همس الشيطان
السكون جوه البيت الآمن كان من النوع اللي بـ يضغط على الجلد، تقيل ومراقب.
ألينا قعدت جنب ديمون على طرف السرير، صوابعها بترتعش وهي بـ تضغط على جرح الرصاصة في جنبه. الدم لَطَّخ الشاش، أحمر وفيه غضب، بس هو ما اتحركش. فكه كان مشدود، عينيه مركزة على نقطة بعيدة ورا الجدران، ورا الألم—وراها هي.
"كلمني," همست.
هو ما رمَّش.
"ديمون، أنت بتنزف وبـ تروح في عالم تاني. دي مش حاجة كويسة."
"شفتي أسوأ," تمتم.
"مش دي القضية."
رمت القماشة اللي عليها دم في الطبق المعدن اللي جنب السرير وقامت، بـ تتمشى في الأوضة. جسمها لسه مشحون من الكمين. ما قدرتش تشيل صورة الرجالة الميتين من دماغها. ما قدرتش تهز صوت الطلقات، أو اللحظة اللي شافت فيها ديمون بيترنح.
"هما عرفوا إننا جايين," قالت. "كانوا مستنيينا."
"أيوة."
"يبقي حد قالهم."
"أيوة."
وقفت ودارت فجأة. "مين؟"
ديمون قابل نظرتها ساعتها، عينيه كانت أبرد من اللي شافته بيها قبل كده.
"في تسريب. في مكان عميق. يمكن حتى في الدائرة المقربة مني."
"أنت بتثق في ناس قليلة أوي," قالت ألينا. "لو واحد منهم—"
"يبقي أنا اللي هأدفنهم بنفسي."
الطريقة اللي قال بيها دي خلت قشعريرة مشيت في ضهرها. ما كانش فيه غضب في صوته، ولا نار. بس فيه حاجة أغمق—تصميم.
ديمون وقف، بـ يتألم شوية، ومشي للدسك الصغير اللي في الركن. فتح اللاب توب اللي أخدوه من الصندوق وبدأ يقلب في الملفات، صوابعه بتتحرك بسرعة ودقة. ألينا وقفت وراه، بـ تقرا من على كتفه.
"إحنا بندور على إيه؟"
"دليل. علاقات بعمليات أدريان. أنماط. طرق شحن، مدفوعات، حسابات في الخارج—أي حاجة نقدر نستخدمها عشان نثبته أخيراً."
الشاشة ومضت وحملت فيديو. لقطات مراقبة. خشنة. مقطعة. بس اللي بيعرضه خلى ألينا تتجمد.
كان أدريان. قاعد على ترابيزة طويلة، بـ يكلم حد وشه مشوش.
"استني," أخدت نفسها. "وقفها. رجعها لورا."
ديمون عمل كده، بـ يرجع المقطع.
الشخص اللي قاعد قصاد أدريان كان ليه وضعية مميزة. زاوية الكتفين. حركة الصوابع العصبية على الترابيزة.
"شفتي ده قبل كده," همست ألينا. "أعرف الحركة دي."
بصت بتركيز أكتر. اللقطات كان عليها ختم وقت من تلات أيام. محادثة. صفقة. فلوس بـ تتبادل في ظرف بني.
ديمون قرب الصورة، شغل الملف من خلال أداة تعرف. أخدت دقايق، بس حسوا إنها أبدية. بعدين اسم طلع على الشاشة.
معدة ألينا نزلت لتحت.
"لا…" همهمت. "مش ممكن."
بس كان هو.
ماركوس هيل. اليد اليمنى لديمون. الراجل اللي ساعدهم مرة يهربوا من فخ عصابة. الراجل اللي أخد رصاصة عشان ديمون في إسطنبول.
راجل دلوقتي قاعد قصاد أدريان نايت.
بـ يخونهم.
ديمون بَـص للشاشة. ما بيتحركش. ما بيتكلمش.
ألينا حطت إيديها على كتفه، بس جسمه كان حجر.
"هو كان التسريب," قالت بهدوء. "طول الوقت ده."
"أنا وثقت فيه في كل حاجة," قال ديمون، صوته واطي. "عملياتي. أمنّي. أنتِ."
الكلمة الأخيرة دي نزلت زي صوت رعد.
ألينا حبست نفسها. "نعمل إيه دلوقتي؟"
"هندور عليه," قال ديمون. "وهننهي ده."
بعد ساعة، ديمون كان لابس، الجرح في جنبه مربوط كويس، ومسدس مربوط تحت المعطف بتاعه. ألينا وقفت جنب الباب، فكها مشدود.
"مش هتروح لوحدك."
هو ما ناقشش.
ركبوا في صمت. شوارع نيويورك كانت بـ تصحى—العربيات بـ تدي كلاكسات، الناس بـ تروح على شغلها وعلى المقاهي، كلهم في نعمة مش عارفين الحرب اللي بتدور في ضلهم.
