80
نيويورك، ميا
اليوم المليان في الشغل كان عبارة عن دوامة اجتماعات ومواعيد مع زبايني، مكتبي كان دايماً فيه ناس بيدوروا على خبرتي. كان عندي زبونة في اللحظة الأخيرة، ست طارت من إيطاليا عشان تشوفني، بالرغم من إن ما عندهاش ميعاد. ما قدرتش أرفض، عارفة المجهود اللي بذلته عشان تيجي.
بصبر و اجتهاد، قدرت أخدها في الاعتبار، و عالجت مخاوفها و قدمت التوجيه اللي محتاجاه. و هي بتغادر مكتبي، على وشها ابتسامة امتنان، رجعت ضهري على الكرسي، و حسيت بإنجاز، حتى لو كان معاه إرهاق.
اليوم أخد مجهوده مني، و كنت محتاجة لحظة راحة. تدفق الزباين خلاني مشغولة، و بالرغم من إني ممتنة لثقتهم في خبرتي، حجم الشغل خلاني تعبانة.
و أنا بمد إيدي عشان شنطتي، كان قصدي أجيب موبايلي. كنت حاطاه على الوضع الصامت عشان أضمن إن تركيزي ما يتقطعش على الزباين بتوعي. بس دلوقتي، كنت متشوقة أشوف رسايلي و أشوف إيه اللي حصل طول اليوم.
قلبي اتهز لما بصيت على شاشة موبايلي. شاشة القفل عرضت سلسلة مكالمات فائتة من سيباستيان، مع رسالة منه. اسم بيلا كمان كان بارز في الإشعارات. حجم المكالمات و الرسايل بعت موجة قلق جوايا. ليه حاولوا يوصلوا لي كده بسرعة؟
الرسايل و المكالمات الفائتة لمحوا على إحساس بالإلحاح، و ما قدرتش أمنع إحساس بالقلق بيزيد جوايا.
فتحت موبايلي و بسرعة دخلت على رسالة سيباستيان. الرسالة كانت مختصرة، بس الكلمات حملت إحساس بالإلحاح: 'ميا، كلميني في أسرع وقت ممكن. ده مهم.'
قلبي بدأ يدق بسرعة، بداية القلق المفاجئة خلتني أتصل على رقم سيباستيان فوراً. و أنا بستنى إنه يجاوب، ما قدرتش أتخلص من الإحساس إن في حاجة غلط، إن أزمة غير متوقعة ظهرت في غيابي.
قلبي كان بيدق و أنا لسه بتصل برقم سيباستيان، كل رنة بتزيد قلقاً عن اللي قبلها. الإلحاح في صوته من مكالمتنا اللي فاتت لسه بيتردد في دماغي. كان لازم أوصله، كان لازم أفهم طبيعة الأزمة اللي خليته يتصل.
بس المكالمات ما اتردش عليها. صندوق بريد سيباستيان الصوتي اشتغل، و محاولاتي إني أسيب رسالة حسيتها مش كافية. إحساس بعدم الارتياح زاد، و كان بيأكل فيا من جوة. ما قدرتش أتخلص من الإحساس إن في حاجة غلط بشكل فظيع.
يائسة إني أعرف أي معلومة، قررت أتصل بـ بيلا، و على أمل إنها ممكن تكون عندها فكرة عن مكان سيباستيان. لما ردت، ما ضيعتش لحظة. 'بيلا، بحاول أوصل لسيباستيان، بس هو مش بيرد. تعرفي هو فين؟'
صوت بيلا وصل على الخط، و حامل نوتة قلق. 'ميا، هو كلمني من كام دقيقة، بس أعتقد إنه ممكن يكون في اجتماع دلوقتي. لازم تحاولي تتصلي بيه بعدين.'
قدرت محاولة بيلا عشان تهدي خوفي، بس إحساس الإلحاح اللي مسكني رفض يهدأ. سيباستيان كان وصل أهمية تواصلنا قبل كده، و عدم استجابته دلوقتي كان مقلق.
بقلب حزين، أنهيت المكالمة مع بيلا، و قررت أروح أزور مكتب مساعدة ميا. كان عندي شك بيزيد إن سيباستيان ممكن يكون حاول يوصل من خلالها، و إن ممكن تكون في رسالة مستنياني.
و أنا داخلة مكتب مساعدة ميا، بصت من شغلها، و عينيها بتعكس إحساسي بعدم الارتياح. 'سمعتي حاجة عن سيباستيان؟' سألت، صوتي كان متوتر.
