الفصل 15
"يعني، أنتِ بتقولي إن أمكِ فلبينية كمان؟" سألني بعد ما تبادلنا شوية معلومات أساسية عن نفسنا.
"أيوة، هي كدة،" رديت.
"واو! إحنا لينا حاجات مشتركة. أنا كمان بحب القهوة، ودلوقتي لينا نفس العدو اللي اسمه—" سكت.
مكنتش متخيلة إنه ممكن يتكلم بعقلانية خالص. شكله كان وقح لما شوفته في مكتب فيليسيتي في نفس اليوم، وحسيت إنه ممكن يرفس أي حد يحاول يسد طريقه. تنهد، وبعد ما سند ضهره على الكرسي، بص في وشي مباشرة بإعجاب في عينيه.
"أنتِ عارفة إيه، لسه مش مصدق إني هقابلك هنا في الفلبين، إليانا." قال الكلام ده كذا مرة خلاص الليلة دي.
"طيب، وأنا كمان. مع الدنيا الواسعة دي، مين كان يصدق إن اللي بينافس جوزي السابق على طول هو اللي هواعده الليلة؟" سكت شوية وابتسمت ابتسامة خفيفة قبل ما أكمل، "حاجة تانية ما توقعتهاش إنك شخص سوي حتى لو وجعت راس فيليسيتي الصبح. أنت ما تعرفش قد إيه ضايقته."
فجأة ضحك. شوية زباين لفوا راسهم عشان صوته كان عالي زيادة عن اللزوم، بس الطريقة اللي ضحك بيها كانت مثيرة. ممكن يكون ده السبب اللي خلاهم يبصوا.
"مش متأكدة إذا دي مجاملة ولا إيه." كلامه بعد "طيب، هي أكتر مجاملة وشوية—سخرية؟" رديت وأنا ببتسم له بخبث.
"بحب إزاي بتجاوبي،" رد بفرح.
الابتسامة اللي على شفايفي اختفت. تذكرت إيه اللي جيت عشانه هنا خلاني أوقف شوية لثواني. مكنش في خطتي إن الراجل اللي قدامي يبدو إنه مستمتع بصحبتي أوي كدة. في الملفات، كنت قرأت عنه. كان مع ستات كتير، وله علاقات كتير، بس في الدقايق القليلة اللي اتكلمنا فيها، ما شوفتوش ولا مرة بيبصلي بشهوة أو بحاجة ممكن تضايقني. بالرغم من إن في أوقات حاول يضيف شوية وقاحة، زي كدة...
"كويس. تعرفي تركبي، ها؟" نطقت. بحاول أمدحه شوية.
"أنا أعرف أركب،" رد وهو بيغمز. كنت عارفة إن ليها معنى مزدوج بالنسبة له. أنا عارفة إزاي بتشتغل عقول الرجالة.
"هسجل دي،" قلت. مش في قائمة الحاجات اللي بتعجبني فيه. الليل لسه طويل. كملنا كلامنا.
مع مرور الوقت، بقى الموضوع محرج. فيه حاجات خارج الموضوع، بس ما كنتش عايزة أبين إني مليت خلاص. قررنا نسيب المطعم بعد ساعتين تقريبًا. أخدني نتمشى في حديقة عامة مش بعيد عن المطعم. شوية ناس كانوا قاعدين، وشوية كانوا هيمشوا لما جينا.
"بالمناسبة، ليه كنت متضايق الصبح؟" بدأت أفتح موضوع تاني. غير كدة، كنت عايزة أعرف إيه ورا ده. لقينا بنش خرساني فاضي، وقبل ما يخليني أقعد، طلع منديل من جيبه عشان يمسح البنش. بصراحة ما توقعتش كدة.
"شكرًا!" ده كان لطيف منه أوي. قعد جنبي. ما مسحش المكان اللي قعد فيه خالص. رجع المنديل في جيبه بعد ما طبقه على الناحية التانية عشان يخفي التراب والرطوبة من الضباب.
استنيت إجابته، بس عشان مفيش لسه، بصيت حواليا بس. شوفت أطفال في ملعب صغير بيضحكوا وهما بيتزحلقوا. الأهل كانوا بيلحقوهم عشان يتأكدوا إنهم بأمان وهما بيلعبوا. ضحكتهم كانت زي المزيكا في الودان. لبسنا ما كانش مناسب للمكان.
