شكل الشفاء
الشمس بتاعة آخر العصر كانت بتنزل ضوء ذهبي على البنتهاوس، وبتعمل ضلال خفيفة على الأرض. بره، نيويورك كانت بتنبض زي العادة – كلاكسات بتصرخ، صفارات الإنذار بتتردد، رجول بتمشي في الرصيف المزدحم. بس جوه حيطان مأواهم المشترك، كان فيه هدوء بس. نوع سلام هش، رقيق، ولا ديمون ولا ألينا كانوا بياخدوه كأمر مسلم بيه.
ألينا كانت واقفة حافية في المطبخ، وبتقلب حلة شوربة، ريحة إكليل الجبل والتوم بتنتشر في الهوا. كانت لابسة واحدة من بلوزات ديمون، الأكمام مرفوعة لفوق كوعها، وشعرها معمول كعكة بسيطة. إن الحياة البيتية دي كلها كانت هتصدمها من شهور. دلوقتي، حست إنها نفس بتتنفسها عن استحقاق.
ديمون كان متسند على الباب، ورافع دراعاته، بيبص عليها بنعومة قليلة اللي ناس كتير عمرهم ما شافوها على وشه. الراجل اللي محدش بيقدر يلمسه دلوقتي شكله مبسوط وهو شايفها بس بتطبخ.
'بتبص,' قالت من غير ما تبص لفوق.
'مذنب,' رد. 'عمري ما كنت أتخيل إني هشوف اليوم اللي بتعملي فيه حاجة بمزاجك.'
بصت على كتفه، وهي بتضحك. 'طلع إن الصدمة بتلهم الطموح في الطبخ.'
دخل الأوضة، وحط دراعاته حوالين وسطها من ورا. 'أنتِ بتعملي أكتر من إنك بتتعالجي. أنتِ بتكبري.'
سكتت عند الكلام ده، وخلت الكلام يترسخ. 'غريب,' قالت. 'في أيام لسه بحس إني واقفة على رماد. بس بعدين… ببص عليك. على ده. وبتذكر إننا بنينا حاجة جديدة.'
ديمون باس كتفها. 'الرماد عمره ما كان النهاية. كانوا بس البداية.'
بعدين في الليل، بعد العشا والحمام الطويل سوا اللي فيه كلام في الهمس وبوس، قعدوا متكورين على الكنبة، أسطوانة جاز خفيفة بتشتغل في الخلفية. ألينا كانت رجولها متدلية على رجلين ديمون، ودفتر قديم في إيديها.
'إيه ده؟' سأل.
'أفكاري,' قالت بهدوء. 'حاجات كنت خايفة أقولها بصوت عالي. بدأت أكتبهم لما كل حاجة كانت بتقع. كانت الطريقة الوحيدة اللي أقدر بيها أظل عاقلة.'
مد إيده، ومسح صوابعه على طرف الصفحات. 'ممكن… أقرأ واحدة؟'
ألينا ترددت، وبعدين هزت راسها ببطء. أدته الدفتر وشافت عينه بتفحص السطور – صفحات مليانة خوف، لغبطة، شوق، وحب.
في نص طريق في إحدى الدفاتر، حبس نفسه.
'مش عارف إذا كنت هعرفه بجد. مش كله. بس حاجة فيّ مش عاوزة تجري. حتى لما العالم بيقول إن المفروض. فيه حاجة في ظلامه بتحس إنها مألوفة. يمكن إحنا الاتنين بندور على نور في الأماكن المسكونة.'
ديمون قفل الكتاب بهدوء. عينه تقابلت مع عينها. 'شوفتيني. حتى وقتها.'
'عمري ما وقفت.'
قعدوا في صمت، النوع اللي مابقاش بيخوف حد فيهم. كان مليان بكل حاجة مش محتاجين نقولها، كل حاجة كانوا يعرفوها بالفعل.
في نهاية الأسبوع، راحوا فوق. ديمون اشترى ملكية منعزلة – كوخ قديم جنب بحيرة، هادي ومش متلمس. نفس ألينا حبست في اللحظة اللي شافته فيها. رواق خشبي عريض بيلف حوالين الواجهة. البحيرة بتلمع في المسافة زي حوض زجاج سائل. عصافير بتغني من الأشجار، والرياح ريحتها صنوبر وأرض.
'ديمون… ده جميل.'
'ده بتاعنا,' قال ببساطة. 'عشان لما المدينة تحس إنها عالية أوي. عشان لما نحتاج مساحة عشان نكون بس.'
قضوا نهاية الأسبوع متلففين في بطاطين وصمت، بوسات بطيئة على الرصيف، قهوة الصبح وهي رجولهم في المية. مابيتكلموش كتير عن الماضي. ماكانش لازم. الهادي بيتكلم ليهم، بيملى الفراغات اللي الحزن والعنف سابوها.
في ليلة، وهم على النجوم على الرصيف، ألينا دارت له. 'لسه بتحس إنك بتستنى إن المصيبة تحصل؟'
ديمون فكر في ده. 'مش بالطريقة اللي كنت متعود. أعتقد إني دايما هيكون عندي الحتة دي. بس دلوقتي، ببص عليك، وبحس إني ثابت. كأني أخيرا بطلت أجري.'
حطت إيدها على قلبه. 'مسموح لنا نكون سعدا. حتى لو بيخوفنا.'
باس صوابعها. 'أنتِ سعادتي يا ألينا. وبتخوفيني بأحسن طريقة.'
