أوضة المعيشة، لاقيت صوفيا قلقانة. جريت علي، وعنيها واسعة من القلق. 'يا ربي، أنتِ كويسة؟' سألت، صوتها مليان قلق.
اتخضيت من سؤالها. ماكانش عندي فرصة أحكيلها عن أحداث اليوم، فمستحيل تكون عارفة إيه اللي حصل. 'أيوة، ليه؟' رديت، الفضول داخل صوتي.
صوفيا طلعت التابلت بتاعها وقلبت الشاشة بسرعة في اتجاهي. بحروف كبيرة وعريضة، العنوان الرئيسي جذب عيني: 'ميا أندرسون ثورنتون بتضرب من أبوها!' كانت منتشرة في قنوات الفضايح، تفاصيل اللقاء مفروشة للعالم كله عشان يشوفها.
قلبي نزل لما قرأت العنوان. الباباراتزي كانوا مابيستسلموش في سعيهم ورا القصة، وقدروا يحولوا أحداث اليوم لمنظر مثير، تراجيديا شخصية وفوضى عائلية، دلوقتي أكل عيش الجمهور، تذكرة قاسية لطبيعة الإعلام المتطفلة.
عينين صوفيا كانت مليانة تعاطف وهي بتراقب رد فعلي. 'أنا آسفة أوي يا ميا،' قالت، صوتها لطيف ومطمن. 'ما كنتش أعرف إنهم هيعملوا منها موضوع كبير كده.'
هزيت راسي، إحساس بالعجز غمرني. 'مش غلطتك،' رديت، صوتي تقيل من الاستسلام. ماكنتش أقدر ألوم صوفيا على حاجة خارجة عن إرادتنا.
لما قعدت على الكنبة، صوفيا انضمت لي، بتقدم وجودها المريح. 'حاسة بإيه؟' سألت، وقلقها كان واضح.
تنهدت، وزن أحداث اليوم بيضغط عليا. 'متلخبطة، غضبانة، ومكسوفة،' اعترفت، صوتي بيرتعش من المشاعر. 'بس بحس إني محظوظة إن فيه ناس زيكم وسيباستيان في حياتي.'
صوفيا ابتسمت بحرارة، بتقدم ضغطة مطمئنة لإيدي. 'إحنا معاكي يا ميا. مهما حصل.'