الضوء الأخير
الصبح كان هادئًا.
مش الهدوء اللي بيجي من الفراغ، لا، ده سكون عميق بيهدي الروح—من النوع اللي بيجي بعد ما العاصفة تخلص والدنيا بترجع لنظامها تاني.
نور الشمس اتسرب من شبابيك البنتهاوس، بيرسم خطوط ذهبية على أرضية الخشب الصلب. المدينة تحتهم كانت صاحية بالفعل—زمامير بتصرخ، وبياعين بيزعقوا، وقطارات بتهمهم تحت الشوارع—بس هنا، في الملاذ اللي بنوه من الخراب، كان فيه سلام.
ألينا قعدت على جزيرة المطبخ، حافية، ولابسة قميص من قمصان ديمون. إيديها كانت ماسكة مج دافئ، البخار بيطلع ويرقص قدام عينيها. ما كانتش بتفكر في خطر. ما كانتش بتجهز نفسها للحرب. كانت ببساطة… موجودة.
ولأول مرة من زمان جدًا، ده كان كفاية.
وراها، خطوات خفيفة بتتقرب. ديمون. بدون قميص، شعره لسه مبلول من الدش، منشفة صغيرة على كتفه. شكله كان مرتاح أكتر من أي وقت تاني شافته فيه—مش زي الراجل اللي العالم كان بيخاف منه، بس زي الراجل اللي كانت بتحبه في الهدوء.
'صحيتي بدري،' همس، وهو بيلف دراعاته حواليها من ورا.
'ما كنتش عايزة أضيع اليوم،' همست.
باس رقبتها من ورا، وبعدين كتفها. 'معانا للأبد نضيع فيه دلوقتي.'
ألينا رجعت عليه، وهي بتضحك. 'للأبد. دي كانت بتخوفني أوي.'
'ودلوقتي؟'
'دلوقتي بتيجي زي أمل.'
قضوا الصبح ماشيين في المدينة إيد في إيد، بيوقفوا عشان يشربوا قهوة، بيضحكوا على ولا حاجة. تقيل الماضي ما اختفاش، بس ما بقاش بيملكهم. كان جزء منهم، أيوة—مخيط في حكايتهم—بس ما كانش بيحدد نهايتهم.
في البيت، جواب كان مستنيهم في البريد. مفيش عنوان مرسل. بس اسمها، مكتوب بخط أنيق. ألينا فتحته بالراحة.
كان من أخت فيكتور.
مش تهديد. مش اعتذار. بس رسالة بسيطة: 'كسرتوا الدورة. أتمنى ما تبصوش ورا أبداً.'
ألينا طوته بعناية وحطته في الدرج. ما كانتش محتاجة تركز عليه، بس برضه مش هتنسى. في حاجات مش المفروض تمحيها. المفروض تفكرك أد ايه وصلت.
في المساء، اتعشوا على الروف، السما بتحمر بألوان برتقالي وبنفسجي. ترابيزة صغيرة. كوبايتين نبيذ. همهمة المدينة تحتهم زي التهويدة.
ديمون رفع كاسه. 'للفوضى اللي نجونا منها.'
ألينا خبطت كاسها في كاسه. 'وللحب اللي لقيناه في الخراب.'
فضل بيبص عليها لحظة أطول، عينيه غامقة ومليانة بالنار الهادية اللي كانت عنده ليها على طول. 'عمري ما فكرت إني أستاهل ده. إنتي. إحنا.'
مدت إيدها على الترابيزة ومشت إيديها على إيده. 'مش لازم تستاهل الحب، ديمون. بس لازم تختاره. وإنت عملت كده.'
أكلوا بالراحة، بيستمتعوا بكل لقمة، بكل لحظة.
لما النجوم سيطرت على السما، ديمون وقف ومشى لحافة الروف. ألينا تبعته، حاطة راسها على صدره. تحتهم، نيويورك بتنور—ملايين الحكايات بتتعرض في نفس الوقت، ولا واحدة فيهم زي حكايتهم.
'تعرفي،' قال بهدوء، 'لو حد قال لي من سنة إني هكون واقف هنا معاكي، وإيدي نضيفة، ومفيش أعداء على بابنا—كنت هقول عليهم مجانين.'
ابتسمت عليه. 'ولو حد قال لي إني هاحب راجل زيك… كنت هاهرب.'
ضحك. 'عملتي كده.'
'بس شوية.'
لفها عشان تواجهه. 'ندمانة؟'
ما رمشتش حتى. 'ولا ثانية.'
مابقاش في حاجة تتقال.
ولا حاجة ما اتحفرتش في قلوبهم في ليالي السهر والوعود الهموس. ولا حاجة ما اتحاربش عشانها—ونفذوا فيها—ونجوا منها.
وبدلًا من كده، وقفوا سوا، إيد في إيد، بيتفرجوا على المدينة وهي بتتنفس. روحين ما بقوش في حرب مع نفسهم ولا مع العالم. اتنين بيحبوا بعض، خسروا كل حاجة وبرضه لقوا طريقهم لبعض.
ولما ديمون باسها—ببطء، باحترام، مليان بكل كلمة ما قالهاش—ما كانتش النهاية.
كانت البداية.
بعد سنة
المكتبة ريحتها صفحة قديمة ولافندر.
ألينا قعدت ورا الكونتر، وبتكتب على اللاب توب بتاعها. أول كتاب ليها كان قرب يخلص. مش سيرة ذاتية. مش مذكرات. بس حكاية—عن الحب، والخسارة، والتعويض، ونوع الهوس اللي ما بيدمرش، بس بيغير.
قفلت اللاب توب وبصت لفوق لما الجرس اللي فوق الباب رن.
ديمون دخل، جاكيت البدلة على كتفه، وشعره مبهدل بالهوا. بص عليها كأنها لسه ملجأه، خلاصها.
'جاهزة؟' سأل.
هزت راسها، وقامت ومشت له. باسوا بعض، بسرعة، وخرجوا برا في نور الشمس.
فصل جديد كان بدأ بالفعل.
والمرة دي، هيكتبوه سوا.