40
نيويورك، ميا
النهار المليان شغل في مكتبي خلص أخيرًا. سيباستيان، بعد ما زارني في نيويورك لزيارة سريعة، مشي من مكتبي بعد غدا لذيذ مع بعض. جابلي ساندويتش تونة يجنن مع بطاطس مقرمشة و لاتيه بالكراميل المثلج منعش. حركته اللطيفة دي عمرها ما بتبطل تدفي قلبي.
النهار ده كان مليان اجتماعات و استشارات للعملاء، بس فكرة المساء اللي جاي كانت بترفع معنوياتي. مع بس عميلين فاضلين في جدولي، كنت عارفة إني هقدر أمشي من المكتب بدري و استمتع بمساء هادي.
و أنا بهتم بآخر عميل ليا، و بتأكد إن كل مخاوفهم اتحلت، تلفوني رن برسالة. بصيت على الشاشة، و كانت بيلا، اللي بعتت الرسالة. أخبرتني إنها مش هترجع البيت الليلة عشان أهلها عاملين حفلة شواء، و إنها ناوية تبات عندهم.
بسبب غياب بيلا، أدركت إني هيكون عندي الشقة كلها لنفسي طول الليل. دي كانت فرصة نادرة للعزلة و الاسترخاء، فرصة عشان أرتاح بعد يوم طويل في الشغل.
من يومين، بعد عشا التاريخي اللي عملناه، سيباستيان أخدني لقصره الجديد في نيويورك. عبر عن رغبته إنه يكون المكان اللي يكبر فيه البيبي بتاعنا، حركة أثرت في قلبي جدًا. بالرغم إننا لسة متناقشناش في تفاصيل أكتر عن المكان اللي طفلنا هيسميه بيت في الآخر، دلوقتي، نيويورك هي المكان اللي بتزدهر فيه مسيرتي المهنية، و شكلها الاختيار المنطقي.
بس، احنا الاتنين فهمنا إن التنازل و المرونة هيكونوا أساسيين و احنا ماشيين في الفصل الجديد ده في حياتنا. كلامنا عن المستقبل مستمر، و كنا عارفين إن عندنا عمر كامل عشان نتعامل مع كل التعقيدات و التفاصيل الدقيقة.
في اللحظة دي، كنا راضيين إننا نستمتع بمرحلة شهر العسل في علاقتنا. بالنظر إزاي حبنا ازدهر بسرعة و إزاي الحياة دفعتنا لقدام، حسيت إنها رفاهية ثمينة إننا ناخد الأمور براحة و نستمتع بكل لحظة مع بعض.
و أنا بخلص مع آخر عميل ليا، و بتأكد إنهم مشوا من مكتبي و هما مبتسمين و مبسوطين، رتبت مكان شغلي. ضي النور الخفيف بتاع المساء كان داخل من شبابيك مكتبي، و كان بيعمل جو دافئ اللي بيأذن بنهاية يوم الشغل.
و دلوقتي مكتبي مرتب، جمعت حاجتي و خرجت. شوارع مدينة نيويورك كانت مليانة بطاقة زحمة المساء، و انضميت لتدفق الناس و هما رايحين بيوتهم.
و معدتي بتفكرني برقة إن معاد العشا جه، قررت إني أروح تشيبوتل، اختيار مألوف و مريح. طلبت طبق لذيذ مليان بمكوناتي المفضلة، و أنا بستمتع بالطعم و أنا راجعة للشقة.
المشي للبيت كان هادي، مناظر و أصوات المدينة المألوفة بتقدم إحساس بالراحة و الانتماء. و أنا بقرب من عمارة شقتي، مقدرتش أمنع إحساسي بالشوق للمساء الهادي اللي جاي.
جوه الشقة، استمتعت بعشاي على مهلي، و أخدت وقتي عشان أستمتع بكل لقمة. مع غياب بيلا طول الليل، كان عندي رفاهية العزلة، و استمتعت بالفرصة إني أرتاح و أفكر في أحداث اليوم.