تبعوا ماركوس لنادي خاص في الجزء العلوي الغربي. ديمون كان ادى الأمر بهدوء، وفي دقايق، كان عندهم عيون في كل مكان—فوق الأسطح، في الأزقة، حتى راجل جوه مطبخ النادي.
لما ماركوس طلع، محاط باتنين رجالة أمن، كان شكله هادي. حاد. زي الجندي المخلص اللي كان بـ بيتظاهر بيه دايماً.
لحد ما شاف ديمون.
ساعتها كل حاجة اتغيرت.
عينيه اتفتحت. فكه اتشّد. أخد خطوة لورا، بـ يحسب احتمالاته.
ديمون ما اتكلمش. هو بس رفع إيده—وفي ثواني، الحراس اتجردوا من السلاح على ايدين رجالة ديمون واتسحبوا على جنب.
"ديمون—" بدأ ماركوس.
"خلص," رد ديمون بسرعة.
ألينا طلعت لقدام، صوتها زي التلج. "ليه؟ ليه بـ تخونه؟"
ماركوس بص بينهم، بعدين أخد نفس أخير، تعابير وشه اتشّدت.
"فاكرين إن دي قضية ولاء؟" قال. "دي قضية حياة. أدريان عرض أكتر. وعد بأكتر. هو المستقبل—انتوا الماضي. أثر قديم بـ يتمسك بالسلطة اللي ما تقدرش تحميها."
فك ديمون اتنفض، بس هو ما رفعش مسدسه. لسه.
"أنا وثقت فيك," قال. "أنا دخلتك في عيلتي. وانت بعتنا عشان إيه؟ فلوس؟"
"سيطرة," رد ماركوس بسرعة. "انت كنت دايماً الملك. أنا كنت عاوز عرشي الخاص."
ديمون هز رأسه مرة واحدة. ببطء. بعدين—
بانج.
الرصاصة رنت في الشارع.
ماركوس ترنح، عينيه مفتوحة، بـ يمسك كتفه اللي ديمون ضربه فيه—مش قاتلة، بس كفاية عشان ينزله على ركبه.
ديمون حط المسدس في مكانه ودار لألينا. "خلصنا اللعب في الدفاع."
بص لورا لماركوس، اللي دلوقتي بيتلوى على الرصيف.
"قول لأدريان," قال ديمون ببرود. "إحنا جايين وراه بعد كده."
الهوا جوه النادي الخاص كان تقيل بالتوتر. أصوات الضحك وزجاج بـ يخبط في بعضها كانها بعيدة، زي صدى من حياة تانية. نبض ألينا زاد وهي بـ تتفرج على ديمون، تعابير وشه باردة ومنفصلة، واقف فوق ماركوس، اللي بيتلوى على الأرض. الحدة في عيون ديمون كانت تحذير، رسالة بتقول إنه عدى خط، ودلوقتي مافيش رجعة.
صوت نفس ماركوس اللي بيوجع كان بـ يملأ المساحة بينهم، بس ديمون فضل ساكن، نظره ثابت.
"قولي اللي أنا عايز أعرفه، ماركوس," صوت ديمون كان ثابت بس حامل وزن بـ يهدد إنه يكسر. "ويمكن تمشي من ده. بس لو ماعملتش… دمك هيكون آخر حاجة هتنزفها النهاردة."
ماركوس كشر، إيده ضاغطة جامد على الجرح في كتفه. كان بـ يتنفس بصعوبة، واضح إنه على حافة الوعي.
"أدريان…" قال ماركوس بـ بحة، صوته كان سميك بـ خليط من الخوف والكراهية. "هو… هو كان دايماً سابقك يا ديمون. كنت بطيء زيادة عشان تشوفها. مشتت زيادة."
ديمون ما اتحركش. هو كان عدى نقطة المشاعر، عدى نقطة أي حاجة بتشبه الرحمة. انحنى لتحت، وشه على بعد بوصات من ماركوس، بـ يتكلم واطي بس واضح.
"قولي إزاي كان سابقني," طلب ديمون، صوته زي حافة الموس.
عيون ماركوس اتلقت، لحظة رعب بتومض في نظراته قبل ما يتكلم، الكلمات بـ تقع زي ما كانت مستنية اللحظة دي.
"هو كان بيشد الخيوط من ورا الكواليس. مش قضية سلطة يا ديمون. دي قضية سيطرة. هو كان بـ يجمع معلومات، بـ يحط الناس في أماكن… ناس أنت بتثق فيهم، ناس بـ يبلغوا عنه. وطول الوقت ده، كنت مركز زيادة على إمبراطوريتك عشان تشوف التشققات."
ديمون استقام، فكه اتشّد والكلمات استقرت زي سم في معدته. ماركوس كان لسه بيتكلم، بس ديمون ما قدرش يسمع أكتر. كان في تفكير عميق زيادة، راح بعيد زيادة إنه يحلل المعنى الكامل للي ماركوس قاله للتو.
أدريان كان بيشد الخيوط.
