الهدوء الذي يلي
ضوء الشمس اتسرب بهدوء من خلال الستاير، دهبي و دافي — نوع الضوء ده اللي بيجي بعد ما العاصفة بتخلص. ألينا اتحركت تحت الملايات، جسمها ملفوف في هدوء عمرها ما عرفته من شهور. لأول مرة في اللي حسّت انه للأبد، مفيش حاجة بتضغط على صدرها لما فتحت عنيها.
مجرد سكون.
مجرد سلام.
لفّت راسها و لقت ديمون نايم جنبها، دراع واحد مرمي بكسل على الملايات، التاني متني قريب من صدره. كان فيه حاجة طفولية في الطريقة اللي بينام بيها لما الدنيا مبتضغطش عليهم — فكه ما بقاش مشدود، جبهته ناعمة. ممكن يوصف بالضعف، حتى دلوقتي.
ألينا مدّت ايدها و لمست بصباعها على ظهر ايده. افتكرت اد ايه الايد دي كانت ماسكة ايدها جامد في عز الفوضى، اد ايه حميتها بشدة وسط الرصاص و الدم. و دلوقتي، مجرد مستريحة. بأمان.
قامت بهدوء، و هي مركزة عشان ما تصحيش، و اتسللت في روب قبل ما تمشي حافية في المطبخ المشمس. الشقة اللي لوسيا جهزتهالهم في فيينا كانت متواضعة، بس دافية و هادية. حست انها عايشة فيها بالفعل، حتي لو كانوا فيها كام يوم بس. زي كأن الحيطان اتشربت ارهاقهم و حولته لحاجة ألطف.
رومان كان بالفعل عند البار، في ايده مجين قهوة. بص عليها و عرض عليها واحدة.
"ما سمعتكش و انتي جاية" قالت بهدوء، و هي بتاخد الكوباية.
"ما كنتش عايز أصحي حد" ردّ. "غير كده، عادات قديمة."
ألينا شربت القهوة، و خلت الدفا يريحها. "غريب."
"ايه؟"
"بكون في الناحية التانية. من الحرب. من أدريان. بفضل متوقعة ان حد يخبط على الباب أو تليفون يرن بخبر وحش."
رومان هز راسه. "البارانويا دي مش بتروح في يوم وليلة. بس هتتعودي على الهدوء."
بصت من الشباك، و هي بتتفرج على المدينة و هي بتبدأ الحياة تحت. "و انت؟ ايه اللي هيحصل دلوقتي؟"
"بفكر اختفي شوية. ايطاليا، ممكن. في مكان ما فيهوش أسلحة و فيه خمر كتير."
ألينا ابتسمت. "ده مش شكلك."
"بالظبط." سكت، بعدين أضاف، "انتوا الاتنين لازم تاخدوا بريك حقيقي. روحوا مكان محدش يعرف اسمائكم فيه. لا أسماء مستعارة. لا خطط بديلة."
الفكرة استقرت في صدرها زي بذرة مستنية تزهر.
رجعت لغرفة النوم بعد شوية و لقت ديمون قاعد، بيفرك النوم من عنيه. ملامحه خفّت لما شافها.
"صباح الخير" قال، صوته لسه تخين من النوم.
مشيت و طلعت في السرير جنبه، و هي بتغطي نفسها تحت دراعه. "رومان بيقول اننا لازم نختفي شوية."
ابتسم ابتسامة خفيفة. "احنا بالفعل أشباح في نص العالم."
"مش النوع ده من الاختفاء. النوع الحقيقي. في مكان هادي."
ديمون بص عليها، و هو بيمشط خصلة شعر ورا ودنها. "انتي عايزة كده؟"
"أعتقد كده" قالت، بأمانة. "مش للأبد. بس بالقدر الكافي عشان اتنفس. بالقدر الكافي عشان نعرف احنا مين من غير كل الظلال."
هز راسه، و هو بيقربها منه. "طيب هنروح."
