الفصل 96
سهول سيرينجيتي كانت في عز موسم الأمطار. الحياة كانت مزدهرة، و ريحة الربيع كانت مالية الجو. الحيوانات خاطروا بالرحلة الصعبة عبر نهر مارا، و أخيرًا رجعوا للأراضي العشبية الخصبة المليانة بالمية و الخضار.
في مكتب حكومي محلي، إمرأة لابسة تنورة طويلة تقليدية و حجاب ملون كانت بتتشاجر مع الكاتب اللي ورا الكونتر.
يني لوكسلي كانت على وشك تنهار، صوتها بيعلى من الإحباط. "اتسرقت! محفظتي، جواز سفري، تلفوني—و الباص بتاعكوا المعفن! كان المفروض يمشي الساعة اتنين، ودلوقتي الساعة تلاتة و عشرين دقيقة!" و هي بتشاور بإصباعها على ساعتها، و بتأكد على غضبها.
الكاتب في النهاية شكله فهم، و كشر و هو بيشاور بإيده. "يا آنسة، هنا، الوقت عنده إيد واحدة بس—الشمس. إهدوا. متخليش ساعتك تتحكم فيكي."
"إيه؟!" ويني لوكسلي كانت مصدومة. "يعني بتقولوا الوقت مش مهم؟"
في اللحظة دي، رجل لابس بدلة نزل من السلم بهدوء، معاه عضو في الفريق، و بيتكلم بنبرة هادية.
"البناء في موسم الأمطار صعب فعلاً. هناخد في الاعتبار المهرجانات المحلية وجدول رحلات السفاري..."
عضو الفريق بص على السيد مارلو و ابتسم. "السيد مارلو، مش عامل كويس. لازم ترجع لاس فيغاس و تاخد شوية راحة."
السيد مارلو هز راسه، و هو بيغطي بوقه و بيكح بهدوء، بعدين مسك قناع و لبسه بهدوء.
"تليفون! أنا عايزة تليفون!" ويني لوكسلي، في أقصى إحتمال ليها، صرخت بيأس، و صوتها بيرتعش. "أرجوكوا، أرجوكوا!"
كانت على وشك تستسلم، و إيديها متشابكين في صلاة بقلق، و بتحاول تعرف ازاي تتصل بالسفارة.
فجأة، السيد مارلو وقف في نص خطوته. رفع راسه و بص في المسافة، و عينيه راحت على المرأة.
لبسها كان مغطي جسمها كله، التنورة الطويلة التقليدية و الحجاب مخبيين ملامحها بس مش قادرين يخفوا أناقة و سحر منحنياتها.
الإحساس المألوف ده خلى قلب السيد مارلو يدق بسرعة مش طبيعية. كشر شوية، و لمحة شك ظهرت في عقله. هل هو تعبان لدرجة إن شايف هلوسات؟ و هو بيخفي مشاعر الإثارة اللي جواه، نظره فضل ثابت على المرأة.
الكاتب اللي ورا الكونتر، دلوقتي باين عليه عدم الصبر، قال، "يا آنسة، إهدوا. ده مش مكتب المفقودات و الموجودات، و لا شركة الباصات."
ويني لوكسلي حست بموجة إحباط، و طلعت تنهيدة تقيلة و هي بتتكى على الكونتر، و بتجبر نفسها تهدى. أفكارها كانت لخبطة. كانت عايزة تهرب من المكان الغريب ده، بس جزء منها مقدرش يبطل يفكر في السيد مارلو. سؤال واحد فضل في عقلها، سؤال كانت يائسة إنها تسأله: لما رقصت مع ميا، هل لقيت نفسك بتبصلها بردو، و مش قادر تبص في حتة تانية؟
كانت عارفة إنه هيكون صعب إنها تمسك نفسها المرة دي. كانت محتاجة تسأله وش لوش، تسمع إنكاره بإدانها، تحس بالإخلاص في طمأنته.
الناس اللي حوالين السيد مارلو ترددوا، مش متأكدين ليه وقف فجأة في مكانه.
"السيد مارلو..." واحد من المرؤوسين بتوعه نده بهدوء.
السيد مارلو سمعه بس مرداش على طول، و عينيه لسة متثبتة على المرأة. و هو مش مركز، همهم، "نعم." في اللحظة اللي بعدها، المرأة اللي على الكونتر رفعت وشها، و تعبيرها كان متردد بس مليان عدم تصديق و هي بتبص في إتجاهه. كان عندها عيون بتلمع زي النجوم.
محدش قدر يفسر إزاي، في لحظة مشتركة بين إمرأة محجبة و رجل وشه متغطي جزئياً، عرفوا بعض بسهولة كده. من غير تردد، المرأة جريت في حضنه، حركاتها سريعة و مش مقيدة، زي ما تكون بتفرغ كل ذرة مشاعر و مظلومية ملهاش حدود كانت محتفظة بيها جواها.
المشهد ده خلى كل اللي حواليهم مصدومين.
"السيد مارلو!" الرجل الأسود اللي جنب السيد مارلو نادى بسرعة، و هو بيتحرك ناحية المرأة عشان يوقف حركتها المفاجئة. محدش فهم فعلاً كام خطر، كبير و صغير، السيد مارلو قابله برة.
بس في اللحظة اللي عينين السيد مارلو وسعت شوية، و حدقاته بترتعش قبل ما يرجع توازنه بسرعة، خفض نظره بهدوء. إيده إرتكزت بحنان على ظهر المرأة. حركاته كانت بطيئة و بحذر، زي ما يكون مش بيمسك إنسان حقيقي بس حلم هش، خفيف. أي قوة بسيطة ممكن تكسر الإحساس ده الحالم، الخفيف.
"السيد مارلو..." الصوت اللي تحت الحجاب كان مكتوم، و بيرتعش بدموع مكبوتة. "هل أنت فعلاً؟"
السيد مارلو مرداش. بدلاً من كده، قربها أكتر، و هو حاضنها بشدة في دراعاته.
"بتسألي دلوقتي؟ مش شايفه إنه متأخر شوية؟" صوته كان واطي و خشن، مليان إرهاق. صوابعه لمست القناع، و هو بيشيله بهدوء. "عندك جراءة، يا ويني."
ويني لوكسلي نزلت راسها و الدموع نزلت مش بتتحكم فيها على وشها. الحجاب وقع من ودنها، و كشف بشرتها الشاحبة.
فريق العمل اللي حواليهم كانوا مصدومين تماماً.
ويني لوكسلي، على أي حال، مفرقش معاها. وشها كان خليط من الدموع و الضحكات، و شفايفها المرتعشة بتحاول تمسك الضحك في الوقت اللي عينها المليانة دموع بتخونها و بتعبر عن مشاعرها اللي طاغية. التناقض كان خام و جميل.
نظرة السيد مارلو كانت مكثفة، و فضلت عليها لثواني قبل ما ينزل، و شفايفه إتقابلت مع شفايفها في بوسة رقيقة بس حاسمة.
اللحظة إتكسرت بصوت كحة خشنة من بعيد. أعضاء الفريق و المسؤولين المحليين بدلوا نظرات محرجة، و المشهد غرق في صمت مش مريح. المسؤولين، و هما مش مهتمين، كشروا و دوروا عشان يفتحوا باب غرفة الملفات اللي قريبة.