عن الصباحات الهادئة والوعود غير المعلنة
السماء في نيويورك كانت بتلمع في ضوء الصباح الباكر، خطوط من الوردي والذهبي بتنتشر في الأفق زي ضربات الفرشاة على قماش. من شرفة البنتهاوس، ألينا كانت واقفة ملفوفة بروب ناعم، كوب قهوة بين إيديها، وبتراقب المدينة وهي بتصحى تحتها. كان فيه هدوء غريب في الوقت ده. ضوضاء المرور، الأبواق البعيدة، حتى زحمة الناس اللي بتجري عشان تبدأ يومها—ما بقتش بتخنق. حسيت… إنها عايشة.
وراها، صوت أوراق السرير الخفيف كسر الصمت.
ديمون اتحرك في السرير، جسمه بالكاد متغطي بالملايات البيضا النضيفة، والظلال الغامقة تحت عينيه بدأت أخيرًا تختفي بعد ليالي كتير بلا نوم. إيده وصلت للمساحة اللي هي سابتها وراها، صوابعه بتلمس الدفا اللي هي سابته وراها.
"قهوة،" هي قالت بهدوء، وهي بتدور ناحيته.
هو قعد، عيونه بتتقابل مع عيونها. "إنتي قرأتي أفكاري."
هي مشيت ووضعت الكوب في إيديه. أخد رشفة، عينيه عمرها ما سابت عيونها.
كان فيه حاجة مختلفة بينهم دلوقتي—مش مكسورة، مش متوترة، بس أتقل بطريقة خلت كل لحظة هدوء تحس إنها مقدسة. هما نجوا أحياء. فيكتور اتحبس. الماضي، بكل أشباحه وخرابه، بقى وراهم.
بس الشفا مش بيجي في لحظة. الحب مش سهل.
وألينا كانت حاسة بده—في طريقة ديمون بيبص عليها، دايما أطول بثانية من اللي كان متعود. في طريقة إنها بتمسك إيده حتى لما كانوا قاعدين في صمت، محتاجة الطمأنينة اللي بيديها وجوده.
"مانمتش كتير،" هي قالت، وهي بتلتف جنبه في السرير.
"ولا إنتي."
"كنت عمالة أفكر… لو ده حقيقي. لو إحنا فعلا بأمان دلوقتي."
هو هز راسه ببطء. "أنا بسأل نفس السؤال."
ما بقاش فيه تمثيل بينهم تاني. لا طبقات من الأسرار أو نص الحقيقة. هما اتجردوا من كل حاجة بالنار والفوضى، ومابقيش معاهم غير حقيقة مين هما وإيه اللي بيحسوه لبعض.
ديمون دار ناحيتها وحط خصلة شعر ورا ودنها. "إيه اللي ممكن يحصل عشان تخليكي تصدقي إحنا بأمان؟"
ألينا ترددت، وعيونها بتدور في عيونه. "وقت. حياة طبيعية. إنت."
هو ابتسم ابتسامة خفيفة، بس كان فيه حزن فيها كمان. "الحياة الطبيعية مش حاجة متعود عليها."
"مش لازم تدّيها. هنعملها. سوا."
هو باس جبهتها، بيطول، كأنه بيحاول يحفظ شكل بشرتها على شفايفه.
تحت، رومان كان مستني بالتحديثات—أوراق، مواعيد في المحكمة، تغييرات أمنية. لوسيا بدأت بالفعل في نقل اللي باقي من العملية القديمة. كان فيه حاجات كتير لازم تتعمل لسه، وعقد كتير لازم تتحل من العالم اللي ديمون بناه في الظلال. بس دلوقتي، بس في الصبح ده، ألينا كانت محتاجة ده—محتاجاه هو.
بعدين، لما اليوم ييجي عليهم، هيرجعوا يبقوا أقويا، حاسمين، استراتيجيين.
بس في اللحظة الهادية دي، هما كانوا بس شخصين بيحبوا بعض، بيداووا جروح قديمة، وبيتعلّقوا بنوع من السلام الهش.
"تعرف،" هي همهمت، وأصابعها بتلمس صدره بخفة، "كنت متخيلة شكل الحياة لو طلعنا."
ديمون بصلها. "و؟"
"عمرى ما تخيلت ده… بس أعتقد إنه أحسن."
هو لف دراعاته حواليها، وهو حاضنها. "هنعمل حاجة حقيقية المرة دي، ألينا. مفيش أسرار. مفيش جري."
هي بصلته، وصوتها بالكاد همس. "أوعدني؟"
إيده لقت إيدها تحت الغطا. "أقسم."
وفي اللحظة دي، مع المدينة اللي بتصعد بالضوضاء والنور والبدايات الجديدة، هما فضلوا متلفين في هدوء الحب اللي بيجي من الألم، واللي اتشكل في النار.
لإن بعض القصص مابتخلصش بمعركة أخيرة.
هي بتبدأ باللي بييجي بعدها.
الفصول الجاية لسه ما اتكتبتش. بس للمرة دي، كان عندهم فرصة يكتبوها سوا.
الساعات عدت ببطء في دفء شمس الصبح. لا ديمون ولا ألينا اتحركوا من السرير لفترة طويلة، واختاروا إنهم يفضلوا متشابكين في الصمت، النوع اللي بيتكلم بصوت أعلى من الكلام. كانت أول مرة من شهور إن ولا واحد فيهم يحس إنه بيتهدد—من الأعداء، أو بالذنب، أو بماضيهم.
