حيث نبدأ من جديد
كان فيه شيء مقدّس في الصباح في الكابينة.
الهوا كان منعش، و ريحتو خفيفة من الصنوبر و الندى، و النور كان بيتصفى من الشبابيك زي الدهب الناعم. **ديمون** صحي أول واحد، زي ما بيعمل عادة. بس بدل ما يقوم، قعد ساكت لفترة طويلة، بيتفرج على **ألينا** و هي نايمة.
كانت نايمة و هي متكوّرة عليه، إيدها تحت خدها، و نفسِها بطيء و منتظم. كان فيه نوع من الجمال اللي ما فيهش حراسة في نومها— مفيش توتر في حاجبها، مفيش تقّل من الماضي. بس سلام.
مسح خصلة شعر من على وشها، و هو حريص إنه ما يصحّيهاش. بس رموشها رفرفت بعد لحظة.
"إنت بتبص," قالت و هي لسه نعسانة.
"مش قادر أمنع نفسي."
ابتسمت من غير ما تفتح عينيها، و هي بتقرّب أكتر. "دايما بتصحي قبلي."
"بحب أتفرج عليكي كده. بتحلمي. في أمان."
**ألينا** فتحت عينيها ساعتها، و هي بترمِش عليه. "أنا مش فاكرة إني عرفت إيه هو الأمان قبل كده. مش بجد. إلا لما إنت دخلت حياتي."
زوره إتشد. "أنتِ بتخليني عايز أبقى جدير بده. كل يوم."
تقدّمت و ضغطت على شفايفه ببوسة ناعمة. "أنت بالفعل كذلك."
بعدين الصبح ده، بعد الفطار و البوسات البطيئة و الضحك على القهوة، طلعوا يتمشوا على درب قريب. الدرب كان بيلف بين الأشجار الطويلة و أزهار البرّية، و صوت العصافير بيرافق خطواتهم. **ألينا** مسكت إيد **ديمون** و هما بيطلعوا على تل بيطلّ على البحيرة.
وقفت لما وصلوا للقمه، و هي بتلتقط أنفاسها. "واو."
المنظر كان بيمتد إلى ما لا نهاية— أخضر و دهبي و أزرق، الطبيعة في عز إزهارها. **ألينا** لفّت ببطء، و هي بتاخُد كل ده في حسابها، و بعدين بصّت على **ديمون**. "عايزة أتذّكر اللحظة دي. بالظبط كده."
شدّها في حضنه. "يبقى خلينا نعلّم عليها."
"إزاي؟"
مدّ إيده في جيبه و طلع مفتاح فضي صغير. عينيها وسعت.
"ده للكابينة," قال. "مش كتير، لسه. بس هي بتاعتنا دلوقتي. أنا اشتريتها أمس."
نفسِها حبس. "أنت اشتريتها؟"
"كنت عايز يبقى لينا حاجة خاصة بينا. مكان نقدر نرجعله فيه. مكان للسلام، لبدايات جديدة."
**ألينا** بصّت على المفتاح، و بعدين بصّت عليه. "أنت جدّي؟"
"عمري ما كنت كده أكتر من دلوقتي."
ما أخدتش المفتاح على طول. بدل ده، لفّت دراعتها حوالين وسطه و دفنت وشّها في صدره. "شكرا. عمري ما تخيّلت إني هيبقى عندي حاجة زي دي. مش بس الكابينة— الحياة اللي بنبنيها."
حضنها بقوة أكتر. "ولا أنا."
لما رجعوا للكابينة، السما كانت سمرت و المطر هَلّ، و هو بيخبط على السقف. **ديمون** ولّع نار، و قعدوا على الأرض و عليهم بطانية، بيتفرجوا على النيران و هي بترقص.
**ألينا** رسمت دوائر صغيرة على ركبته بأطراف صوابعها. "ممكن أحكيلك حاجة عمري ما حكيتها لحد؟"
لفّ لها، و نظراته حانية. "دايما."
أخدت نَفَس. "لما كنت عيلة، بعد ما أبويا سابنا و الدنيا صَعُبت، كنت بحلم بالحياة دي بالظبط. مش بيت البحيرة و لا الفلوس— بس الإحساس. فكرة إني ممكن أتحبّ بشكل كامل، إن حد يشوفني و يفضل معايا."
"تستاهلي ده و أكتر كتير."
بصّت في عينيه. "أنا فاكرة إني كنت بصدّق إن الحب معناه تضحّي بنفسك عشان حد تاني. إن لازم يكون في ألم عشان يكون حقيقي."
تعبّر **ديمون** خفّ. "مش لازم. مش معايا. الحب مش المفروض يكسّرك— المفروض يرجع يجمّعك."
ابتسمت، و الدموع في عينيها. "أنت بتجمّعني، **ديمون**."
تقدّم و باسها بنعومة— بطيء و مُتبَجِّل. "أنتِ بتعملي نفس الشي بالنسبة لي."
النار كانت بتفرقع. برّه، المطر زاد. و جوّه، اتنين ناس كانوا مكسورين بطريقتهم الخاصة كملوا إعادة البناء، مش بس حياتهم، بس أساسيات إحساسهم بالكامل.
ما اتكلموش كتير أكتر في الليلة دي. ما كانوش محتاجين. سكوتهم كان مليان تفاهُم، مليان حاجات معروفة بالفعل.
في بعض، لقوا بيت.
و ده— الليلة الهادية دي، و المطر عليها، جنب النار— كانت دي البداية الجديدة بتاعتهم.