هزت راسها، و تعبيرها كان قلقان. 'لأ. هو ما كلمش و لا ساب رسالة.'
الرعب استقر زي حجر تقيل على صدري. إحساس الغرق في بطني زاد و بقى أوضح. سيباستيان قال إنه عنده حاجة مهمة يقولها، و حقيقة إنه ما تواصلش بأي طريقة كانت مزعجة جداً.
خرجت من مكتب مساعدة ميا، و أفكاري بتتسابق. تقُّل القلق على سيباستيان كان بيأكل فيا، و قلقي فضل يزيد. كنت محتاجة أعرف إيه اللي حصل، عشان أتأكد إنه كويس، و عشان أفهم الإلحاح اللي خلى مكالمته قبل كده.
و أنا بمشي خطواتي مرة تانية لمكتبي، دماغي كانت مليانة أسئلة. سيباستيان ممكن يكون فين؟ إيه اللي ممكن يكون ملح لدرجة إنه ما يقدرش يرد على التليفون؟ الدقايق كانت بتحس إنها ساعات، و كل لحظة بتعدي بتعمق إحساسي بعدم الارتياح.
قررت أحاول أتصل بسيباستيان مرة كمان، و بصلي إنه يرد. التليفون رن، و أنا حبست نفسي، و خليته يجاوب. بس راح على البريد الصوتي مرة تانية.
إحساس العجز كان ساحق. كنت عارفة إني ما أقدرش أقعد ساكتة، إني لازم أتحرك عشان ألاقي سيباستيان و أفهم طبيعة الأزمة اللي حصلت.
وصلت لـ بيلا تاني، و صوتي كان تقيل بالقلق. 'بيلا، لسه مش عارفة أوصل لسيباستيان، و ما سابش رسالة لمساعدة ميا كمان. محتاجة ألاقيه. ممكن تحاولي تتصلي بيه أو تبعتيله رسالة؟'
صوت بيلا على الطرف التاني كان حامل نوتة قلق مشابهة. 'ميا، هحاول أتصل بيه. هقولك لو وصلتله.'
و أنا بأنهي المكالمة مع بيلا، فضلت أمشي في مكتبي، كل لحظة استنّي فيها زي الأبدية. الدقايق عدت، و ما كانش في كلام من بيلا. قلقي على سيباستيان و الأسئلة اللي ما اتجاوبتش اللي حوالين مكالمته اللي فاتت بقوا وزن تقيل ما قدرتش أتخلص منه.
قلبي كان لسه بيدق بسرعة من محاولاتي اللي ما جابتش نتيجة إني أوصل لسيباستيان، و قلقي وصل لدرجة حرارة عالية لما موبايلي رن. أنا حرفياً جريت عليه، على أمل إنه يكون هو على الطرف التاني، إنه يشرح سبب غيابه و يخفف خوفي اللي بيزيد.
بس لما بصيت على رقم المتصل، قلبي نزل لتحت. ما كانش سيباستيان بيتصل؛ كان باتريك. حواجبي اتكرمشت من اللخبطة. ليه باتريك بيتصل بي في لحظة زي دي؟ كلنا كنا قلقانين على غياب سيباستيان اللي ما اتفسرش، و آخر حاجة كنت متوقعاها إن باتريك يكون على الخط.
بتردد، رديت على المكالمة، إحساس بالشؤم بيستقر عليا. 'باتريك، إيه اللي بيحصل؟' سألت، صوتي بيرتعش من الخوف.
كان فيه وقفة قصيرة على الطرف التاني، صمت امتد زي الأبدية. قلبي كان بيدق في صدري، و قلقي فضل يزيد. أخيراً، باتريك اتكلم، و صوته كان حامل جاذبية ما سمعتهاش قبل كده.
'ميا، استعدي' باتريك قال، كلماته بعت صدمات في جسمي. 'هيجي عشان ياخدك. سيباستيان عمل حادثة عربية.'
الكلمات ضربتني زي شاكوش، لفة قدر قاسية كسرت العالم اللي حواليا. أفكاري بتلف في دوامة فوضوية، و الأوضة شكلها بيدور.
يا دوب قدرت ألاقي صوتي و أنا بتلعثم، 'إيه؟ هو… هو كويس، باتريك؟'
صوت باتريك كان مليان بالقلق، كلماته موزونة بس فيها تقُّل الموقف. 'ميا، احنا لسه ما نعرفش مدى إصاباته. هاجي في أسرع وقت ممكن. استعدي بس، تمام؟'