الانهيار
العالم ما انفجرش في اللحظة اللي الحقيقة فيها طلعت على الهوا.
اتفككت—بالراحة، بطريقة منهجية، زي آلة مشدودة جامد بتفقد إيقاعها.
في خلال ساعات من رفع الملفات، بدأ تأثير الدومينو. البنوك جمّدت الحسابات المشبوهة. مسؤولين الحكومة اتخبطوا ورا الأبواب المقفولة. رؤساء الشركات اختفوا في 'اعتكافات طارئة'. العناوين الرئيسية انفجرت بكلمات زي مؤامرة، تجسس، وحرب اقتصادية. اسم لانغستون ظهر بخط عريض على كل شاشة رئيسية في تايمز سكوير، وتلاه سيل من الاكتشافات اللي كانت وحشية أكتر من إننا نتجاهلها.
ألينا كانت بتراقب الفوضى دي وهي في أمان ملجأ فال الخاص—ده مكان تقني تحت الأرض، بعيد عن الشبكة، متخبي تحت مكتبة مهجورة في الجزء الشرقي السفلي.
كان معاها ديمون، توبياس، وفال، محاوطين بأسلاك، سيرفرات بتنور وبتطفي، والضوضاء المستمرة لبيانات داخلة.
و بالرغم من كده، السكوت بينهم كان أعلى صوت في الأوضة.
مارين كول قعدت بهدوء في الركن، عينيها محمرة بس واضحة، بتراقب العالم وهو بيتحرق بمزيج غريب من الخوف والارتياح. شهادتها، مقترنة بمحتويات الجهاز المسروق، كانت آخر عود كبريت للحقيقة اللي كانت متغرقة في البنزين.
إمبراطورية لانغستون كانت بتنهار.
بس السؤال الحقيقي كان لسه موجود:
إيه اللي هيقوم مكانها؟
—
'لانغستون اختفى،' قالت فال وهي بتلمس شاشة تغذية فضائية. 'حساباته في كايمان مقفولة. ممتلكاته الأوروبية تم الاستيلاء عليها. بس محدش وصل له. لسه.'
'مش هيختفي كتير،' تمتم ديمون. 'ناس زيه مابيروحوش في صمت. بـ ينتقموا.'
توبياس رفع عينيه من على الشاشة. 'للتو، الأخبار قالت إن الإنتربول أصدرت أمر اعتقال عالمي. مفيش مكان آمن له تاني.'
ألينا كشرت دراعها. 'طب وأدريان؟'
سكتوا.
فال رجعت لورا. 'دي هي المشكلة. أدريان مش بيهرب. هو بيراقب. وحسب اللي أنا شايفاه، هو بالفعل بيبني حاجة جديدة. أصغر، أذكى. من غير ظل لانغستون.'
ديمون قبض على فكه. 'أكيد بيعمل كده.'
'فاكر إنه هييجي ورانا؟' سألت ألينا.
'مش محتاج،' رد ديمون، بصوت واطي. 'هيستنى بس لما الغبار يهدي. وبعدين هيلم أي قطع متبقية. بما فينا احنا.'
مارين اخيرا اتكلمت من الركن. 'مش هيوقف. مبيقدرش. ميعرفش ازاي. هو مش بيجري ورا السلطة تاني—بيجري ورا الميراث. عايز يبقى آخر واحد واقف.'
ألينا بصت على الوشوش المنهكة في الأوضة. 'يبقى نستنى بس لما هو يتحرك؟'
'لأ،' قال ديمون وهو بيقوم. 'احنا اللي هنتحرك الأول.'
—
في وقت متأخر من الليل، المدينة بره كانت بتنور زي ساحة معركة في هدنة. صفارات الإنذار لسه بتصرخ من بعيد. متظاهرين متجمعين بره مباني الشركات، بيهزوا وثائق فال ساعدت في نشرها. العالم كله كان بيطالب بالمحاسبة.
بس لألينا، الحرب الحقيقية كانت لسه شخصية.
وقفت على السطح فوق ملجأ فال، متغطية في بالطف ديمون، البرد بيقرص في جلدها.
انضم ليها بعد دقايق، معاه كوبايتين قهوة.
'كويسة؟' سأل.
أخدت الكوباية، شربت. 'لأ. بس هبقى.'