العاصفة استمرت طول الليل.
الرعد كان بيرّن في البعيد زي ذكرى قديمة، واطي و مخيف، بس دفئ النار و نعومة جسم **ألينا** المتكوّر في حضن **ديمون** خلاه يحسّ إن ده أكتر مكان آمن في العالم. قعدوا ساكتين لفترة طويلة، و البطانية عليهم و هم بيتفرجوا على اللهب و هو بيرقص على حيطان الكابينة.
صوابع **ديمون** مرّت من غير قصد على منحنيات ضهرها، إيقاع بطيء خدرها أكتر في نص النوم، لما الحقيقة و الأحلام بيختلطوا.
"بتتساءل على طول،" همست، "الحياة كانت هتبقى إزاي لو تقابلنا في ظروف طبيعية؟"
ابتسم جنب صدغها. "إيه هي الطبيعي؟"
"مش عارفة," قالت. "مش إننا نكون مطلوبين. مش إننا نقع في الحب بين الكدب و الخطر و الأسرار."
كان ساكت لحظة قبل ما يجاوب. "ممكن في عالم تاني، كنت هادخل مكتبة في بعد الضهر ممطّرة و أشوفك بتقري في الزاوية، و شعرك ورا ودنك و قهوة في إيدك. و كنت هاسألك عن الكتاب، بس عشان أسمع صوتك."
عيون **ألينا** ارتاحت. "ده شكله لطيف."
"بس مش فاكر إني كنت هاحبّك زي ما بحبّك دلوقتي. مش بنفس العمق ده. مش بنفس المعرفة دي."
"تقصد إيه؟"
شدّها لورا شوية بس عشان يبص عليها، و إيده على خدّها. "أنا عارف إنت بتبصي إزاي لما بتكوني خايفة بس بترفضِ إنك تتراجعي. شوفتك بتدافعي عنّي لما كان عندك كل الأسباب تجري. عارف صوت ضحكتك لما بتحاولي متعيطيش. شوفت قوتك، نارك، قلبك… و سمحتلك إنك تشوفي ضلمتي. كل ده. لو اتقابلنا بطريقة تانية— كنا هانسمح لبعض إننا ندخل في حياتنا كده؟"
زُورها إتشد. "ممكن لأ."
"بس إحنا هنا," قال. "كل جزء فيا مكسور له مكان دلوقتي عشان إنت لمسته."
**ألينا** رمشت عشان متخليش الإحساس المفاجئ بالانفعال يبان و تقدّمت عشان تبوسه، بطيء و متأكّد. "و أنت رجعتني للحياة، **ديمون**. وريتني إن الحب مش لازم يجي بالمعاناة."
فضلوا كده شوية— روحين متعلقين في نوع السكوت اللي بيجي بس لما الكلمات مش مطلوبة.
تاني يوم الصبح، العاصفة كانت عدّت. السما كانت مغسولة، و بتنور أزرق شاحب على البحيرة. **ألينا** مشيت حافية للشبّاك، تيشرت **ديمون** القديم واسع عليها، و فضلت واقفة كده شوية، و هي بتتفرج على السكون.
**ديمون** جه وراها، و هو بيلف دراعته حوالين وسطها. "صحيتي بدري."
"ما كنتش عايزة أفوت ده," قالت. "الهدوء ده. اللحظة دي."
باس كتفها. "هناخد ده معانا. نرجع للمدينة. نرجع لكل حاجة."
لفّت في حضنه، و هي بتدور على وشه. "أنت متأكد إنك عايز ترجع؟"
"متأكد. عشان المرة دي، هنرجع بشروطنا. مفيش اختباء تاني. مفيش أعداء تاني. هنبني حياة ملكنا."
**ألينا** هزّت راسها ببطء، و صوابعها بتلتوي حوالين صوابعه. "أنا جاهزة. مش بس للمدينة— بس لكل حاجة هتيجي بعد كده."
رتبوا الكابينة سوا، و هم بيضحكوا و هما بيتخانقوا مين بيعمل قهوة أحسن و بيرقصوا حوالين بعض و هم بيطبقوا الهدوم و بيلموا حاجاتهم. **ديمون** حطّ ألبوم الصور اللي شاركوه في شنطته، و **ألينا** شالت نبات "لا تنساني" في إيديها بحنية.
قبل ما يقفلوا الباب بالمفتاح، وقفوا على البلكونة و بصّوا لورا مرة تانية.
"فاكرين إننا هانرجع؟" سألت.
"بالتأكيد," قال. "المكان ده بتاعنا دلوقتي. جزء من حكايتنا."
ساقوا في سكوت مريح معظم الطريق، و إيديهم متشابكة على الكونسول الوسطاني، و قلوبهم مليانة.
في نيويورك، المدينة استقبلتهم بالضجيج و الطاقة المعتادة— بس المرة دي، محستش إنها طاغية. حسّت إنها استمرار. إن الفصل اللي بعده مستني بالفعل.
و لما دخلوا من أبواب بيتهم، المفتاح بيدور بهدوء و حسم وراهم، **ألينا** ابتسمت و قالت, "إحنا عملناها."
**ديمون** بصّ عليها، و فيه حاجة منورة في عينيه. "إحنا لسه بنبتدي."
مدّت إيدها ليه و شدّته ناحيتها، و بوسِتهم كانت بطيئة و حلوة— النوع اللي بيقول كل حاجة من غير كلام.
دي ما كانتش نهاية عاصفة.
دي كانت بداية للأبد.