—
قضوا الكام يوم اللي بعد كده في تقفيل كل حاجة. لوسيا رتبت لنقل كل المعلومات للسلطات المختصة. الملفات اتنظفت، الحسابات اتجمدت، الاسامي اتشالت. امبراطورية أدريان كانت بتنهار بهدوء في كل أوروبا، من غير العرض الاعلامي اللي ممكن تكون بتستحقه. بس دي كانت الخطة. مفيش عناوين رئيسية. مفيش انكشاف. مجرد مسح.
ألينا ساعدت لوسيا في انها تخلص التقرير الأخير، صوابعها بتطير على مفاتيح اللاب توب. "عمري ما فكرت اني هكون الشخص اللي بيكتب نهاية سلالة مجرمين" قالت كتهكم.
"انتي ما كتبتيش النهاية" لوسيا ردت. "انتي نجوت منها."
في الليلة دي، قعدوا كلهم على العشا الأخير في الشقة. أكل بسيط. ضحك ما كانش مجبر. رومان حكى قصة عن مهمة مراقبة فاشلة في براج خلت ديمون يشرق في مشروبه، و حتي لوسيا ابتسمت ابتسامة نادرة.
لما الأكل خلص، و الأطباق اتشالت، ألينا قامت و رفعت الكوباية بتاعتها.
"للناس اللي عمرهم ما استسلموا للحقيقة" قالت، بصوت ثابت. "للي فقدناهم، للي وقفوا معانا، و لنسختنا اللي هتعيش أخيرا."
شربوا في صمت، اللحظة استقرت عليهم زي بطانية دافية.
—
بعد يومين، ألينا و ديمون طلعوا طيارة من غير تذكرة رجوع. اسمائهم ما كانتش في القايمة. وجهتهم ما تسجلتش في أي نظام. ما كانش مهم رايحين فين. اليونان. المغرب. ممكن جنوب فرنسا. في مكان فيه شمس. في مكان فيه صمت.
قعدوا جنب بعض، ايديهم متشابكة، بيتفرجوا على الغيوم و هي بترتفع حواليهم و هما طايرين في السما.
و لأول مرة من لما حياتهم اتقابلت في دوامة من الخطر و الأسرار، ما كانوش بيهربوا.
كانوا… بيمشوا.
مع بعض.
مفيش أشباح تاني.
مفيش حرب تاني.
مجرد هدوء.
و بعضهم.
السما بره شباك الطيارة اتحولت لدرجة لون ذهبي و أزرق و هما بيمشوا فوق البحر الأدرياتيكي. ألينا ضغطت جبينها على الزجاج البارد، و هي بتتفرج على الغيوم و هي بتتغير زي ضربات فرشاة لعالم اتولد من جديد.
ايد ديمون لقت ايدها تاني من غير ما يتكلم. صوابعهم اتشابكت، مالوفة و سهلة دلوقتي. ما كانش بيقول كتير من لما الطيارة طلعت، بس ما كانش لازم. كان فيه نوع هادي من التفاهم بينهم — واحد اتشكل مش في الراحة، بس في الفوضى. و دلوقتي، في الهدوء النادر ده، كانوا بيتعلموا ايه معني الوجود بره وضع البقاء على قيد الحياة.
"مش عارفة اعمل ايه بالسلام" ألينا همست في النهاية، صوتها ضاع في همهمة الموتور.
ديمون بص عليها، عينيه لينة. "بتتعلمي تعيشي فيه. نفس واحد في كل مرة."
بصت عليه، و هي بتتسائل ازاي راجل متعود على الضلمة ممكن يتكلم عن النور بثقة هادية بالشكل ده. بس ممكن ده اللي بيعمله الحب. ممكن ده اللي بيخليه الشفاء شكله — مش نسيان الماضي، بس اختيار انك ما تخليهوش يبتلعك بالكامل.
"بتوحشك؟" سألت. "الاندفاع، الخطر؟"
خلا السؤال يستقر بينهم للحظة، بعدين هز راسه. "أحيانا. بس مش أكتر من اني بحب اصحي و اشوفك عايشة. مش أكتر من اني عايز يكون لينا مستقبل."
