تحت الهدوء
المدينة كانت بتحسها مختلفة دلوقتي.
الحواف الحادة اللي كانت بتحدد كل شارع وحارة اتخففت شوية، كأن نيويورك نفسها بتاخد نفسها بعد سنين من التوتر. الربيع جه بدري السنة دي، وجاب معاه إحساس بالتجديد لدرجة إنه كان لازم تلاحظه. بس السلام، زي ما ديمون كان عارف، مش دايما بيكون عالي أو شامل. ساعات بيتسلل بهدوء، بيتزحلق من خلال الشقوق، وبيزهر ببطء – زي الست اللي جنبه.
ألينا كانت واقفة عند مدخل المركز المجتمعي اللي كانوا بيمولوه – فكرتها هي، اللي جت من كل الألم اللي عاشوه. كانت لابسة جينز بسيط وكنزة ناعمة، وشعرها مربوط في كحكة مبهدلة، ومعاها كليب بورد في إيدها وهي بتسلم على أول المتطوعين. كانت بتبان طبيعية جدا، راسخة في الهدف الجديد ده، لدرجة إن ديمون ماقدرش يمنع نفسه من إنه يبص عليها شوية أكتر من اللي المفروض.
رومان ظهر جنبه وهو بيبتسم ابتسامة خفيفة. 'بتبتسم كأنك شايف الدنيا لأول مرة.'
ديمون ضحك بصوت واطي. 'ممكن أكون.'
'انتوا الاتنين عملتوا حاجة محدش فينا كان متوقعها،' رومان قالها، وصوته أصبح أوطى. 'فيكتور مشي. الضلال بتختفي. الإحساس حلو لما نكون مفيدين تاني – لحاجة حقيقية.'
ديمون هز رأسه، وعينه لسه مثبتة على ألينا. 'هي اللي ادتني دا. السبب اللي يخليني عايز أكتر من مجرد البقاء على قيد الحياة.'
ألينا من الناحية التانية من المكان، لوحتلهم. 'إحنا محتاجين أيدي عاملة. لو انتوا الاتنين مش عايزين تقفوا هناك وتبينوا إنكوا مخيفين طول اليوم، ممكن أستفيد من مساعدتكم في تفريغ التبرعات.'
ديمون رفع حاجبه لرومان. 'دا شكله طلب.'
رومان اتنهد، وكسر مفاصل إيديه. 'النهاردة يوم حلو عشان الناس تأمرك.'
بحلول نص الضهر، المركز كان بيهتز بطاقة بدايات جديدة. المتطوعين كانوا بيتحركوا بين الغرف، بيدهنوا الحيطان، وبيفرغوا الصناديق، وبيظبطوا الأثاث. العيال بيضحكوا برة وهما بيلعبوا في ملعب لسه مخلصش. ومن خلال كل دا، ألينا كانت بتتحرك كإنها عين العاصفة الهادية – مركزة، متعاطفة، لا يمكن إيقافها.
في الساعات المتأخرة من الليل، لما آخر المتطوعين مشيوا لبيوتهم وصوت المدينة خف وراح بعيد، ديمون لقاها قاعدة على أرضية حاجة هتكون قريب أوضة للقراية. ضهرها كان مسنود على حيطة فاضية، وبقع من الدهان في شعرها، وابتسامة تعبانة بس راضية على شفايفها.
اداها زجاجة مية ونزل جنبها.
'قولي إن دا مش جنان،' هي قالت، وصوتها كان ناعم.
'مش جنان،' هو رد. 'دي أشجع حاجة شوفتها في حياتي كلها.'
ألينا مالت راسها، وبتدرس شكله. 'حتى أشجع من المرة اللي طلعت فيها على سطح مبنى في باريس من غير مساعدة؟'
'بكتير،' ديمون هزأها. 'لإن دا؟ إنك تبني حاجة كويسة، حاجة بتدوم؟ دا بياخد شجاعة أكتر من أي خناقة خضناها.'
هي ساندت راسها على كتفه. 'لسه بصحى ساعات وأنا فاكرة إني في الشاتو داك. وإن فيكتور لسه برة مستنيني.'
ديمون لف دراعه حواليها، وريح دقنه على راسها. 'أنا كمان. بس كل ما بشوفك بتضحكي... أو بتأمرى رومان... بعرف إننا مبقاش في المكان دا تاني. انتي اللي طلعتينا من الضلمة.'
هي غمضت عينيها، وبتتنفس بهدوء. 'أنت عايز إيه يا ديمون؟ يعني... بجد عايز إيه.'
هو سكت لحظة، وبعدين جاوب، 'أنتي. دا. مستقبل مش بيتضمن إننا نبص حوالينا. عايز أصحى جنبك من غير ما أفكر إيه الخطر اللي مستنيني على الناحية التانية من الباب.'
'أنت بالفعل معاك دا.'
