84
لوس أنجلوس، **ميا**
بينما كنت واقفة في دورة المياه بالمستشفى، بعد ما خلصت غدا لطيفة مع **سيباستيان**، تليفوني فجأة اشتغل. بصيت على الشاشة، اتفاجئت باسم كان مختفي من حياتي لسنين – '**الأم**.' إدراك إن **الأم** بتاعتي بتتواصل معايا، بعد كل الفترة دي من السكات، خلاني بمزيج من الفضول والتردد.
العلاقة المضطربة اللي كانت بيني وبين **الأم** كانت معمولة على سنين من تحمل سلوك **الأب** اللي كان بيضغط علينا. في طفولتي، كنت شايلة جوايا غضب وزعل ناحيتها عشان مشاركتها اللي حسيتها في سوء معاملتي. بس، لما كبرت وفهمت أكتر الديناميكيات المعقدة اللي بتحصل، مشاعري اتحولت من الزعل لإحساس عميق بالشفقة عليها.
السنين اللي فاتت شافت غياب **الأم** من حياتي. كأنها كانت مختفية، أكيد بسبب خوفها من غضب **الأب**. المكالمة الغير متوقعة دي كانت صدمة في المنفى اللي هي حطت نفسها فيه، وصلة هشة بامرأة كانت في يوم من الأيام شخصية بعيدة بس موجودة في حياتي على طول.
أخدت نفس عميق عشان أهدّي مشاعري، ورديت على المكالمة بصوت بسيط، '**الأم**.'
كان فيه سكات على الطرف التاني من الخط، سكات لحظي كان تقيل بمشاعر غير منطوقة. كنت تقريبا أقدر أسمع رعشة صوتها وهي أخيرا ردت، '**ميا**، يا حبيبتي، فات وقت طويل قوي.'
صوتها، مالوف بس بعيد، جاب موجة ذكريات رجعت فجأة. بالرغم من ألم تاريخنا المشترك، مقدرتش أنكر لمسة الحنين اللي طلعت جوايا. 'أيوه، فات وقت طويل,' رديت، وصوتي شايل مزيج من المشاعر.
كملت بتردد، 'كنت بفكر فيكي يا **ميا**. افتقدتك.'
كلماتها لمست حاجة جوايا، ومقدرتش أمنع إحساسي بزيادة التعاطف مع المرأة اللي كانت في يوم من الأيام مستقبِلة زعلي. 'وأنا كمان فكرت فيكي يا **أمي**,' اعترفت.
الكلام كأنه بيتأرجح على حافة الحاجات اللي ما اتقالتش لسنين. الندم والألم اللي ما اتقالوش، السكات اللي كان بيننا زي فجوة مستحيلة. دلوقتي، مع استعادة خيط التواصل الهش، كنت ممزقة بين إني عايزة أعرف ليه تواصلت وخايفة من اللي ممكن ده يعنيه لينا احنا الاتنين.
أخيرا قطعت السكات، وصوتها بيرتعش. '**ميا**، كنت عايزة أكلمك عشان... عشان أنا سبت **أبوكي**. مقدرش أعيش بالطريقة دي تاني.'
صدمة كلامها عملت صدى جوايا. عمري ما تخيلت **الأم** تتخذ خطوة حاسمة زي دي، تهرب من براثن رجل كان محتجزها لفترة طويلة. رد فعلي الأول كان مزيج من عدم التصديق والأمل بحذر. 'انتي سبتيه؟'
'أيوه,' ردت، وصوتها مليان بمزيج من الخوف والإصرار. 'مكانش سهل، بس كان لازم أعمل كده عشان خاطري، وعشان خاطرك.'
وهي بتتكلم، كنت أقدر أسمع رعشة صوتها، هشاشة حريتها الجديدة. قلبي راح ليها، لأنها واجهت التحدي المرعب بتاع الهروب من حياة قهر وقسوة.
لقيت نفسي بقول، 'أنا مبسوطة إنك لقيتي القوة إنك تمشي يا **أمي**. تستاهلي تعيشي حياة خالية من الخوف.'
الراحة في صوتها كانت ملموسة وهي بترد، 'شكرا يا **ميا**. كنت خايفة قوي من اللي ممكن **أبوكي** يعمله لو عرف، بس مقدرتش أفضل محبوسة أكتر من كده. عايزة أرجع أتواصل معاكي، أعيد بناء العلاقة اللي كانت بينا في يوم من الأيام.'