ديمون هز راسه، عيونه بتبص على المدينة كأنها جنرال بيستطلع أرضه.
'عملنا اللي قررنا نعمله،' قال بعد سكوت. 'إمبراطورية لانغستون انكشفتي. الناس اللي هو أذاهم—أخيرا هيكون ليهم صوت.'
'بس مش حاسة إن الموضوع خلص،' همست ألينا.
'لأنه ماخلصش،' قال. 'مش هينتهي غير لما أدريان يخرج من الصورة.'
بصت عليه. 'طب إيه اللي هيحصل بعد ده؟'
تردد.
لأول مرة، ديمون كروس ماكانش عنده خطة.
'مش عارف،' اعترف. 'قضيت وقت طويل بحارب، مش فاكر شكل السلام بيبقى إزاي.'
ألينا حطت إيدها في إيده. 'ممكن نفهم سوا.'
بص عليها، حاجة دافية بتومض في عاصفة نظراته.
'لسه بتثقي فيا؟ بعد كل ده؟'
'مش عارفة إذا كانت ثقة هي الكلمة،' قالت بصراحة. 'بس عارفة إني مؤمنة بالرجل اللي بتتحول له. وده بيحسب لحاجة.'
ميل براسه عليها. 'ده بيحسب لكل حاجة.'
—
الصبحية اللي بعدها جابت انفجار تاني—المرة دي رمزي.
منشأة لانغستون سرية في سويسرا تعرضت لاختراق بيانات. اسم أدريان اتكتب في بيانات الملفات المنشورة. مكنش مجرد تسريب.
كان إعلان.
كان بيقولهم: لسه موجود.
فال رمت التقرير على الطاولة. 'دي لعبة شطرنج دلوقتي. كل حركة هتكلف أرواح، ولاء، أو نفوذ.'
'يبقى نلعب أذكى،' قال ديمون، وهو بيتحرك بالفعل. 'نجيبه بره. هننهي ده.'
ألينا كانت بتراقب وهو كده، مع وجع غريب في صدرها. رجع حديد تاني. مركز. مستعد.
بس لأول مرة، كانت بتتمنى إنه ماكانش كده.
مكنتش عايزاه يضطر يحارب تاني.
بس كانت عايزاه سليم.
حي.
معاها.
بس لسه فيه قطع لازم تتلم.
واللعبة الأخيرة يا دوب بتبدأ.
الملجأ رجع هادي تاني، بس السكوت ده مريحش. كان نوع السكوت اللي بييجي قبل العاصفة. كأن العالم حابس نفسه.
ألينا قعدت ورجليها متقاطعة على كنبة جلد مستهلك، اللاب توب بتاعها متوازن على رجليها. صندوق الوارد بتاعها انفجر. صحفيين، مبلّغين عن فساد، ضحايا خايفين—ناس من كل مكان في العالم كانوا بيتواصلوا، فجأة بقوا شجعان بما يكفي يتكلموا. مقالها انتشر زي النار في الهشيم، اتشارك على منصات عمرها ما سمعت بيها، اتقتبس من قادة، اتناقش في الأخبار.
بس كل اللي كانت بتفكر فيه هو إيه اللي هييجي بعد كده.
وراها، مارين كانت بتتمشى ذهابًا وإيابًا. مانمتش. ولا فال. نور الملجأ خف عشان يوفر طاقة، والمكان كله كان مغمور بألوان كهرمانية منخفضة، وده بيخلي كل حاجة تبان أهش، وأكثر واقعية.
ديمون وقف جنب الطاولة، إيديه ماسكة في الحافة، بيبص لتحت على خريطة فال حطاها—أماكن أدريان اللي بيتشك فيها. صور مراقبة. عناوين بروتوكول الإنترنت. أنماط الحركة. لوحة حرب كانت بتحس إنها ساعة بتعد.
'فاكر إنه بيراقبنا؟' سألت ألينا فجأة، وهي بتكسر السكوت.
مارين وقفت مشي.
ديمون مارفعش راسه. 'دايما بيراقب.'
'أومال ليه معملش حاجة لسه؟' ضغطت. 'ليه سرب ملفات من سويسرا؟ ليه مَجاش ورانا على طول؟'
'عشان أدريان مش مستعجل،' قالت فال من مكانها جنب الشاشات. 'عمره ما كان مستعجل. بيخلي الناس تفتكر إنهم متقدمين... وبعدين بيسحب الأرض من تحت رجليهم.'
