58
نيويورك، ميا
في الظلام المرعب اللي كان حواليني، الدنيا كلها كانت بتلف بيا. كنت متمسكة بالوعة بأي طريقة، كأنها الحاجة الوحيدة اللي ماسكاني عشان ما أنجرفش مع العاصفة اللي كانت جوا دماغي.
"ساعدوني... ساعدوني..." همست، صوتي بيرتعش، يا دوب مسموع. جسمي كان بيرتعش، كأني في قبضة إعصار عنيف، مش شايفاه. الذكريات طلعت قدامي، زي سيل مابيوقفش، بيهدد إنه يغرقني.
نفسي كان بيطلع بصعوبة، بقيت باخد نفس قصير، و أنا برجع بالزمن لورا. الذكريات كانت واضحة، صارخة، و بتوجع. "أرجوك، يا الأب، سيبني في حالي" توسلت، كلامي بيرتعش، كأنه شايل حمل ألف حزن.
في الظلام، الأوضة كانت بتخنق، و شفتي صورة واضحة لـ الأب، وجوده كان زي ظل مسيطر في خيالي. كنت حاسة بقبضته الوحشية، صوابعه متشابكة في شعري، و هو بيرميني في الأوضة المخيفة، السودة قوي دي. الظلام كان مستحيل اخترقه، مليان رعب مش شايفاه.
جلدي قشعر لما حسيت بصوت صراصير بتتحرك، رجليها الصغيرة بتزحف على أطرافي اللي بترتعش. الإحساس كان حقيقي أكتر من اللازم، و ارتجفت، بمسح إيدي بعنف على رجلي كأني عاوزة أتخلص من الحشرات الوهمية. الأوضة، أيا كانت، قفلت عليا، مكان عذاب و رعب.
في خيالي، شفتي نفسي، طفلة، أنا الصغيرة. كنت ضعيفة، و مش قادرة أحمي نفسي، محبوسة في عالم كابوسي من الذكريات. دموع بتنزل على وشي، مساراتها المالحة بتقطع كل القذارة و الألم.
"أرجوك، كفاية... أرجوك كفاية..." همست، كلامي كان استغاثة يائسة، زي ترنيمة في الظلام. بس صدى الماضي مابيرحمش، الذكريات بتتلعب زي فيلم مابيوقفش، من غير ما حد يطلب، و مش بتخلص.
صوت الأب اخترق الظلام، قاس، و مش بيسامح. كان بيصرخ، الأصوات بتردد في دماغي، كل كلمة ضربة وحشية. جدران الأوضة البائسة دي كأنها بتقفل عليا، حدود الماضي ماسكاني زي كماشة.
حسيت إني بتزق، أثر الحيطة الحاد على جسمي بيخليني أصرخ من الألم. الإحساس كان واضح و سريالي في نفس الوقت، كأني بعيش كابوس مالهوش نهاية. غضب الأب كان عاصفة عنيفة، و كنت في طريقها، عاجزة و مش قادرة أحمي نفسي.
و مع استمرار الضربات، حسيت بالألم بيعدي في جسمي، كل ضربة بتسيب جرح جسدي و عاطفي. الظلام كأنه بيتسرب في كياني، و بقيت أضعف و مش عارفة أنا فين.
أطرافي، اللي كانت بترتعش من الخوف، بقت تقيلة، و برودة بتخدرني. حسيت إن الأوضة بتلف، و الحدود بين الماضي و الحاضر بتتشوش. الأحاسيس كانت حقيقية، بس كانت من زمان، فصل مؤلم في حياتي كنت أتمنى أنساه.
الظلام كان ماسك فيا زي كفن، و حسيت بإحساس عميق بالعزلة. الماضي كان ماسك فيا، بيرفض يسيبني، و حسيت إن جسمي بيروح لما الذكريات فضلت تتكرر، كل إطار محفور في أعماق عقلي.
و مع الظلام اللي بيضغط عليا من كل حتة، إحساس بالخوف بدأ يمسك بيا. حسيت إني بدوخ، و الدنيا بتلف بطرق بتخوف و بتوه. الذعر عدى في عروقي، و أكلني الخوف. الظلال اللي كانت محاوطاني حسيتها بتخنق، كأن ليها حياة خاصة بيها.
في عز الظلام ده اللي بيغرقني، حسيت بحاجة، وجود شرير، بيلمس رقبتي. الإحساس كان بيخنق، كأن حبل أو قوة مش شايفاها بتقفل عليا، بتشد قبضتها. الهوا قل، و مابقدرش أتنفس. الخوف إني ممكن أتخنق من الكيان ده اللي مش معروف زاد من رعشتي.