"اتخانقت مع أبويا الليلة اللي فاتت." أخيرًا، بدأ يتكلم. لفيت راسي عشان أبص له، بس كان بيبص في مكان تاني.
"قال إنه زهق من إنه يفهمني، فالمفروض أتجوز قريب. وكمان قاللي إني بوتره أوي، وهيبقى مريح له لو اتجوزت عشان هيبطل يزن عليا. حد تاني هيقوم مكانه بدلًا مني،" شرح.
ضحكت. "آسفة..." اعتذرت إني عملت كدة. بس مقدرتش أساعد نفسي.
"أنا عارف إنه مضحك،" رد، وضحك معايا.
"أنت عنيد أوي، عشان كدة قال كدة."
"مش كدة! هو بس كبير أوي وتوقع مني أستقر وهو لسه موجود. أنتِ عارفة كبار السن، بيحلموا كمان إنهم يعتنوا بأحفادهم، ويدلعوهم. أبويا شخص حساس ومحب، بيحب الأطفال، بس بيخفي ده إنه بيكون صارم ويصوت حتى لما بيقلق!"
"ده لطيف."
"أيوة، بس هو حاطط عليا ضغط أوي في الأيام القليلة دي."
"فاهمة. أنا كمان وحيدة، وأهلي الاتنين كبار في السن دلوقتي. ليه بيبدو إن المشكلة هنا هي دايما الأحفاد لأهل جوزنا وأهلنا؟"
"أيوة...ل–لا! أنتِ كمان؟ لا، هو بس أحمق إنه بيوجعلك قلبك—"
"سيبنا من الموضوع ده. هو بس بيضايق." أوقفته في لحظة قبل ما الموضوع يرجع تاني لجوزي السابق.
"سمعت إنك لعيب، طب إزاي لحد دلوقتي أنت لسه سنجل؟" سألت، بس عشان أغير الموضوع.
"أنتِ خلاص ذكرتِ إني معروف كلاعب، وبسبب ده، البنات بس بيقربوا مني عشان نلعب."
حواجبي اتقابلت فجأة مع نوع الإجابة اللي أداني إياها. "ولا واحدة فيهم أخدتك بجدية؟" أكدت على كل كلمة عشان ده كان لا يصدق.
فكر شوية قبل ما يجاوب على سؤالي. على طول جت في دماغي فكرة إن ممكن عشان في ستات كتير ارتبطوا بيه، هو مش فاكر مين فيهم أو إذا كان فيه أي حد من البنات دول أداله علاقة حقيقية.
"كان فيه واحدة،" رد.
ما توقعتش ده خالص. كنت بفكر مفيش—صفر. "طب، إيه اللي حصل؟"
"بطلت أشوفها. ساعتها ما كنتش جاهز إني ألتزم. كنت صغير، وهي كانت أصغر. كنت ساذج، جعان للحرية، وبدور على حاجة متطرفة وممتعة." بالطريقة اللي كان بيبص بيها في مكان تاني، يبدو إنه بيفتكر أيام زمان.
"أنت عارف هي فين دلوقتي؟"
"لا، بعد ما انفصلنا، سمعت من حد مقرب ليها إنهم خلاص راحوا لمحافظة أمها، وده كان الشيء الوحيد اللي أداتهولي. مفيش معلومات تانية، مفيش عنوان، أو إيه السبب. افتكرت ممكن ده كان الأفضل عشان ما كنتش هقدر أقابلها كل يوم في الجامعة بعد اللي عملته." اتكلم أكتر عن البنت.
لدقايق قليلة، كانت هي موضوعنا. بشكل غير متوقع، لسه فاكر حاجات كتير عنها. قال إنه نسي اسمها بس مش وشها—لسه.
اتكلمنا كمان عن أحلامنا. أدركنا إننا عايزين حاجات مختلفة في الحياة. عشان أنا بس عايزة الهدوء وأسلوب حياة وبيئة أكتر استرخاء. كنت بخطط إني أشتري مزرعة في مكان ما وأقعد فيها في الوقت ده. أما بالنسبة له، اللي كان عايزه إنه يقعد في المدينة، في مكان مزعج، ولسه يستمتع بالحفلات مع شريكته المستقبلية.
