جمر ورماد
في عز النهار، فيينا كانت لسه بتدخن. الدخان كان بيطلع من الشبابيك المكسرة، وبيطير في الهوا زي أشباح بتهرب من كنيسة ملعونة من زمان. المبنى اللي كان فخم – حصن أدريان، قوة أدريان – دلوقت في حالة خراب، أسراره انكشفتي، وظلاله بتسيح في النهار.
ألينا وقفت على البلكونة في البيت الآمن اللي قريب، بتبص على المدينة. من هنا، الأفق بيلمع بأمل، من غير أي آثار للعنف اللي حصل قبل ساعات. بس هي لسه حاسة بيه – تحت جلدها، في عضمها. الطريقة اللي كل حاجة اتكسرت بيها.
وراها، الأخبار كانت شغالة بصوت واطي على التليفزيون. كلمات زي “مطاردة مجرمين” و”مؤامرة عالمية” و”إمبراطورية تحت الأرض” كانت بتتنطط على الشاشة بخط أحمر عريض. الإنتربول سيطروا على المبنى. أدريان أُعلن رسميًا مجرم حرب دولي. صور قبضوا عليه كانت بتنتشر بالفعل – هو متقيد بالأصفاد، محاط بعملاء في الظل، كبريائه اللي بيميزه خفت لدرجة أنها بقت شبه إنسانية.
شبه.
خبط على الباب.
اتلفتت لما دخل ديمون، لابس قميص جديد، بنطلون جينز غامق، ونوع الإرهاق اللي مفيش نوم هيقدر يمحيه.
“هينقلوا أدريان النهاردة بالليل” قال. “قافلة أمن مشدد. الإنتربول، السي أي إيه، الإم أي 6 – كلهم بيحطوا اللمسات الأخيرة.”
“تفتكر إنه هيتكلم؟”
ديمون ضحك ضحكة ناشفة. “أدريان؟ هيفضل يختنق في أسراره. بس الملفات اللي لقيناها؟ كافية وزيادة. يقدر يتعفن في صمت.”
ألينا مشيت ناحيته، ودخلت إيديها في إيديه. “خلص بجد؟”
بص عليها شوية. وبعدين هز راسه. “الحرب خلصت. بس التنضيف لسه هيبدأ.”
السكون ساد بينهم – مريح دلوقت، مش مشحون. ديمون باس جبينها وقادها عالكنبة، وقعدوا وإيديهم متشابكة.
“بيعرضوا عليا حاجة” قال بهدوء.
اتلفتت عليه، مركزة. “إيه هي الحاجة دي؟”
“تصريح كامل. فرصة إني أساعد في إعادة البناء. مش بس تتبع التهديدات – بس أساعد في إيقافها قبل ما تبدأ. من جوه.”
قلب ألينا اتقبض. “ده كبير.”
“أيوة.”
“هتاخدها؟”
“هاخدها” قال. “بس لو معاكي.”
غمزت. “معايا؟”
“أيا كان اللي هيحصل بعد كده – أيًا كان اللي هيصبح عليه. مش عايز أبني حاجة أحسن إلا لو كنتي فيها.”
ألف فكرة طافت بيها مرة واحدة – عن الماضي، والألم، والدم على إيديهم. بس في عيون ديمون، شافت حاجة ما شافتهاش من الأول.
أمل.
“موافقة” همست.
ابتسم. مش الابتسامة الحادة، اللي بتخفي بيها مشاعرها اللي كانت بتعرفها زمان. دي كانت حقيقية. صريحة. إنسانية.
ألينا قربت منه، وسندت راسها على كتفه لما المدينة بدأت تتحرك تحتها. فيينا كانت بتصحى. العالم كان بيمشي قدام.
وهما كمان.
—
في الضهر، رومان ولوسيا وصلوا، هما الاتنين شايلين صناديق ملفات وأدلة، تعابيرهم كئيبة بس راضية.
