الفصل 28
كوينتن بعتلي عنوان المطعم الإيطالي اللي على بعد كم كتل من شركة جينيروسو العقارية. كان قاعد على أحد الطاولات لما جيت، و كان يلوح بإيده، وده خلاني أشوفه بسهولة.
كان عنده اجتماع بعد الغدا، عشان كدا اختار المكان ده. كانت سواقة لمدة خمسة وأربعين دقيقة، بس مش مشكلة. أنا سقت لنفسي قبل استراحة الغدا بتاعته بساعة، وما كنتش متوقعة أشوفه مستنيني بصبر بدري كدا.
هو مش شخص سيء إنك تصاحبه، مش كدا؟ اللي حصل بس في أول مرة شوفته فيها، و ما كانش حلو.
وقف من مكانه و مد إيده عشان يجيبلي كرسي. واحد زيه يعرف الحركات اللي بتعجب الستات كويس أوي، بس ده مش هينفع معايا.
"شكلك تحفة النهاردة،" كوينتن مدحني لما قعدت و لما رجع لمكانه اللي كان قاعد فيه قبل كدا.
"أومال إمتى ما كنتش كدا؟" سألته بهزار، و ضحك قبل ما يوافق.
اخترت فستان صيفي عليه ورد عباد شمس صغير. في اليوم ده، كنت ببساطة شكلي عادي و بسيط. حتى المكياج بتاعي كان خفيف. شعري كان مرفوع كحكة، و كنت لابسة حلقان ألماس صغيرة و كعب ويدج بلون الجلد. باختصار، عملت مجهود بسيط بس لأن ده كان كوينتن، و ما طلبتش الغدا عشان أعجب أو أواعده. بس، كنت محتاجة مساعدته.
"طيب، فين كنتي؟ اختفيتي، و ما كنتش حتى بتتصلي عليا،" سألني، و هو بيرجع لمقعده اللي قصادي.
"ولا حاجة، بس كنت مشغولة، و الإشارة كانت ضعيفة في المكان اللي رحت فيه؛ عامل إيه؟ بقالنا كتير ما اتقابلناش،" رديت، و أنا بكمل الكلام.
"لسه وسيم،" رد باختصار، و ده خلاني أبتسم.
"بس لسه سينجل،" أضفت، و ضحكنا سوا. "سحرك مش شغال تاني، شكله كدا،" أضفت بعد الضحكة الحلوة دي.
"طيب، بيشتغل، بس أعتقد إن البنت بتستخبى مني عن قصد،" رد بتعبير جاد.
"يمكن اكتشفتي إيه كنت بتعمله في حياتك، و دلوقتي بتستخبى منك، أو يمكن بتدور عليك."
"حلو لو بتدور عليا كمان، و أتمنى تكون لاحظت إني بتغير دلوقتي و تقرر تعرف نفسها."
"ث-ثانية! ث-إيه؟ إنت اتغيرت؟" صرخت، و أنا مصدومة من كلامه.
"طيب، أيوه! هل شكلي كأني بكذب؟"
"أنا بس غبت كام يوم؛ رجعلك عقلك؟"
"فكرت في نصيحتك، و أدركت إنك صح؛ عشان كدا مبقتش أخلي الضغط يوصلني، مش مهم لو هستنى لحد ما يبقى عمري خمسين سنة قبل ما أتزوج."
"يا للأسف. يمكن أبوك -" سكت. عارفة إنه هيعرف قصدي إيه، بس كلامه كان يبدو حقيقي.
كوينتن كان شكله مختلف عن عادته في اليوم ده. كنت شايفة إزاي كان سعيد في عينيه.
كنت فرحانة عشانه.
"بالمناسبة، إيه نوع المساعدة اللي محتاجاها؟" غير الموضوع فجأة.
كنت تقريبا نسيت ليه عزمته على الغدا.
"تيجي ناكل الأول،" اقترحت.
"فكرة كويسة!" وافق، و نادى على واحد من النوادل.
ادينا الأوردرات بتاعتنا، و لما النادل مشي، حول اهتمامه ليا و سأل، "طيب، إيه الموضوع؟"
السؤال ده ما كانش ينفع يتأجل أكتر من كدا.
قبل ما أجاوب، بصيت حواليا عشان أشوف لو حد بيتفرج علينا، و اتفاجئت، كان فيه واحد على طاولة قريبة. ما أعرفش الراجل، بس شكله أجنبي بناء على لون بشرته و ملامح وشه. لما عينينا اتقابلت، فجأة صرف نظره و كأنه مصدوم، وده فاجأني جدا.
"فيه حاجة غلط؟" سأل كوينتن لما لاحظ إني ببص على الراجل اللي على الطاولة التانية.
"ولا حاجة؛ فين كنا تاني؟" سألت، و أنا بحول نظري له. "أقصد، كنت بس بفكر منين أبدأ القصة، بس خلينا نوصل للمساعدة اللي محتاجاها: محتاجة أشوف دكتور ثقة،" شرحت في إجابتي على سؤاله.
"د-دكتور؟ فيه حاجة غلط فيكي؟ لو محتاجة دكتور، ممكن أوديكي المستشفى، مش هنا،" كوينتن كان متلخبط من إجابتي. حتى أنا كنت متلخبطة لأنه كان على وشك يقوم من مكانه، بس وقفته على طول.
"اهدى الأول؛ دي مش حالة طوارئ، فاقعد مكانك،" أمرت.
"تمام، بس ليه محتاجة دكتور؟ متخصصة في إيه؟ يمكن أعرف حد. مرات ابن عمي دكتورة معاها دكتوراه في علم النفس -"
"هي بالظبط اللي محتاجاها،" قاطعته.