ضحكوا، وبعدين وقعوا في الصمت تاني – متلففين في بعض، السما بتتمد إلى ما لا نهاية فوقهم.
لأول مرة في رحلة طويلة، وحشية، ماكانوش بس بينجوا.
كانوا عايشين.
وفي المسافة بين كل دقة قلب، بدأوا يكتبوا شكل للأبد.
الصبح اللي بعده، البحيرة كانت متغطية في ضباب خفيف، المية هادية أوي لدرجة إنها بتبان سر بيتحفظ. ألينا كانت واقفة على الرواق متلففة في كارديجان تخين، وحاضنة مج سخن في إيديها الاتنين. شعرها كان لسه مش مظبوط من النوم، وشها من غير مكياج، ومع ذلك ديمون كان فاكر إنها عمرها ما بانت أروع من كده.
شافها من جوه، متسند على إطار الباب، مبسوط بس إنه يشوفها.
حست بيه هنا ودارت، عينها لينة ومليانة نور هادي.
'ماسمعتش إنك قمت,' قالت.
'ماكنتش عاوز أصحيكي.' خرج ووقف جنبها. 'بانت إنك هادية.'
'كنت,' قالت، وهي بتاخد رشفة قهوة. 'المكان ده... بيحس إني بتنفس تاني.'
ديمون حط دراعه حوالين وسطها، وشدها في دفاه. 'ده اللي كنت عاوزه يكون.'
وقفوا كده لفترة، الأصوات الوحيدة اللي كانت عصافير في المسافة وترفرف الأسماك اللي بتطفو في البحيرة. كان نوع الهدوء اللي بيخلي قلبك يتسع، نوع الهدوء اللي بيعالج حاجات الكلام مايقدرش يوصلها.
في النهاية، مشيوا في الطريق الصغير اللي بيوصل للرصيف. ديمون جاب بطانية وفرشها. ألينا استلقت ورأسها على رجليه، عينيها مقفولة للشمس اللي بتطلع. هو مرر صوابعه في شعرها في حركات بطيئة، مدروسة.
'كنت بفكر,' قالت بهدوء.
'خطر,' هزأ.
ابتسمت بس مافتحتش عينيها. 'عنا. عن اللي هيحصل بعدين.'
'و؟'
'عاوزة أكتر من ده,' قالت. 'مش بس نهاية الأسبوع الهادية أو الراحة. عاوزة حياة معاك يا ديمون. الأجزاء اللي مش منظمة. الأجزاء الغير مؤكدة.'
'أنتِ بالفعل عندك.'
'أنا عارفة. بس… أعتقد إني عاوزة أبني حاجة معاك.'
وقف، وأطراف صوابعه بتستقر على رقبتها. 'تبني إيه؟'
'مستقبل. حاجة مش لازم تستخبى تاني. يمكن ده معناه الكتابة تاني. يمكن العودة للمدرسة. يمكن—' ترددت. '—يمكن حتى عيلة في يوم من الأيام.'
قلبه وقف في صدره.
عيلة.
ماكانتش كلمة سمح لنفسه يفكر فيها من سنين. المخاطر، الماضي، الحاجات اللي عملها. كان فاكر نفسه مدمر أوي، مدفون أوي في ظلاله. بس الطريقة اللي قالتها بيها – مليانة أمل، صادقة – كسرت حاجة جواه.
مسك خدها بهدوء. 'تفتكري ممكن نكون الناس دي؟'
'أعتقد إننا بالفعل كده.'
باس جبهتها، وضغط على وزن الحقيقة دي في جلدها. 'لو عاوزة مستقبل، هيكون عندك. أي شكل يكون. هنبنيه سوا.'
في المساء، طبخوا عشا جنب بعض، ضحك بيملى الكوخ لما ألينا حرقت خبز التوم وديمون ادعى إنه بينظم تدخل رسمي. كان فيه دقيق في شعرها وصلصة على قميصه، وحست إنها أكتر حميمية من أي عشا على ضوء شمعة كانوا عملوه قبل كده.
بعدين، وهم قاعدين على الرواق مع النبيذ وشافوا القمر بيطلع على البحيرة، ألينا اتكوّرت جنبه، ورأسها على صدره.
'عمري ما حسيت بالأمان كده,' همهمت.
'ولا أنا.'
بصت له، وصوتها هادي. 'عمرك فكرت في الناس اللي كناهم؟'
'طول الوقت,' قال. 'بس جابونا هنا. كل قطعة مكسورة، كل منعطف غلط. مابندمش على أي حاجة – لو كان ده معناه إني ألاقيكي.'
دموع اتجمعت في عينها، بس ما بَعدِتش نظرها. 'أنا بحبك يا ديمون.'
لم فكها، ثابت وموقر. 'أنا بحبك أكتر من أي حاجة عرفتها.'
وفي الكوخ ده جنب البحيرة – محاطين بالهدوء، متلففين في مستقبل مازالوا بيكتشفوه – حبوا بعض زي الناس اللي ماعندهمش حاجة يثبتوها وكل حاجة لسه عاوزين يدّوها. ماكانش سريع أو مدفوع بالخوف. كان بطيء، عبادي. مليان إني أحبك اللي بتتهمس ووعد بتخيط في كل لمسة.
لما ناموا في ذراعين بعض، كان على صوت البحيرة وهي بتلطم بهدوء على الرصيف وقلوبهم بتدُق أخيرا في تناغم مع السلام.
عدوا من النار.
ودلوقتي، كانوا بيبنوا حياة بين الجمرات – طوبة رقيقة في كل مرة.