'زي ما عمل مع لانغستون،' أضافت مارين. 'استنى لما الإمبراطورية كلها كانت مستعدة إنها تنهار. وبعدين ولّع الفتيل.'
'ودلوقتي،' تمتم توبياس، وهو بيدخل بكوباية قهوة فريش، 'بيقرر بس مين فينا عايز يشوفه بيقع الأول.'
صدر ألينا ضاق. 'يبقى نعمل إيه، نستخبى هنا ونستنى لما هو يختارنا واحد ورا التاني؟'
'لأ،' قال ديمون بحزم، وهو بيرفع راسه دلوقتي. عيونه كانت حادة. 'مانستناش. نخطط. نضرب قبل ما هو يضرب.'
ألينا قامت. 'انت اللي قلتها—هو دايما سابق بخطوة. طب ازاي نغلب واحد عارف كل حركة هنعملها؟'
ديمون بص عليها لثانية طويلة. 'بنديله حاجة هو ميتوقعهاش.'
—
بعد ساعة، الخطة كانت مترتبة زي لوحة شطرنج.
أدريان كان عنده تلات بيوت آمنة معروفة في أوروبا—لندن، برلين، وبودابست. بس واحد بس منهم نشط خط اتصال مشفَّر مؤخرًا. فال رجعت لشاشة التغذية الفضائية تاني، بتقرب على مجمع بعيد في عمق تلال المجر.
'متحصَّن جامد،' حذرت. 'بس مش حصن. أدريان ميتوقعش إن حد هييجي يدور عليه بالسرعة دي.'
'ده بالظبط ليه هنروح دلوقتي،' قال ديمون.
'لأ،' قاطعت ألينا. 'انت تروح، وأنا أبقى الطعم.'
الكل لف عليها في نفس الوقت.
'مستحيل،' صرخ ديمون.
ألينا كشرت دراعها. 'دي الطريقة الوحيدة. أدريان عارف إني الصوت ورا التسريبات. هو بيراقب كل كلمة بقولها. لو ظهرت على الملأ، وقلت حاجة جريئة، مش هيقدر يقاوم إنه يرد. عايز يسيطر على السرد.'
'معاها حق،' قالت فال بتضجر. 'مش هيقدر يساعد نفسه. هيحاول يتواصل معاها.'
ديمون شكله كأنه عايز يضرب حاجة. 'ولو ماتواصلش معاها؟ ولو أخدها؟'
ألينا مشيت عليه بالراحة، وحطت إيدها على صدره. 'ساعتها هتلاقيني. دايما بتعمل كده.'
إيده اتقفلت على إيدها.
'ده مش كفاية دلوقتي،' همس. 'أنا عايزك آمنة.'
'مفيش أمان في اللعبة دي، ديمون. مش قبل ما تخلص.'
—
بالليل، ألينا قعدت قدام كاميرا في استوديو فال.
صوتها كان ثابت. وشها كان من غير مكياج. لا ماسكات.
اتكلمت مباشرة للكاميرا. مباشرة لأدريان.
'حاولت تستخبى ورا الظلال. ورا السلطة والتلاعب. بس دلوقتي العالم عرف اسمك. ولو فاكر إنك ممكن تعيش أكتر من الحقيقة—أنت غلطان. القصة دي مش بتاعتك تاني. دي بتاعة كل صوت حاولت تسكته. كل حياة دمرتها. كنت عايز ميراث؟ طيب، أهو.'
وقفت شوية، وصوتها بقى أخف شوية.
'ولو عايز توقفني... أنت عارف مكاني.'
التغذية طلعت على الهوا. في خلال عشرين دقيقة، جابت أكتر من مليونين مشاهدة.
وبعد تلاتين دقيقة... شاشة فال ومضت.
رسالة داخلة.
مشفّرة.
مستحيل تتعقب.
بس كلمة واحدة نبضت بخط عريض على الشاشة السودا.
أَهلاً، أَلِينَا.
قلب ألينا وقع في رجليها.
ديمون وقف وراها، بيقرأ من فوق كتفها. جسمه وقف.
'جبناه،' قال.
بس صوته ماكانش مرتاح.
صوته كان صوت راجل للتو وافق يرقص مع الشيطان.