مخي وقلبي بس عايزين سلام وشفاء، وبما إننا بنتكلم عن السلام، لسه محتاجة أقابل فيليكس وأعتذر عن قسوتي. يارب ما أنسى.
"بما إنكِ شخص خرج من جواز فاشل، إيه النصيحة اللي ممكن تديهالي، إليانا؟"
"أنت عارف، الحاجة الوحيدة اللي ممكن أديها كنصيحة هي، دايما خدي وقتك. إنك تعرفوا بعض بشكل كامل هي الخطوة الأولى. كل مشاعر ولغة جسد كل واحد فيكم بيظهرها. مش بس لبعض، بس كمان للعيلتين. حتى لو بتقول إن ده هيتجاهل عشان هتنتقلوا لبيت منفصل مع مراتك، العيلتين بتوعكوا هيدخلوا في كل قراراتكوا في الحياة…"
"بغض النظر عن سنك، فيه ناس تانيين موجودين بس عشان يساندوك، بس فيه تانيين عايزين يتلاعبوا بالكل. خلي كل يوم مميز. الستات بيقدروا الحاجات الصغيرة أكتر من الحاجات المادية والمكلفة. الوقت مع بعض أهم. ما تخليش شريكك يحس بالوحدة،" كملت.
"حاجة كمان، خليك صبور في الانتظار. أنا واثقة في قدرة فيليسيتي لما يتعلق الأمر بتوفيق الناس، فمتضغطش عليه. أنا بواعدك دلوقتي عشان هي مالقتش حد يناسبك لسه. افتكرت إني هعمل، حتى لو مش 100%، بس أنا مش عايزة الحاجات دي تاني. أنا بس بعمل معروف ليها،" أضفت.
ابتسم من ودنه لودنه. "متخافيش، مش هضايقه. مش تاني زي الصبح كدة. هحاول أكون صبور بما فيه الكفاية، بس—هتم 40 قريب، وأبويا بيستخدم ده كسبب عشان يضغط عليا كل ما يكون عندي خلايا في جسمي."
"بيقولوا إن الحياة بتبدأ عند سن الأربعين، مين يعرف، ممكن لما تتم 40 فجأة تظهر!"
"كلامك بيديلي كمية أمل كبيرة في حياتي الوحيدة دي. أنا مبسوط إني قابلتك. حتى لو دي ممكن تكون آخر مرة هنشوف فيها بعض، عايز آخد الفرصة دي وأسأل إذا ممكن نكون أصدقاء على الأقل."
ضحكت في السر. دي كانت خطتي الأولى. مش هظهر بعد الليلة دي، بس مع المحادثة الكويسة اللي كانت بينا، ما شوفتش أي مشاكل في إني أفضل أصدقاء معاه. تبادلنا الأرقام. كنت خلاص كلمت السواق يجي ياخدني، وخلال ما كنا بنستنى، أخدنا مشي تاني، ولما سواقي وصل، طلبت منه طلب.
"أكيد! عايز أشوف شكل وشه كمان لما أقوله إني قابلتك وواعدتك،" قال.
"شكرًا!" ابتسمت بحلاوة قبل ما ألتفت، وقبل ما أدخل العربية، بصيت له مرة تانية عشان ألوح بالسلام.
في طريقنا للبيت، على طول طلعت موبايلي. محتاجة أحدث حد عن الموعد عن طريق الرسايل. استنيت رد، بس لما وصلنا للقصر، لسه ما جاليش.
حتى حاولت أتصل برقم فيليسيتي عشان كنت قلقانة شوية عليه، بس الرقم كان خارج نطاق التغطية.
"هل فيه حاجة حصلت؟" سألت وأنا ببص على شاشة الموبايل وبسمع صوت الصفارة العالية منه.
كتبت رسالة تانية، بس بقول له يكلمني في أقرب وقت ممكن عشان عندي حاجات كتير أقولها له. حاولت أهدّي نفسي إني بهمس مرارًا وتكرارًا إن ممكن موبايله بس مقفول، ممكن عشان مفيش شبكة من المكان اللي هو فيه في الوقت ده. بتمنى يكون بخير وميحصلش حاجة وحشة ليه.