“الداتا بتتعمل منها نسخ في خمس أجهزة مخابرات” قالت لوسيا، وهي بتحط هارد ديسك على الترابيزة. “حتى لو حد حاول يدفنها، هتظهر تاني. ميراث أدريان مش هيتكتب من جديد.”
رومان رمى ملف على الكنبة. “لازم تشوفي مين اللي بيهرول بالفعل. سياسيين بيستقيلوا. مدراء تنفيذيين بينكروا أي علاقة. التأثير عالمي.”
“والبنت اللي بدأت كل ده؟” قالت لوسيا، وعينيها على ألينا. “هي لسه قضت على واحد من أخطر الرجالة الأحياء.”
ألينا ابتسمت ابتسامة صغيرة. “معملتش كده لوحدي.”
رومان رفع حاجبه. “ممكن. بس انتي ولعت النار.”
لوسيا هزت راسها. “ودلوقت انتي اللي هتقرري إيه اللي هيتحرق بعد كده.”
—
في المساء، ألينا طلعت على البلكونة تاني. المدينة شكلها مختلف شوية. مش أنظف. مش آمنة أكتر. بس حقيقية أكتر. أقل خداعًا.
فكرت في كل حاجة خسرتها.
وكل حاجة لقتها.
ديمون جه وراها، ولف دراعاته حوالين وسطها. وقفوا كده شوية، من غير ما يقولوا أي حاجة.
لحد ما همست أخيرًا، “إيه رأيك لو دي مجرد البداية؟”
باس جبينها. “يبقى نبدأ.”
و مع بعض، اتفرجوا على الشمس وهي بتغرب ورا المدينة اللي كانوا هيفقدوها – ولقوا نفسهم جواها مرة تانية.
الليل نزل ببطء على فيينا، ناعم ودهبي في الأول، قبل ما السما تتحول لألوان بنفسجي و أسود قطيفة. أنوار المدينة ولعت زي النجوم، بتتمدد بلا نهاية في كل اتجاه. من البلكونة، ألينا اتفرجت على لمعان الأفق، صوابعها متشابكة حوالين كوباية شاي دافية، على الرغم من إن الدفا ده معملش حاجة علشان يهدي البرد اللي جواها.
ممكن ميكونش خوف. مش أكتر. كان فيه حاجة تانية – وجع مش قادرة تسميه.
وراها، همس كلام خفيف بيتسرب من الأبواب المفتوحة للبيت الآمن. لوسيا كانت على التليفون مع واحد من المخابرات، بتتكلم بإيطالي واطي ومتقطع. رومان كان بيمشي جيئة وذهابًا جنب المطبخ، بيبص في ساعته كل كام ثانية كأن مستني حاجة – أو حد.
ألينا محركتش. مكنتش عايزة تفوت ده. الهدوء بعد العاصفة.
عينيها راحت على الأفق، للمكان اللي كان فيه المبنى اللي بره المدينة. شوية دخان لسه طايف في المسافة، زي شبح أدريان بيرفض يختفي تمامًا.
فكرت فيه – مش كوحش اللي أصبح عليه، بس كرجل اللي كان واقف جنب ديمون في صور من عشر سنين فاتوا، مبتسم، حي، إنسان. قبل ما الظلام يبتلعه بالكامل. قبل ما القوة تبقى سم. قبل ما الهوس يبقى هوية.
كان بيبص عليها زي تهديد. زي مرآة. عمرها ما هتنسى ده.
“هاي.”
صوت ديمون قطع أفكارها، واطي ولطيف.
اتلفتت، وهو وقف جنبها، وحط إيديه على الحاجز. شعره كان منكوش شوية، والإرهاق كان لازق في ملامحه، بس عينيه كانت صافية.
“مكنتش عايز أقاطعك” قال.
“مقاطعتش.”
بص على المدينة معاها. “شكلها مختلف دلوقت.”
“أيوة” همهمت. “أخف. زي الوزن اتشال.”
هز راسه ببطء. “لأنه اتشال. لأول مرة من سنين… مفيش حاجة بتجري ورانا.”