صوته هدي أكتر. 'وإنتي؟ إنتي عايزة إيه؟'
ألينا فتحت عينيها، وميلت شوية عشان تبص عليه. 'عايزة أبطل أشيل كل الذنب دا. عايزة أصدق إننا نستاهل السعادة من غير ما نكسبها بالألم. وعايزة أعرف أنا مين دلوقتي... مش بس النسخة مني اللي نجت.'
ديمون مسك إيدها وباس مفاصلها. 'يبقي نعمل دا. سوا.'
قعدوا في الضوء اللي بيخف، وتقيل اليوم وماضيهم المشترك بيضغطوا عليهم بهدوء – بس مبقاش بيسحقهم. كان لسه فيه شفاء يتعمل. لسه فيه ليالي الضلال هترجع فيها تزحف. بس لأول مرة، كان معاهم حاجة يقاتلوا عشانها، مش ضدها.
ألينا بصت للحائط الفاضي اللي قصادهم. 'لازم نرسم جدارية هنا. حاجة جريئة. حاجة تقول إننا كنا هنا – إننا نجونا.'
ديمون ابتسم. 'خليها مبهدلة.'
وفعلا عملوا كدا.
في وقت متأخر من الليل، لما العالم كان هدي تاني وهما واقفين قصاد أشكالهم اللي مش مترابطة من الدهان والألوان، ألينا ضحكت بحرية لدرجة إن صدر ديمون وجعه.
ممكن مكانش بيرفكت.
بس كان بتاعهم هما.
و دا، هو أدرك، كان كل حاجة.
الجدارية بقت لوحة لكل حاجة مكنوش بيقدروا يقولوها بصوت عالي.
ديمون مكنش مسك فرشاة من أيام الطفولة، وحتى ساعتها، إبداعاته كانت بتقتصر على البقع السودا والزرقا اللي بتشبه العربيات بشكل مبهم. ألينا، من ناحية تانية، بترسم كأنها عايشة – خام، فوضوية، نابضة بالحياة. الناحية بتاعتها من الحيطة ازدهرت بألوان واسعة وخطوط جريئة، نوع من الجمال المتمرد اللي بيرفض إنه يروض. مساهمات ديمون كانت أهدى، ضربات متعمدة بتتبع فوضاها برشاقة غير متوقعة – أزرق غامق، أحمر مكتوم، تظليل حذر بيثبت القطعة زي ما هو بيثبتها هي.
ماتكلموش كتير وهما بيرسموا. مكنش لازم. كان فيه حاجة علاجية في الإيقاع – تغمس، تمسح، ترجع خطوة لورا، تضحك. تكرر.
لما رجعوا خطوة لورا أخيرا، وهما متغطيين ببقع ألوان وبيتنفسوا كأنهم لسه مخلصين ماراثون، الجدارية شكلها بقى زيهم. صراع من الضلال والنور، مبهدل بس متوازن، مكسور بس كامل.
'أنا شايفه بشع،' ألينا قالت وهي بتضحك.
'بيرفكت،' ديمون قال في نفس الوقت.
هي لفت عشان تبصله، وخدودها محمرة من المجهود، وعنيها بتلمع تحت الأضواء الهادية اللي فوقيها. 'ليه بحس إني أنا أكتر لما أكون معايا فرشاة في إيدي والدهان في شعري أكتر من أي وقت مضى لما كنت بشتغل صحفية متخفية في مناطق حرب؟'
هو قرب أكتر. 'لإن محدش بيطلب منك تبقي حد تاني دلوقتي. مفيش أقنعة. مفيش خطر. بس انتي.'
ألينا مالت وشها ناحيته. 'بس أنا،' هي رددت بهدوء. 'وأنت.'
ديمون مسح خصلة من البرتقالي من خدها بإبهامه. 'وأنا.'
بوساتهم مكنتش يائسة أو نارية. مكنتش ولدت من الأدرينالين أو الخوف زي ما كانت معظم لحظاتهم اللي فاتت. كانت بطيئة. لطيفة. كأنهم بيتذكروا هما مين تحت الدرع.
لما بعدوا، ألينا ساندت على صدره وتنهدت. 'أنا عايزة بيت.'
ديمون لمح، مستغرب من التحول. 'بيت؟'
'أيوة.' هي هزت راسها عليه. 'بيت حقيقي. مع سلالم بتزيق ومطبخ ريحته قهوة وقرفة الصبح. عايزة بلكونة قدام وربما كلب بيوقع شعر في كل مكان. عايزة الحاجات العادية – الحاجات اللي عمري ما فكرت إني هحصل عليها.'
درعات ديمون شدت حواليها. 'يبقي هندور على واحد. في أي مكان إنتي عايزاه.'
'عايزاه هنا،' هي قالت. 'في المدينة. بس بعيد عن الضوضاء.'