ألينا، واقفة على بعد كام قدم، قدرت تشوف التغيير في ديمون. ماكانش غضب. ماكانش هياج. كان حاجة أغمق، حاجة أبرد، بـ تتسرب في عظمه، ما بتسيبش إلا تلج. هي عرفت الراجل اللي قدامها—الراجل اللي بقى وحش في سعيه للانتقام. بس دلوقتي، وهو واقف هنا، بـ يبص للراجل اللي خونه، شافت حاجة تانية—حاجة أخطر بكتير من ديمون اللي عرفته.
هو مش بس هـ يقاتل عشان السيطرة. هو هـ يحرق كل حاجة لتحت.
ألينا أخدت خطوة لقدام، إيديها بـ توصل بشكل تلقائي عشان تلمس دراع ديمون، بـ ترسيه في اللحظة دي. جسمه اتصلب لثانية، بس لما بـ بصت عليها، حاجة اتلقت في عينيه—خافت، بس كانت كفاية عشان ترجعه من الحافة.
"إيه اللي هيحصل دلوقتي؟" سألت ألينا، صوتها ثابت بالرغم من الفوضى اللي بتتكشف حواليهم. "إيه هي خطوتنا اللي بعد كده؟"
ديمون ماجاوبش على طول. بدلاً من ده، بـ بص لماركوس، عينيه غامقة ومش مقروءة. أخيراً، اتكلم، صوته همهمة واطية مافيش إلا ألينا تقدر تسمعها.
"دلوقتي، هننهي ده."
في العربية، تليفون ديمون رن. كان رقم هو ما يعرفوش، بس جاوب عليه من غير تردد.
"ديمون كروس," جه الصوت من الطرف التاني. كان واطي، موزون، ومألوف من غير شك. أدريان.
"أنت بتقرب زيادة," صوت أدريان همس. "قريب زيادة لدرجة عدم الراحة، يا ديمون. كان لازم تفضل في ركنك الصغير من العالم وتسيب اللعبة الأكبر ليا."
مسكة ديمون على التليفون اتشّدت، مفاصل إيديه بقت بيضة.
"أنا مش بلعب لعبتك تاني يا أدريان," قال ديمون، صوته جليدي. "دي مش قضية مين عنده إمبراطورية أكبر أو علاقات أحسن. دي قضية إنهاءك."
ضحكة ظهرت في الخط، ضلمة وبتسخر. "فاكر إنك تقدر تنهيني؟ أنا مش شوية من اللي تحت إيديك عشان تشيلهم بشوية طلقات يا ديمون. أنا بنيت ده—الإمبراطورية دي—لسنين. أنت حتى ما تعرفش عمق حفرة الأرنب اللي وقعت فيها."
شفة ديمون اتلوت بابتسامة مرة. "يبقي خليني أوضح، يا أدريان. أنا مش همشي من ده. أنت اللي بدأت حرب، ودلوقتي، أنا اللي هخلصها."
الخط مات. سكون.
ألينا دارت عشان تبص لديمون، تعابيرها خليط من القلق والتصميم.
"أنت فعلاً بتعمل ده، مش كده؟" سألت، تقريباً في عدم تصديق.
هو قابل نظرتها، وشه قناع من التصميم البارد.
"أنا خلاص اخترت," قال بهدوء. "وانت كمان."
بعد ساعات، ديمون وألينا لقوا نفسهم في مكتب تاني ضلمته خفيفة—بيت آمن في ركن مخفي من المدينة. الخريطة ممتدة قدامهم، معلمة بـ اكس أحمر، وخطوط زرقا، وعشرات الأهداف المحتملة. كل واحد كان قطعة من اللغز، كل واحد بـ يوصل لأقرب لمركز أدريان الداخلي.
ديمون ما كانش بـ يبطئ. مافيش وقت للتردد، مافيش مكان للشك في التاني.
"لو ضربنا ده," قالت ألينا، بـ تشاور على مبنى في الخريطة، "هنقطع خط إمداد أدريان. هنشيل موارده، وهنعطل عملياته."
ديمون هز رأسه. "مش بس هنضربه. هنحرقه للأرض."
بصت عليه، صوتها أهدى دلوقتي. "دي مش بس قضية انتقام تاني، مش كده؟"
عيون ديمون قابلت عينها، نظراته مكثفة. "عمرها ما كانت كده. دي قضية حياة. قضية أخد كل حاجة أدريان فاكر إنه بـ يمتلكها وبـ يحولها لرماد."
ألينا بلعت، قلبها بـ يدق. دي كانت هي دي. ماكانش في رجعة بعد ده.
"مافيش لعب تاني," همست، ليها هي أكتر منه. "مافيش تظاهر إننا لسه نفس الناس اللي كنا عليها قبل كده."
"لا," وافق ديمون، صوته صلب. "مش كده. بس ده مايهمش تاني. اللي يهم هو إننا نضمن إن أدريان ما يشوفش يوم تاني."
وهما بـ يبصوا على الخريطة، وزن قراراتهم بـ يستقر بينهم، ألينا عرفت إن دي كانت نقطة اللاعودة. النقطة اللي عبروا فيها من لاعبين لمفترسين.
ومافيش رجعة.