بالرغم من تعقيدات تاريخنا، حسيت بلمحة أمل إن يمكن، في الحرية الجديدة دي ورغبتها في الإصلاح، نقدر نبني صلة جديدة. 'أنا منفتحة إني أعيد بناء علاقتنا يا **أمي**. بس مش هيكون سهل. فيه حاجات كتير محتاجة تتحل ونتعافى منها.'
هزت رأسها على الطرف التاني، وصوتها مليان بالاستيعاب. 'أنا عارفة يا **ميا**. أنا مستعدة أواجه الماضي وأصلح أخطائي. ده طريق طويل، بس أنا مستعدة أمشيه. وكمان فيه حاجة عايزة أقولهالك.'
'إيه اللي عايزة تقوليهولي يا **أمي**؟' سألت، وصوتي ثابت بس قلبي بيدق بسرعة بمزيج من الترقب والخوف.
ردها كان شايل وزن تقيل علينا احنا الاتنين. 'مش هيكون سهل,' بدأت، وصوتها بيرتعش. 'بس **أبوكي** ورا كل ده.'
العبارة الغامضة دي خلتني محتارة، حواجبي معقودة بقلق. 'ورا إيه؟' ضغطت، وفضولي تغلب على حذري.
كان فيه سكات قصير، كأن الكلمات دي صعبة عليها إنها توضحها. 'حادثة عربية **سيباستيان**,' كشفتي أخيرا. 'مكانتش حادثة. هو لعب في الفرامل.'
عيني وسعت بصدمة، وعقلي بيجري عشان يعالج فداحة اللي لسه قايلته. الأوضة كأنها بتلف لما تداعيات كلامها استقرت. 'إزاي عرفتي ده يا **أمي**؟' سألت، وصوتي بيرتعش. 'أنتي متأكدة؟'
صوتها، منغمش بالندم، كان فيه درجة من اليقين. 'سمعته بيتكلم في التليفون مع حد,' اعترفت. 'هو في لوس أنجلوس دلوقتي.'
الكشف عن إن **أبويا** ممكن يكون ليه يد في الحادثة اللي حصلت لـ**سيباستيان** كان أبعد من التصديق. كان كشف مريع بعت قشعريرة في ضهري، قطع لغز مقلق بتبدأ تدخل مكانها شوية شوية.
صوت **أمي** اتلجلج وهي بتكمل، 'معنديش كل التفاصيل، **ميا**، بس مقدرتش أتحمل فكرة إني ما أقولكيش. هو خطر، وأنا خايفة على سلامتك أنتي كمان.'
في وسط صدمتي وقلقي، دوامة من المشاعر هددت إنها هتغمرني. **أبويا** طول عمره كان شخصية مسيطرة في حياتي، مصدر للخوف والتحكم. فكرة إنه ممكن يكون قادر على فعل شيئ شرير زي ده كانت مذهلة.
عقلي جري بالأسئلة. 'يا **أمي**، تعرفي ليه عمل كده؟ إيه دافعه؟'
ردها جه بتنهيدة تقيلة، إحساس بالندم بيخترق كلماتها. 'مش متأكدة من دوافعه يا **ميا**. بس أنا عارفة إنه كان متورط في صفقات خطيرة لفترة. الناس اللي بيصاحبهم... مش من النوع اللي الواحد يحب يعاكسه.'
وأنا بهضم الكشف ده، إحساس بالإلحاح طلع جوايا. 'عملتي الصح إنك قولتيلي يا **أمي**. بس محتاجين نتصرف. **سيباستيان** في المستشفى في لوس أنجلوس، وأنا لازم أكون معاه.'
صوت **أمي** اترعش وهي بتتكلم. '**ميا**، من فضلك خلي بالك. **أبوكي** مش حد نستخف بيه. مش هيسمحلك تمشي بسهولة.'
هزيت راسي، وعزمي ثابت. 'أنا فاهمة يا **أمي**. هاخد كل الاحتياطات عشان أحمي نفسي والناس اللي بحبهم. بس دلوقتي، لازم أكون مع **سيباستيان**.'
وزن كلامنا كان تقيل في الجو وأنا بتحضر إني أمشي من المستشفى. المعرفة الجديدة إن **أبويا** ممكن يكون لعب دور شرير في حادثة **سيباستيان** ضافت طبقة من التعقيد للتحديات اللي بنواجهها.
صوت **أمي** كان مليان بمزيج من الحزن والأمل وهي بتقول كلماتها الأخيرة. 'أتمنى في يوم من الأيام تقدري تسامحيني على السنين اللي سمحت بده يحصل. وأتمنى تلاقي الإجابات اللي بتدوري عليها.'
بقلب حزين، ودعت **أمي** وفصلت المكالمة.