رماد الإمبراطورية
الهدوء اللي عمّ على البنتهاوس بعد ما طاح أدريان كان مو طبيعي. الطنين في ودان ألينا صار أعلى مع كل ثانية بتمر، جسمها لسه بيهتز من بقايا الأدرينالين. ديمون واقف من غير حركة، عيونه مثبّتة على جثة الرجل اللي كان في يوم من الأيام صاحبه وأكبر عدو له.
دم أدريان تجمع حواليه، بيتشرّب في السجاد الفخم، بيصبغ الأرضية النظيفة. ما كانش فيه خطاب أخير درامي، ولا حتى محاولة يبرّر فيها نفسه. أدريان بكل بساطة راح. بكل قوته، بكل تلاعبه، بكل الأرواح اللي دمّرها، وصل لكده— مجرد رصاصة واحدة قطعت كل حاجة بناها.
ديمون ما اتحرّكش، وشه بارد ومش مفهوم زي الحيطان الفولاذية اللي كانت محاوطاهم. ألينا قدرت تشوف العاصفة بتيجي جواه، على الرغم من كده. ما كانش واقف بس بينتصر. كان بيحسب، بيحلّل اللي حصل بعد كده، بيحاول يفهم عالم اتقلب رأساً على عقب فجأة.
نفس ألينا كان سطحي. 'خلص,' همست، صوتها كان أجش.
عيون ديمون راحت عليها، وفي جزء من الثانية، شافت حاجة فيهم— حاجة خام. بس اختفت بسرعة، واتبدلت بالقناع اللي مابيضعفش اللي بيلبسه كويس. هز رأسه، بالكاد بيعترف بكلماتها، وراح تاني للاهتمام بشكل أدريان اللي مالهوش حياة.
'إحنا كسبنا,' قال، صوته كان واطي، وبعيد.
الكلمات علّقت في الهوا، بس ألينا ما قدرتش تتخلص من الإحساس إن في حاجة غلط. كانوا بيحاربوا عشان اللحظة دي— عشان نهاية أدريان، عشان انهيار إمبراطوريته— بس دلوقتي بعد ما جت، السكوت حسّته تقيل لدرجة لا تُحتمل.
'أنت مش مرتاح,' قالت، بتقرب أكتر. قدرت تشوف ده في التوتر في كتافه، وقوة فكّه. ما كانش بيستمتع في انتصاره. كان مجرد واقف في خراب اللي فات، ولسبب ما، كان بيخنق أكتر من الخطر اللي واجهوه من شوية.
ديمون طلع زفير، عيونه بتتنقل بين المشهد المليان بالدم قدامه وألينا. 'لأ,' تمتم، صوته كان متوتّر. 'مش مرتاح.'
ألينا ما عرفتش ترد. الرجل اللي كان في يوم من الأيام ظل للملياردير اللي مابيهمهوش غير الفلوس اللي كان بيحكم الإمبراطورية، دلوقتي بقى شخص بالكاد بتعرفه.
'ليه؟' سألت بهدوء. 'ليه ده مش اللي أنت كنت عايزه؟'
عيون ديمون قسيت، ولأول مرة، بدا وكأنه... إنسان تقريباً. هز رأسه، شفايفه مضغوطة في خط رفيع. 'مش بس عن إننا نطيح أدريان. عن كل حاجة اضطريت أعملها عشان أوصل لهنا. الناس اللي خسرتهم. الحاجات اللي دمّرتها عشان أحمي اللي يخصّني.' بصّت لعيونها، عيونه كانت غامقة. 'إيه فايدة المكسب يا ألينا، لو مفيش حاجة فاضلة تِتْحَافَظ عليها؟'
ألينا بلعت بصعوبة. 'تقصد إيه؟'
'خسرت نفسي في كل ده,' اعترف ديمون، صوته كان واطي، كأن الاعتراف ده غريب عليه. 'الحرب دي... أكلتني. ودلوقتي، بعد كل إراقة الدماء، بعد كل اللي عملته، إيه اللي فضل عندي؟ القوة؟ الإمبراطورية؟' سخر بمرارة. 'أنا مش بهتم بأي حاجة من ده تاني.'
