45
نيويورك، ميا
السلة بتاعت الهدوم الوسخة اللي في ركن أوضتي بقت جبل من الغسيل اللي ما اتغسلش، دليل على إني ما عنديش طاقة اليومين دول. بقالي أسابيع ما عملتش الشغلانة دي، وحان الوقت إني أرتب الفوضى دي كلها. بطني اللي بتكبر، دليل على حياة جديدة بتنمو جوايا، عمالة تسحب طاقتي، وما بقاش ينفع أتجاهل وجود الغسيل المستمر ده.
بإحساس بالعزيمة، بدأت المهمة الصعبة دي. فرزت كل الهدوم في كومين، فصلت الألوان الفاتحة عن الغامقة. صوت الغسالة الهادي ملأ الأوضة وأنا بحط فيها أول دورة غسيل. كانت مهمة محتاجة كل تركيزي، وارتحت لما شوفت الهدوم أخيراً بتتعامل.
لما قفلت غطا الغسالة، حسيت إني مش كويسة اليومين دول. الإرهاق ونوبات الغثيان اللي بتيجي على فترات كانوا أصحاب مش مرحب بيهم في رحلة الحمل دي. قالولي دي هرمونات، بس ده ما بيخليش عدم الراحة دي أسهل إني أتحملها. على الرغم من كده، فيه إحساس بالفرحة تحت كل ده، وأنا عارفة إن التغيرات دي في جسمي لسبب حلو.
جسمي كان محتاج أكل، ورحت على المطبخ، وأنا متبعة الريحة المغرية بتاعة الفاكهة الطازة. فتحت التلاجة وجبت عنقود عنب، وتفاحة، وشوية برتقال كنت مقشراهم اليوم اللي فات. غسلت العنب وقطعت التفاحة، وريحة التفاحة المنعشة، والمليانة عصير، كانت بتفرح. كنت عارفة إن الاهتمام بنفسي أهم حاجة، مش بس لصحةي، بس علشان صحة الحياة اللي بتنمو جوايا.
قعدت على ترابيزة المطبخ، واستمتعت بالفاكهة المنعشة والمغذية. الطعم الحلو، والبارد كان تباين حلو مع فوضى غرفة الغسيل. موبايلي كان على الترابيزة، وقررت إني آخد لحظة لنفسي، وأنا بتصفح السوشيال ميديا وأنا باكل. الصور والحكايات من الصحاب والمعارف كانت بتوفر هروب بسيط، وشباك على العالم اللي بره عالمي أنا. كان تشتيت حلو سمحلي إني أسترخي، حتى لو للحظة.
وأنا لسه بقلب، جاتني رسالة من بيلا. كانت بره، وعرضت تجيب غدا لينا. كان فعل صغير من اللطف، ودا معناه كتير أوي بالنسبة لي، خاصة إني كنت حاسة بإيه اليومين دول. شكرتها على لطفها، وكنت مستنية الوجبة اللي هتجيبها بفارغ الصبر.
وأنا بستنى رجوع بيلا، نظري راح على أرضية المطبخ، اللي كانت محتاجة اهتمام. كانت مهمة موجودة في قائمة الحاجات اللي لازم أعملها بقالي فترة، ودلوقتي شكله أحسن وقت إني أعملها. قمت من على الترابيزة، وأنا ممتنة لدفعة الطاقة المؤقتة دي.
مسكت المساحة، ومليت الجردل بمية بصابون. حركة المساحة المتكررة على الأرض جابت إحساس بالرضا. كانت مهمة بسيطة، بس ساعدت في خلق بيئة أنضف وأكثر راحة ليا أنا والبيبي بتاعي. ريحة محلول التنظيف ملأت الهوا، واختلطت مع ريحة الفاكهة الطازة اللي لسه موجودة.
وأنا بنظف بجد في البيت، ريحة النضافة، والصدى الخفيف لأعمالي كان لسه موجود في الهوا. الغسيل اتفرز، وأرضية المطبخ اتمسحت، وكنت ماشية في طريقي إني أرتب غرفة المعيشة، لما الباب اتفتح، وبيلا دخلت.
'جبتلنا أكل صيني,' قالت بابتسامة دافية. ريحة الأكل الصيني الحلوة ملأت الأوضة، ومعدتي ما قدرتش إلا إنها تستجيب للروائح المغرية دي.
'مممم,' همهمت بتقدير، وحطيت أدوات التنظيف، ورحت على المطبخ. الجوع جه عليا، وفكرة الأكل الصيني الحلو كانت مغرية أكتر من إني أقاومها. مسكت طبقين من الدولاب وبدأت أقدم لينا أطباق سخية من الأطباق المالحة.
قعدنا على ترابيزة المطبخ، ومع أول قضمة، الطعم انفجر في براعم التذوق بتاعتي. كان طعمه أحسن من ما كنت فاكرة، خاصة إن بقالي فترة ما أكلتش أكل صيني. تركيبة النكهات والقوام كانت متعة حلوة.