بسبب كدا، عبس في وشي و فتح شفايفه كأنه عايز يقول حاجة بس مش عارف الكلمة الصح.
"أقدر أثق فيها بمعلوماتي الشخصية؟" تساءلت، و أنا مش عارفة ليه لازم أخلي الأمور خاصة.
"أعتقد إن مرات ابن عمي ممكن تعمل كدا ليكي؛ من اللي سمعته، معظم مرضاها بيحتفظوا بكل حاجة بسرية، و التفاصيل دي مش حاجة إنت تعرفيها،" رد، و هو بيهدي عقلي.
"شكرا، إحنا أصحاب،" قلت بابتسامة، بس هو عبس.
"مفيش صاحب بيختفي من غير أثر."
ما كنتش متوقعة إنه يقول حاجة زي كدا، بس كان عنده حق.
"طيب، آسفة إني مشيت من غير ما أعرفك." اعتذرت على طول لأنه كان شكله مكتئب. عبس، و أخد موبايله من جيبه، و بدأ يقلب فيه.
كان عنده كمان تصرفات طفولية. بس يمكن لو كنت قولتله فين رايحة في اليوم ده و إيه كنت هعمل هناك، أكيد ما كانش هيخليني أمشي.
"هبعتلك رقم و عنوان العيادة، و لو ما عنديش اجتماع بعد كدا، هروح معاكي هناك بعد ما ناكل."
"مش لازم تروح معايا؛ أقدر أروح لوحدي؛ ما تقلقش عليا،" قلت و أنا بستقبل الإشعار على موبايلي. أخدته عشان أشوف لو اللي بعته وصل، و كان موجود.
"شكرا يا كوينتن!" صرخت و أنا بحط موبايلي في الشنطة بتاعتي.
"على الرحب و السعة دايما؛ هكلم ليليا بس عشان أعرفها إنك جاية عشان تحددلك ميعاد النهاردة." رجع لموبايله و بدأ يكتب.
ثبت نظري عليه و هو بيعمل كدا. كان راجل لطيف، و جنتلمان، و صديق كويس.
"إنت عارف، كوينتن - بطل تبقى لطيف و كيوت أوي؛ يمكن بعدين أغرم بيك،" علقت بسخرية. شوفته بيبتسم لما سمعها.
"ده آخر حاجة ممكن أفكر أعملها؛ أنا لطيف بطبيعتي؛ اتولدت كدا،" رد بصوت عالي و فخر من غير ما يشيل نظره من الموبايل.
تقريبا خلاني أرجع اللي في معدتي.
"أوووف! بس لو كدا، خلي بالك من النمل!" ضحكت، و الراجل الساذج ضحك معايا.
بص عليا و هو بيحط موبايله في جيبه تاني.
"إنت فظيع. بنصحك تبطل تخليني أضحك كل ما نشوف بعض لأن هكون أنا اللي هغرم بيكي بعدين." كلامه خلاني أبطل أضحك.
"دي مش مضحكة تاني."
"إنت اللي بدأت، فما تلومنيش!"
"تمام، هاخدها كإطراء،" قلت، و ضحكنا سوا.
فجأة نسيت إحنا فين، و اتجمدت من الخجل لما لاحظت إن كل الناس بتبص علينا. وقفت و أشرت لـ كوينتن يبص حواليه، بس الراجل ده ما اهتمش بيهم خالص.
كلامنا استمر. كوينتن حدثني عن اللي كان بيعمله لما كنت غايبة و إزاي كان زهقان في الأيام دي.
الطلبات بتاعتنا وصلت، بس الأكل ما منعهوش من الكلام.
واحد فجأة اقترب مننا و إحنا بناكل.
"يا جماعة! ما توقعتش أشوفكوا هنا!" عرفت الصوت على طول. مفيش غير فيليسيتي الشاذ.
كوينتن و فيليسيتي تبادلوا التحية، و لما جه دور فيليسيتي يسلم عليا، حولت نظري. هو عارف قصدي إيه بعدم النظر في عينيه. على طول سابنا و راح للطاولة اللي فيها ست في الخمسينات.
بعد لحظة، ست تانية دخلت المطعم و أسرعت لطاولة فيليسيتي. سمعتها بتعتذر عن التأخير، و لاحظت كوينتن بيلف راسه و بيبص على الست لحد ما قعدت.
"تعرفهم؟" سألت.
"مش متأكد، بصراحة؛ شكلها آه و لا،" رد، و هو مثبت نظره عليهم.
"واضح إنك تعرفهم؛ إنت بس متلخبط،" قال بسرعة. حاجبيه فضلوا متجعدين.
"محتاج أتأكد مع فيليسيتي،" قال، و هو بيوطي راسه عشان يبص على المكرونة اللي في الطبق.
"يا لهوي! أعتقد إن كيوبيد ضربك."
تعبيره أصبح جاد مع لمحة ابتسامة على زاوية شفايفه.
لما يتأكد، هيقولي.
افترقنا بعد الغدا. تقريبا سحبت كوينتن برة المطعم لأنه رفض يمشي. فضل يسرق نظرات للست اللي على الطاولة مع فيليسيتي.
قولتله يهدى. ما كانش هيروح معايا لو ما فكرتهوش باجتماعه.
اتصلت بالرقم اللي اداني عشان أسأل لو ينفع أروح من غير ميعاد. قالوا إنها بالحجز، و فيه تلات مرضى عندهم جلسات في اليوم ده، بس ده ما منعنيش إني أروح.