42
لوس أنجلوس، سيباستيان
وأنا خارج من المكتب، لسة حمل مسؤولية اجتماعات اليوم عالق في دماغي، ما قدرت إلا أني أحس بإحساس بالإحباط. كنت في طريقي لبيت أهلي عشان عشاء عائلي، وبالرغم من إن فكرة إني أقضي وقت مع أحبائي كانت حلوة بشكل عام، ما قدرت أزيل إحساس إن في حاجة أكتر من اللي شايفينه في التجمع ده.
عدلت ربطة عنقي مع تنهيدة، ودخلت العربية المستنية اللي هتوصلني لبيت طفولتي. السواق، خبرة وكتوم، ساب الشوارع المألوفة بسهولة. أفق لوس أنجلوس عدى من برا الشباك، بس أفكاري كانت في حتة تانية. اشتقت لـ ميا، أكتر مع كل يوم بيعدي، وكنت عايزها تكون جنبي.
حته مني كانت بتتمنى إنها تفكر إنها تيجي تعيش في إل إيه، بس كنت عارف إن قرار زي ده هيكون معقد وهيجي معاه شوية تحديات. ميا عندها حياتها الخاصة، وشغلها، وعالم هي متأصلة فيه. ماقدرش أطلب منها إنها تعمل تضحية زي دي عشاني، وبحترم استقلالها وطموحاتها. بالرغم من كده، فكرة مستقبل مع بعض كانت بتدور في دماغي، وكنت عارف إن في يوم من الأيام هنحتاج نعمل محادثة جادة عن المكان اللي المفروض ولادنا يكبروا فيه.
العربية وقفت لما دخلنا جراج بيت أهلي. كنت شايف علامات التجمع من عدد العربيات اللي واقفة على الرصيف. باتريك ومراته، صوفيا، كانوا في البلد، وكنت عارف إن العشاء العائلي في المناسبات دي غالبا بيكون غطاء للمناقشات والقعدة مع بعض.
نزلت من العربية، وعدلت لبسي مرة أخيرة، واتجهت للباب الأمامي. خبطت، وما اخدش وقت كتير عشان الباب يتفتح، وكشف عن المحيط المألوف والمريح لبيت طفولتي.
أخويا، باتريك، كان واقف على الجانب التاني من الباب، و وشه بيترسم عليه ابتسامة دافية وهو بيرحب بيا. 'سيباستيان، كويس إني شايفك,' قال، وحضني في حضن سريع بس من القلب.
'باتي,' رديت بضحك. عارف إن هو بيكره اللقب ده. 'لقيت أي حاجة؟' همست له. 'احنا قريبين.' قال. 'بس لسة لأ.'
لما أمي قربت، ابتسامتها الدافية بتنور وشها، مدت دراعاتها عشان تضم باتريك وأنا في حضن حب. 'أولادي الحلوين,' صرخت، وصوتها مليان بحنان الأمومة. ردينا الحضن، بنعتز بالألفة والراحة لوجودها.
'تعالوا، نروح المطبخ,' اقترحت، وبتوجهنا لقلب البيت اللي حصل فيه اجتماعات عائلية كتير. تبعناها برغبة، منجذبين بالترقب لعشاء عائلي تاني.
بمجرد دخول المطبخ، لاحظت شابة قاعدة جنب أمي، وجودها مش مألوف ليا. شكلها أصغر مني بكام سنة، وماقدرتش إلا إني أتمنى أعرف عن علاقتها بعيلتنا. فكرة وجود ضيوف في عشاء العيلة مش حاجة غريبة، بس كان في إحساس بالتشويق حوالين وجودها.
أمي، بحرارة وكرم ضيافتها المميزة، عزمتنا نقعد على التربيزة. 'نتعشى، وبعدين نتكلم,' اقترحت، وعنيها بتلمع بسر مابين السطور. أبويا، تعبير وشه هادي ومركب، هز راسه في موافقة. كان واضح إن العشاء ده مش هيكون من غير مناقشات وكشوف.
تربيزة العشاء كانت مزينة بمجموعة متنوعة من الأطباق، دليل على مهارات أمي في الطبخ. كان في تشكيلة لذيذة من البقلاوة، بطاطس مهروسة كريمي، شرائح لحمة طرية، قطع دجاج طرية، وتشكيلة من البروكلي السوتيه والهليون. مجموعة النكهات والقوام كانت بتوعد بوليمة لذيذة.
قبل ما نبدأ الأكل، أمي قادتنا في صلاة قصيرة، لحظة تأمل وامتنان. الجو كان مليان بجو من الألفة والدفء، دليل على التقاليد العزيزة اللي اتنقلت عبر الأجيال.
وبينما اندمجنا في الأطباق اللذيذة، المحادثة سارت بشكل طبيعي. أبويا اتجه لـ باتريك، بيسأل عن شغله. 'إزاي الشغل؟' سأل، ونبرة صوته بتعبر عن اهتمام حقيقي.