ألينا ساندت راسها على صدر ديمون، وبتسمع لضربات قلبه المنتظمة. حسيت إنها البيت. الإيقاع اللي هي حفظته في ليالي لما النوم كان غريب، لما الخوف دخل زي حرامي. ده—اللحظة الهادية دي—كانت أعمق من أي لمسة، أي كلام همس.
"لسة عمالة أفكر في أول ليلة اتقابلنا فيها،" هي قالت في الآخر، وصوتها كان ناعم بالذكريات. "كنت لغز. خطر. كل حاجة كان المفروض أهرب منها."
إيد ديمون رسمت دوائر لطيفة على ضهرها. "ومع ذلك، ما هربتيش."
"كان المفروض أهرب،" هي هزرت، وبعدين رفعت راسها عشان تشوف عينيه. "بس أعتقد إن جزء مني كان عارف… حتى وقتها. إن فيه حاجة أكتر ورا الخطر."
هو بصلها بنوع من الدهشة، كأنها هي اللغز الوحيد اللي عمره ما هيحله. "إنتي كنتي جريئة. حتى لما اديتك كل سبب عشان ماتثقيش فيا."
"لأ،" هي قالت بهدوء. "كنت مرعوبة. بس وثقت فيك على أي حال."
عيونهم فضلت متقاطعة، وفي المساحة دي بين الأنفاس، بين ضربات القلب، هما الاتنين عرفوا الحقيقة: اللي نجوا منه مكنش مجرد حرب—ده كان ميلاد جديد. والحب اللي طلع منه مكنش النوع الساذج، اليائس. ده اتشكل من الألم، واتحط تحت اختبار النار، وثبت إنه حقيقي.
"لسة بتعلم ازاي أعيش من غير الفوضى،" ديمون اعترف. "من غير ما أفضل أبص حواليا."
"ده عادي،" ألينا ردت. "هنتعلم سوا."
هو ابتسم، وهو بيمس شفايفها على خدها. "إنتي بتباني واثقة جدا."
"أنا واثقة،" هي قالت. "لإننا نجونا. ده معناه حاجة. ده معناه إننا هنختار دلوقتي."
خبط على الباب، ناعم بس مستمر.
ديمون غصب عنه قام من السرير، ولبس قميص. ألينا قعدت، ولفّت الروب حواليها أكتر، وهي بتتبعه لبرة في غرفة المعيشة المليانة نور الشمس.
لوسيا كانت واقفة في المدخل، تعبيرها الحاد عادة، بقى ناعم بالإرهاق وحاجة تانية—الراحة.
"لسة وصلتنا كلمة،" هي قالت. "الإنتربول قفل الملف رسمي. فيكتور مش هيمشي حر في أي وقت قريب. هو بيواجه تهم في ست دول. انتهى."
ألينا طلعت نفس طويل مكنتش عارفة إنها حبساه.
لوسيا دخلت، وهي بتبص بينهم. "اعتقدت إنكوا هتحبوا تعرفوا الأول. وكمان، رومان رجع لبراغ عشان يقفل الأمور. هو طلب مني أبقى هنا—أراقب الأمور لحد ما الغبار يهدى خالص."
ديمون هز راسه. "شكرا، لوسيا."
لوسيا بصت لألينا، وصوتها أصبح أنعم دلوقتي. "إنتي عملتيها. انتوا الاتنين. حولتوا حاجة ضلمة لحاجة تستاهل إنكوا تقاتلوا عشانها."
بعد ما لوسيا مشيت، ديمون دار لألينا. "طيب… إيه دلوقتي؟"
هي ابتسمت، ابتسامة بطيئة، فيها أمل. "دلوقتي هنعمل كل الحاجات اللي قولنا إننا عمرنا ما هنقدر نعملها."
هو رفع حاجبه. "زي؟"
"زي برانش في مكان عام. نمشي إيد في إيد من غير ما نبص حوالينا. ممكن حتى نروح مكتبة من غير ما حد يفضل يتبعنا."
"متهور،" ديمون قال بابتسامة ساخرة، وهو بيشدها جنبه.
"أنا عارفة،" هي قالت، وهي بتضحك. "بس إحنا نستاهل نكون متهورين دلوقتي. إحنا نستاهل حياة طبيعية."
وعلى الرغم من إنهم الاتنين عرفوا إن الطريق قدام مش هيكون مثالي—إن هيكون فيه تحديات لسه، وشفاء، ومحادثات طويلة عن الأجزاء من نفسهم اللي لسه بيتعلموا يستعيدوها—هما أخيرًا كانوا على نفس الطريق، بيمشوا لقدام سوا.
في وقت متأخر من المساء ده، هما وقفوا على البلكونة تاني، وبيتفرجوا على المدينة وهي بتستحم في الدهب مع غروب الشمس.
ألينا مالت على جنب ديمون، وهو لف دراعه حواليها.
"مفيش تمثيل تاني،" هي قالت بهدوء. "مفيش اختباء تاني."
"مفيش وحوش تاني،" هو رد.
هما فضلوا واقفين لحد ما النجوم بدأت تظهر من السما اللي بتضلم، صامتين ومؤكدين. لأول مرة، المستقبل مابصش كأنه عاصفة. بص كأنه احتمال.
والمرة دي، كان ملكهم.