بصت عليه. “و لو فيه حاجة تانية بتجري ورانا؟”
ديمون ابتسم ابتسامة خفيفة. “يبقى هنواجهها. زي ما بنعمل على طول.”
سندت راسها على كتفه، وغمضت عينيها للحظة. النسيم كان ناعم دلوقت، والليل مابقاش حاد بالخطر. بس تحت السلام، فيه تيار أعمق بيدق. عدم يقين. أمل. الوجع من كل حاجة خسروها، والوعد الهش لكل حاجة قدامهم.
“أنا خايفة” اعترفت بهدوء.
اتلفت عليها. “من إيه؟”
“من السلام. من اللي هييجي بعد الانتقام. أنا بجري بقالي كتير أوي… معرفش أنا مين لما أوقف.”
ديمون مد إيده، وحاوط وشها بإيديه. عينيه بحثت في عينيها، مش بإجابات، بس بتفهم.
“انتي مش البنت اللي اتخبطت في عالم الملياردير” قال. “انتي المرأة اللي نجت منه. اللي وقفت في مكانها. اللي هدمت إمبراطورية بلاشي غير الحقيقة والنار.”
دموع قرصت في زوايا عينيها، من غير عزومة بس حقيقية.
“معرفش أكون الشخص ده برا الفوضى.”
“مش لازم تكوني أي حاجة غير انتي” همس. “وهكون هنا، في كل خطوة في الطريق.”
هزت راسها، وسمحت لنفسها إنها تصدق ده. وسمحت لنفسها تحس بيه.
لأول مرة من شهور، ممكن أكتر، ألينا كارتر حست بالعاصفة اللي جواها بتبدأ تهدى.
—
في وقت متأخر من الليل، اتجمعوا في غرفة المعيشة – ديمون، ألينا، رومان، ولوسيا – حوالين خريطة، وفلاش درايف، وأسلحة مفككة. المكان شكله مش زي غرفة حرب دلوقت، وأكثر زي بقايا واحدة.
لوسيا ادت ألينا ملف. “التقرير كامل. كل وكالة في أوروبا هتاخد نسخة الصبح. نفوذ أدريان مش هيختفي بين يوم وليلة، بس قبضته اتكسرت.”
ألينا قلبت في الصفحات. صور مراقبة. مسارات مالية. مستندات غير مختومة.
دليل على عمق التعفن – وكمية اللي قطعوها.
“انقذتي أرواح” قالت لوسيا بهدوء. “أكتر من اللي هتعرفيه على الإطلاق.”
ألينا بصت عليها. “وانتي كمان.”
لوسيا عرضت ابتسامة نادرة.
رومان صب أربع كوبايات ويسكي، ووزعهم حوالين. “للبقاء على قيد الحياة.”
خبطوا الكوبايات في بعض، الصوت كان صغير بس قوي.
“لحاجة أحسن” أضافت ألينا.
شربوا.
وفي السكون اللي جه بعد كده، بس للحظة، العالم حس إنه كامل تاني.
—
قرب نص الليل، ألينا كانت نايمة في السرير جنب ديمون، الملايات الناعمة متشابكة حواليهم، وإيده مستقرة على وسطها.
“حلمت حلم الليلة اللي فاتت” همست.
ديمون اتحرك. “أيوة؟”
“كنت بمشي في غابة بتتحرق. ومكنتش خايفة. مكنتش بجري. كنت بس… بتفرج عليها وهي بتتحرق. وبعدين على الجانب الآخر، كان فيه حقل. ضوء الشمس. وكنت لوحدي، بس مش وحيدة.”
باس جبينها. “ممكن ميكونش حلم.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة. “ممكن.”
بره، فيينا نايمة.
جوا، قلبين بدأوا يتعافوا.
الإمبراطورية وقعت. الوحوش انكشفوا. ومن الرماد، حاجة جديدة هتقوم.
مش انتقام.
مش قوة.
بس حياة.
حقيقية، خام، وأخيرًا ليهم.