"ساعدوني..." همست، صوتي يادوب همهمة في الظلام اللي ضاغط. كأنه كلامي اتبلع في الفراغ، و مفيش حد يسمعني. حسيت إني لوحدي تماما، تايهة في متاهة كابوسية من صنعي.
العطش كان بيخربش في زوري، حاجة يائسة للمية، بس مابقدرش أشوف فين ألاقيها في الظلام اللي مالي المكان ده كله. إحساسي بالعجز زاد، و اشتقت للإنقاذ، لحد يجي و يوجهني من الهاوية المرعبة دي.
صدى بعيد لأصوات وصل لوداني، خافت و مش واضحة، زي همسات بعيدة. مابتقدمش أي راحة، كأنها مستحيل توصلني في المكان ده اللي بيخوف. حاولت أركز في السمع، عشان أميز أي بصيص من المساعدة، بس الأصوات فضلت بعيدة.
إحساس بيقشعر جرى على رجلي، خلى صرخة تخرج من شفايفي. اتمسكت برعب، مش قادرة أفهم مصدر الإزعاج ده في الفراغ الأسود. إيه ده؟ عقلي بيجري، بيتخيل صور كائنات مستخبية في الظلام، بتهدد إنها تدخل على ملاذي الضعيف.
بعدين، من زاوية الهاوية الكابوسية دي، شفتي عيون. كانت بتلمع بنور غريب، شرير، مركزه عليا بقوة بتضايق. صرخة تانية طلعت من زوري و قلبي بيدق في صدري. إيه العيون دي؟ هل كانت عيون كائن شرير، فار، أو حاجة أوحش؟
كنت دلوقتي برتعش من غير سيطرة، جسمي كله عرقان برد. الخوف أكلني، و الظلام ضغط من كل الجهات، عنيد في قبضته اللي بتخنق. إحساسي بالعجز و العزلة كان طاغي، و حسيت إني محبوسة جوة أعماق رعب نفسي.
الظلام كأنه بيغذي خوفي، بيزوده لحد ما حسيت إنه مستحيل أتحمله. كان خوف بيفكرني بالذكريات اللي بتخوف، اللي حاولت أدقنها جوايا، ذكريات وقت كان فيه الظلام و الرعب هما رفقائي الدائمين.
كان عندي رد فعل فطري للظلام اللي بيقرب ده، كره قوي زي اللي عندي للمستشفيات، مكان كان مرتبط بالألم الجسدي و العاطفي اللي سببه الأب. المستشفى كانت بياخدني ليها لما انفجاراته العنيفة بتزيد عن الحد، و كان بيكدب عشان يحمي نفسه و ناس تانية بتصدق كذبه.
الظلام اللي حواليا كان بيعكس ظلام الذكريات دي، و مابقدرش أهرب من إحساس إني برجع للماضي الصادم ده. كأن اللي حواليا بقوا تجسيد حقيقي لأعمق مخاوفي، حيث العجز و الألم مسكوني.
كنت عاوزة أهرب، أتحرر من الظلام، بس كان ماسك فيا، مابيتهربش و بيخنق. كرهته، زي ما كرهت المستشفى، للألم اللي بيمثله، للظلام اللي بيجسده.
في أعماق خوفي و يأسي، كنت متمسكة بالأمل إن بطريقة ما، في حتة ما، نور بسيط هيخترق الظلام و يوجهني للأمان.
في الظلام اللي بيخنق، لما كل الأمل كأنه سابني، تغيير مفاجئ، معجزة حصل. الظلام اللي كان ماسك بيا بقاله كتير اتحطم لما النور انفجر، و طرد الظلال. غمضت عينيا في دهشة، كأني اترمين من كابوس لعالم من الوضوح.
و بعدين، كأنه في حلم، حسيت بإيدين دافية، مالوفة بتحيط بيا. لفت حواليا باحتواء بيطمن، بتقدم راحة و أمان في عز الفوضى. "كله تمام. أنا هنا. أنا هنا" صوت همس، حبل إنقاذ بيترمى لروح بتغرق.
و لما عينيا فتحت بالراحة، رؤيتي بدأت تصفى. قدامي، في ضي النور اللطيف، كان كيران واقف. هو أخيرا هنا، و شوفته كانت زي منارة في الظلام. ما اترددتش لحظة. بمزيج من الراحة، الامتنان، و الحب، رميت دراعي حواليه، و شدته عليا في حضن قوي، يائس.