إيده اتحركت ببطء على ضهرها. 'تمام.'
ألينا ابتسمت في صدره. 'كان سهل قوي.'
'مفيش حاجة فيكي سهلة يا حبيبتي،' هو هزأها، وباس شعرها. 'بس حبك؟ الجزء دا سهل.'
هي غمضت عينيها، وسمحت لكلماته تستقر جواها. مكنتش فاكرة إنها ممكن تزهق من سماعهم. من سماعه هو.
فضلوا كدا لحد ما أضواء السطح طفت – على مؤقت، بتدي إشارة إن الوقت جه عشان يروحوا البيت. إلا إنهم، لأول مرة، مكنوش بيجروا في الليل وباصين حواليهم.
كانوا بس... بيروحوا البيت.
—
الصبح اللي بعده كان هادي.
ألينا كانت بتتحرك في مطبخ ديمون حافية، وشعرها لسه منفوش من النوم، و لابسة قميصه تاني. عملت فنجانين قهوة، وهي بتدندن بهدوء نغمة علقت في دماغها. ديمون دخل لحظات بعد كدا، من غير تيشرت، ومنشفة مرمية على كتفه، لسه طالع من الجري.
هو اتسند على الكونتر، وهو بيبص عليها كأنها حاجة مقدسة. 'بتدندني.'
'أنا سعيدة.'
الكلمات كانت بسيطة. غير ملحوظة. بس لما قالتهم، ديمون حس بثقل كل حاجة عدوا بيها يضغط وراها. هي كانت سعيدة. بعد كل حاجة.
'قوليها تاني،' هو قال بهدوء.
ألينا لفت وابتسمت. 'أنا سعيدة.'
هو مشي وخد المج من إيدها، وحطه على جنب قبل ما يسحبها جواه. 'دا كل اللي أنا عمري ما كنت عايزه ليكي.'
صباعها اتلوت حوالين طرف المنشفة بتاعته. 'أنا عايزة دا ليك برضه، أنت عارف.'
'أنا بوصل،' هو همس. 'كل يوم.'
شربوا القهوة بتاعتهم في البلكونة، وهما بيتفرجوا على المدينة بتتحرك تحتهم. ألينا ساندت راسها على كتفه، وغمضت عينيها، وقلبها هادي لمرة واحدة.
بعد كدا، مشيوا ماسكين إيدين بعض لكشك كتب قريب، مكان ألينا عندها فيه مقابلة متجدولة. كانت اتعرض عليها عمود – مساحتها الخاصة عشان تكتب قصص مهمة، قصص عن إعادة البناء، عن الستات اللي نجوا وقاوموا. مكنتش تعرف لو هتقبل دا لسه، بس ديمون أصر إنه يمشيها له على أي حال.
بره كشك الكتب، هي وقفت.
'إيه لو أنا مش جاهزة؟' هي سألت.
ديمون باس جبينها. 'يبقي مش هتدخلي النهاردة. بس لما تكوني – لما تكوني جاهزة – هتمشي من خلال الباب دا وهتقلبي الدنيا.'
ألينا ضحكت. 'أنت متحيز.'
'بشكل مؤلم.'
بس هي ابتسمت على أي حال، وباسته بهدوء، وأخدت نفس.
'هدخل.'
'هبقى هنا بالظبط لما تطلعي.'
—
بالليل داك، رجعوا لحديقة السطح معاهم كوبايتين نبيذ وقائمة تشغيل ألينا عملتها. ناموا جنب بعض على بطانية، وهما بيبصوا على السما المليانة بنجوم المدينة – أقل من اللي شافوها في الريف، بس بطريقة ما سحرية بنفس القدر.
'بفضل مستنية حاجة تحصل غلط،' ألينا اعترفت، وصوتها يادوب مسموع.
'أنا عارف،' ديمون قال. 'أنا كمان.'
'بس أنا بفكر... ممكن دا جزء من الشفاء. إنك تتقبل إن الخوف مابيروحش بين ليلة وضحاها. وإن ساعات لازم بس نعيش بيه. نختار الحب على أي حال.'
ديمون مسك إيدها، وربط صوابعهم سوا. 'يبقي هختارك. تاني. و تاني. كل يوم.'
ألينا بصت عليه، وعنيها بتلمع. 'حتى لما أكون متنكدة وبخليك تاكل لازانيا نباتية؟'
'خصوصا ساعتها.'
هما الاتنين ضحكوا، والصوت رد بين المباني زي الموسيقى.
تحت الهدوء، تحت نعومة الحياة الجديدة دي، كان لسه فيه كدمات. لسه فيه ضلال. بس كان فيه كمان حاجة أقوى دلوقتي – مرونة. أمل. حب قوي كفاية عشان يبني حاجة حقيقية.
ولأول مرة، مكنوش بس بينجوا.
كانوا بيبدأوا.