ألينا رجعت للسما، صدرها دافي بطريقة مالهاش علاقة بالشمس. فكرت في كل اللي نجوا منه. الخيانة. الخوف. الدم. و بطريقة ما، ادينا اهو، في الناحية التانية.
لسه واقفين.
لسه مع بعض.
—
وجهتهم كانت جزيرة هادية قبالة ساحل كرواتيا، ممكن الوصول ليها بس بالعبارة، متخفية عن خرائط السياح. لوسيا امنت عليها تحت ائتمان مجهول، و للشهر اللي بعد كده — أو للمدة اللي يحتاجوها — هتكون بتاعتهم.
الفيلا كانت على تل بتطل على البحر، حيطانها البيضاء بتقبلها اشعة اللبلاب، التراسات بتاعتها متضللة بأشجار البرتقال و الكروم المزهرة. طريق صغير بيودي لشاطئ خاص اللي فيه الأمواج بتلطم على الحجارة الناعمة في صمت منتظم.
ألينا خرجت على التراس في أول يوم ليهم، في ايدها مج قهوة بتدخن. الهوا كان ريحته ملح و حمضيات دافية بالشمس. ديمون كان بالفعل تحت عند المية، من غير قميص، جينزاته مرفوعة، رجليه في المية. اتفرجت عليه شوية، الوجع المألوف من الدهشة بيملا صدرها. كان شكله بني آدم أكتر هنا. على طبيعته أكتر.
بعد كده، سبحوا مع بعض، البحر كان بارد و صافي. ديمون سحبها لتحت عشان بس يمسكها في دراعاته، و يبوسها زي كأن معاهم الوقت كله في الدنيا. لأن هنا، كان معاهم.
استكشفوا الجزيرة بالنهار، غالبا في صمت، غالبا بيضحكوا. طبخوا مع بعض، اتخانقوا على دور مين في غسل الأطباق، قرأوا روايات على نفس السرير اللي بياخد شمس. الليالي كانت رقصات بطيئة على الباتيو تحت الأنوار السحرية و النجوم، الموسيقى كانت جاية من سماعة صغيرة و ايديهم الممسوكة ببعض.
أحيانا، ألينا لسه بتصحي بتلهث من صدى الكوابيس. أحيانا ديمون لسه بيقعد على حرف السرير في الساعات الأولى، بيفرك صدغه، مهووس بوجوه و نار. بس دلوقتي، كان معاهم بعض عشان يرجعوا ليه. ايد يمسكوها. صوت يثبتهم. وعد بالبقاء.
في أمسية، و هما قاعدين جنب حفرة نار بيتفرجوا على الشمس و هي بتغرق في البحر، ألينا لفت ليه و قالت، "عمرك فكرت اننا كنا هننتهي هنا لو كنا اتقابلنا بأي طريقة تانية؟"
ديمون بص عليها للحظة طويلة قبل ما يجاوب. "لأ" قال بأمانة. "بس ما أعتقدش اننا كنا مفروض نتقابل بأي طريقة تانية. احنا هنا بسبب اللي مرينا بيه. و بسبب اننا اخترنا بعض، و بعد بعض."
مدّت ايدها ليه، و هي بتشبك صوابعهم. "طيب خلينا نستمر في اختيار بعض."
ميل عليها و باسها على جبينها. "دايما."
—
أسابيع عدت.
الدنيا بره بتستمر في الدوران. أسماء جديدة ملأت العناوين الرئيسية، قصص جديدة سيطرت على الاعلام. ارث أدريان نايت انحل بهدوء لتراب، ذكرى بالفعل بتنزلق من الوعي العام. العدالة، بالرغم من انها صامتة، تم تحقيقها.
بس في الجزيرة دي، الوقت اتحرك بشكل مختلف.
ما كانش للأبد، و هما الاتنين عارفين كده. في يوم من الأيام، هيمشوا. هيكون فيه مدينة جديدة، مهمة جديدة، ممكن حتي رجوع للعالم اللي كاد انه يكسرهم. بس دلوقتي، ده كافي. مش لأن ده مثالي، بس لأنه حقيقي.
و الحقيقي هو كل حاجة.