بيلا وأنا استمتعنا بوجبتنا، وكلامنا كان خفيف وسهل. بعد شوية لحظات من الاستمتاع بأكلنا، ما قدرتش أخبي الخبر الحلو أكتر من كده.
'طيب,' بدأت، وأنا بمسح بوقي بمنديل، 'سيباستيان وأنا اتكلمنا الليلة اللي فاتت.' بيلا بصتلي بفضول، واهتمامها زاد. 'كنا بنتكلم في حاجة مهمة.'
بيلا ميلت لقدام، وعنيها مثبتة عليا. 'أيوة؟' سألت.
'طيب,' كملت بابتسامة، 'اتكلمنا مين لازم يبقى عرابة البيبي بتاعنا.' حواجب بيلا طلعت لفوق في مفاجأة، وعنيها لمعت بفضول.
'و؟' سألت بحماس.
ابتسامتي كبرت أكتر وأنا بقول الخبر. 'اتفقنا إني لازم تكوني العرابة,' أعلنت.
عيون بيلا دمعت، وشهقة فرحة خرجت من شفايفها. جريت عليا، ولفيتني في حضن حنين، ومليان مشاعر. 'بجد؟' همست، وصوتها مليان إعجاب.
حضنتها تاني، وحسيت بدفى حضنها، وعمق سعادتها. 'أيوة، بجد,' رديت، وقلبي بيزيد بالشكر على الصداقة والدعم اللي وفرته على مدار السنين.
'يا له من شرف,' قالت بيلا، وصوتها بيرتعش بالمشاعر. مسحت دمعة من خدها. 'مش قادرة أصدق.'
ثبت نظري عليها، وأنا بحس بصدق كلامي. 'أنتِ بتعتني بيا كويس يا بيلا. عارفة إنك هتعتني ببيبينا كويس أوي كمان.' طمنتها، وإيدي مستقرة بهدوء على بطني اللي فيها حمل. فكرة إن بيلا تبقى العرابة جابتلي راحة عظيمة، وأنا عارفة إن طفلي هيكون محاط بالحب والحماية.
عيون بيلا لمعت بدموع الفرح. 'هحمي البيبي بتاعك بروحي,' وعدت.
ابتسمت.
وبينما بيلا وأنا مستمتعين بأكلنا، الكلام مشي طبيعي، وقلبي مليان بالإثارة عن مجيء البيبي اللي جاي، وفكرة إن بيلا تبقى العرابة. ضحكنا، وشاركنا الحكايات، ودفى الصداقة ملأ الأوضة.
بس فجأة، من غير ما نحذر، ابتسامتي ضعفت. حسيت كأن الأرض اتحركت من تحتي. فجأة حسيت بموجة دوخة ساحقة بتغسلني. الأوضة شكلها بيدور، ومعدتي بتتقلب بغثيان مش مريح. مسكت بحكم الفطرة على حافة الترابيزة عشان أثبت نفسي، ومفاصل إيدي بدأت تتحول لأبيض من المجهود.
صوت بيلا، مليان بالقلق، وصل لأذني كأنه من مكان بعيد. 'ميا، أنتِ كويسة؟' سألت، وكلماتها يا دوب بتتسجل من خلال الإحساس اللي بيعمل لخبطة اللي بيدور حواليا.
رؤيتي اتشوشت، والدنيا بتدور أسرع، كأني محبوسة في مراجيح بتدور بشكل لا يتوقف ولا ينتهي. الرعب مسكني وأنا بحس إن رأسي بتدور في اتجاهات مختلفة في نفس الوقت، وكل نفس بقى صراع.
'ميا؟' صوت بيلا، على الرغم من إنه خافت، زاد إلحاح. كنت عاوزة أرد، وأطمنها إني كويسة، بس الكلمات شكلها محبوسة في زوري.
الأوضة فضلت بتدور في شكل لولبي، ووعيي معلق بخيط ضعيف. حاربت إني أفضل مركزة، وإني أتمسك بالواقع، بس الدنيا حواليا دابت في دوامة ألوان وأشكال مش مفهومة.
وبعدين، في لحظة ضعف ساحق، كل حاجة بقت فاضية. الإحساس بالدنيا اللي بتدور، الدوخة اللي بتعمل لخبطة، والأوضة اللي مليانة بالقلق، كل ده اختفى وأنا استسلمت لعدم الوعي.
الوقت شكله فقد كل معناه وأنا طايفة في الفراغ، مش واعية بأي حاجة حواليا. كأنني معلقة في مساحة حدودية، لا هنا ولا هناك. في الهاوية المظلمة دي، ما فيش إحساس بالوقت أو المكان، بس فيه فراغ عميق.