بعد ما خلصت عشا و استمتعت بعزلة شقتي، قررت إني أخلص شغل البيت. بإحساس بالهدف، بدأت بغسيل الأطباق، المياه الدافية و رغوة الصابون بتقدم روتين مريح بيساعد على تصفية ذهني.
بمجرد ما المطبخ بقى بيلمع، توجهت للحمام، جاهزة لشور مريح. المياه اللي فيها بخار بتنزل عليا، و بتغسل توترات اليوم. استمتعت بشوية اهتمام بالنفس، و حطيت منتجاتي المفضلة للعناية بالبشرة، و فركت جسمي، و أخدت وقتي عشان أتأكد إني حسة بانتعاش.
و بشرتي حاسة بالانتعاش و جسمي تجدد، وجهت انتباهي لنظافة الأسنان، و بفرشي أسناني بإخلاص لحد ما حسيت إنها نظيفة و فريش. الحمام كان مليان بدندنة هادية من الدندنة اللي بتعبر عن رضاي و أنا بدلع نفسي.
و أنا خارجة من الشور، ملفوفة بمنشفة فخمة، اخترت طقم بيجاما مريح و طلعت كتاب من الدرج بتاعي. القراءة طول عمرها كانت هواية مفضلة، طريقة عشان أهرب لعوالم و قصص مختلفة. الليلة، كنت في مزاج لكتاب كويس.
استقريت في سريري المريح، النور الخافت بتاع لمبة السرير بيعمل بركة نور دافية على صفحات الرواية اللي اخترتها. القصة بدأت تنسج سحرها، و بتشدني بشخصياتها و مغامراتها. و أنا بقرأ، الوقت شكله بيطير، و ضيعت نفسي في الحكاية.
بالتدريج، إحساس لطيف بالإرهاق بدأ يغرقني، علامة إنه جه الوقت عشان أودع العالم الخيالي و أحضن عالم الأحلام. قفلت الكتاب، و حطيته بهدوء على منضدة السرير، و بعت رسالة سريعة بتصبح على سيباستيان، و قلبي بيرفرف بحبه ليه.
بس، و أنا بستقر تحت الغطا، و بدور على عزاء النوم، إزعاج مفاجئ كسر هدوء الليل. صوت انفجار عالي تردد في الشقة، و هزني من حالة النعاس بتاعتي.
قلبي بدأ يسبق، و أنا بسمع بانتباه، و حواسي في حالة تأهب قصوى. كانت فيه خطوات رجل أكيدة، حد بيتحرك في الشقة. الرعب طلع جوايا و أنا بفكر في الاحتمال المخيف إن المتطفل ممكن يكون المطارد اللي كان بيهدد أفكاري.
الأوضة كانت في ضلمة، و إدراك إن حد اقتحم ملاذي ملاني بإحساس بالضعف. قلبي كان بيدق في صدري، و عقلي كان بيجري و أنا بحاول أقيم الوضع. إيه لو كان الشخص اللي بيعذبني؟
و أنا بجمع كل ذرة شجاعة، مديت إيدي لأقرب شيء، جاهزة إني أدافع عن نفسي لو لزم الأمر. خطواتي كانت هادية كهمسة و أنا بخرج من أوضتي، و أنا مصرة إني ماكونش ضحية في بيتي.
في أوضة المعيشة، إضاءة نور فاجأتني. أتذكر بوضوح إني قفلته قبل ما أنام. قشعريرة نزلت في ضهري، و استبعدت احتمال إن بيلا هي مصدر الضوضاء – مكنتش هتعمل كل ده.
و قلبي بيدق، مشيت في هدوء ناحية أوضة المعيشة، و حواسي مركزة على أي علامة لوجود المتطفل. قلقي زاد، بس عزيمتي فضلت ثابتة. مفيش حد هينتهك سلامتي، بالذات مش في بيتي.
و أنا بوصل لمدخل أوضة المعيشة، أعصابي مشدودة و أنا مستنية، جمعت كل الشجاعة اللي جوايا و بدأت أتحرك. في انفجار من الشجاعة المدفوعة بالأدرينالين، نطيت و طلعت صرخة عالية، و واجهت المتطفل بتصميم ثابت.