باتريك اخد لحظة عشان يمضغ أكله، ويستمتع بالنكهات، قبل ما يرد. 'خانق,' اعترف، وتلميح إرهاق في صوته. 'بس أنا بحب قسم نيويورك أكتر من قسم إل إيه.'
أمي انضمت للمحادثة. 'ده كويس إنك سمعت كده,' علقت، وصوتها مليان بالفخر الأمومي. وبعدين وجهت انتباهها ليا، ونظرتها مليانة بالدفء والقلق. 'إزاي ميا؟ هي كويسة في الحمل وكل ده؟'
ماقدرتش إلا إني أبتسم وأنا بفكر في ميا. قوتها وصمودها عمرهم ما بطّلوا يدهشوني. 'هي زي الفل,' رديت، وإحساس بالفخر والإعجاب واضح في صوتي. 'ميا بتتعامل مع كل حاجة بشياكة، وإحنا الاتنين متطلعين للمستقبل.'
كلمات أمي علقت في الهوا، وبتلقي بظلال تقيلة على الجو المرح لتربيزة العشاء. المحادثة اللي كانت نشيطة قبل كده اتحولت لصمت محرج لما كلامها بعت صدمات خلال الأوضة.
'مستقبل؟' كررت، وعنيها مثبتة عليا بتعبير غريب. 'قال مستقبل.'
اتصدمت بتغيرها المفاجئ في نبرة الصوت والتركيز. 'أيوة، مستقبل,' رديت، وارتباكي بيزيد. بدلت النظرات مع أبويا، بحاول أفهم الموقف.
أمي ماقدرتش تمسك نفسها عن الضحك، وضحكتها انتشرت خلال الأوضة. 'إيه المضحك؟' سألت، ومستغرب من تحول الأحداث غير المتوقع.
ضحكتها استمرت، بس كان في نغمة مش مريحة ليها. 'مفيش مستقبل بينك وبين ميا,' وضحت، وصوتها ممزوج بيقين مش عادي.
الأوضة كانت مليانة بتوتر واضح لما كلماتها علقت في الهوا. صوفيا وباتريك، متلخبطين بنفس القدر، بدلوا النظرات مع بعضهم ومعايا. إعلان أمي شقلبنا كلنا.
'ميا مراتو، يا ماما، بتتكلمي عن إيه؟' باتريك سأل، بيحاول يفهم كلامها.
أمي هزت راسها، ونظرتها ما اهتزتش. 'هي مراتك دلوقتي,' أصرت. 'بعد ما تجيب البيبي ده، هتطلقها، وتاخد البيبي، عشان أنت وأماندا تربوه مع بعض.' أشارت للبنت اللي قاعدة جنبها.
ماقدرتش أصدق اللي بسمعه. كلام أمي مش بس صدمة، بس مؤلم بعمق. كأنه بتقترح مخطط بلا قلب، حاجة بتتعارض مع كل حاجة أنا مؤمن بيها.
'يا ماما، عقلِك فين؟' اعترضت، وصوتي مليان بالغضب. 'ميا هي أم البيبي ومراتي. ليه هربي ابني مع واحدة غريبة؟'
أمي فضلت ثابتة، وإيمانها متهزش. 'أماندا مش غريبة,' جادلت، وبتشير للبنت اللي كانت بتلعب بعصبية في منديلها. 'هي بنت القس، وهتربي البيبي زي ست مسيحية كويسة. البنت دي، ميا، مش كويسة ليك.'
اتصدمت. وقاحة كلام أمي خلتني مش عارف أتكلم. العشاء ده أخد منعطف مظلم، وماقدرتش أتخيل تبعات اللي هي بتقترحه.
'أنتوا اللي جوزتونا,' همست، وإحباطي بيزيد. 'ودلوقتي عايزاني أطلقها؟!'
رد أمي بس عمق غضبي وعدم تصديقي. 'انتوا الاتنين اتجوزتوا عشان حامل. بس بمجرد ما البيبي ده يتولد، ممكن تسيبها وتاخد البيبي معاك. أنا راهن إنها حتي مش عايزاه.'
الأوضة شكلها بتضيق عليا وأنا كلامها بيترسخ، وقلبي بيوجعني من وقاحة الموقف. مفيش حد بيتكلم عن ميا بالطريقة دي، بالذات عن طفلنا اللي لسة ما اتولدش.
ماقدرتش أقعد على التربيزة أكتر من كده. الظلم في كلام أمي كان لا يطاق، وحسيت بغضبي بيزيد. من غير كلمة، زقيت الكرسي لورا وقمت، برمي المنديل على طبقي.
'أنا خلصت هنا,' أعلنت، وصوتي حاد بالغضب وأنا بطلع من البيت بعصبية.