تقّل كلماته ضرب ألينا أصعب مما توقعت. دايماً شافت ديمون كراجل بيتحرك بالطموح، والانتقام، والحاجة إنه يحمي كل حاجة بتعز عليه. بس هنا، واقف في وسط الدمار، كان واضح إن ديمون خسر حاجة قيمتها أغلى بكتير من أي حاجة بناها على الإطلاق.
قربت أكتر، وحطّت إيديها بلطف على دراعه. 'عندك إياي.'
عيون ديمون لانت لأقصر لحظات قبل ما ترجع الحافة القوية. 'هل؟' سأل بهدوء. 'إيه لو ده ما كفاش؟ إيه لو ما كفاش أبداً؟'
ألينا قدرت تحس بالرعشة في صوته، وعدم اليقين اللي كان بيستمر تحت السطح على طول. كانت حاجة ما شافتهاش فيه قبل كده— حاجة هشة، متخبّية تحت درع الراجل اللي سيطر على عالم ما كانش يخصه. الراجل اللي وصل بكل حاجة للحافة، ودلوقتي، على حافة الهاوية، بيتساءل إيه الهدف من كل ده.
لفترة طويلة، وقفوا هناك في صمت. الصوت الوحيد كان همهمة المدينة البعيدة، النبضة الفوضوية لعالم شكله بعيد جداً عن العاصفة الهادية اللي بتيجي جواهم.
أخيراً، ديمون اتكلم تاني، صوته كان بعيد، وتقريباً مستسلم. 'مش عارف إيه اللي بيحصل بعد كده. مش عارف لو أقدر أكمل بعد ده.'
'خلاص يبقى ما تكملش,' قالت ألينا، صوتها كان حازم. 'ما تكملش لو مش حاسس إنها صح. عملت اللي حددته إنك تعمله. رجعت السيطرة. بس مش لازم تفضل تحارب.'
نظرة ديمون راحت عليها، وتقّل كلماتها استقرّت. للحظة، الحافة اللي في عيونه لانت، ولأول مرة من فترة طويلة، سمح لنفسه إنه يتنفّس. 'إيه لو ما عرفتش أوقف؟'
ألينا هزت راسها، صوابعها بتتشد على دراعه. 'مش لازم تعملها لوحدك تاني. خلّيني أساعدك.'
اللين في صوتها، الدفء في لمستها، كان زي البلسم للقساوة اللي جواه. ديمون غمّض عيونه للحظة قصيرة، موجة من الإرهاق غسلته. معركة السيطرة كلّفته كل حاجة— ومع ذلك، ولأول مرة، تساءل لو كان فيه حاجة تانية تستاهل إنه يحارب عشانها.
'ألينا...' صوته كان سميك، كأن الكلمات غريبة، صعب إنها تتقال. 'مش عارف أصلّح ده. إزاي أصلّحني.'
'مش لازم تصلح نفسك,' ردّت ألينا، صوتها ما بيتهزش. 'هنظبط ده سوا. بس مش هتقدر تعملها لوحدك. مش أكتر.'
نفس ديمون اتقطع، ولما فتح عيونه، القوة اختفت، ما فضلش غير راجل— ضعيف، مكسور، بس لسه عايش.
راجل عدّى من أظلم ليلة، بس اكتشف إن النور ما كانش بعيد زي ما كان فاكر.
وممكن، ممكن بس، لسه فيه أمل ليهم هم الإثنين.
المدينة بره استمرّت في الحياة، مش واعية بالتغييرات اللي بتحصل في أعماقها. ديمون وألينا وقفوا على حافة بداية جديدة، حطام إمبراطورية أدريان بيتطاير على رجليهم. ما يعرفوش إيه اللي هيحصل في المستقبل، بس كانوا مستعدين يواجهوه سوا.
العالم اتقلب رأساً على عقب، بس لأول مرة من فترة طويلة، كان فيه إحساس بالسلام بينهم.