الظلال لا تختفي بين عشية وضحاها
الأيام القليلة الجاية عدت زي حلم هش—الاتنين خافوا يصحوا منه. **ألينا** بقت بتمشي في الدنيا أبطأ، مركزة أكتر. لاحظت ريحة العيش الطازة من الكافيه اللي تحت. الطريقة اللي الشمس بتضرب بيها الطوب في وقت الغروب. الحنية في عيون **ديمون** لما كانت بتمسكه بيبص.
بس السلام، بدأت تتعلم، مكنش خط مستقيم. بيجي في طبقات، بعضها أرق من التاني، وساعات بيتشقق من الأطراف.
كان يوم ثلاثاء لما حصل.
كانت ماشية في طريقها من الجامعة، متكتفة في سكارف **ديمون** كان رماه حوالين رقبتها الصبح. الجو كان برد تاني، بيعاكس الربيع بس متمسك بحافة الشتا. عدت على محلات وأغراب اللي اتعودت عليهم. مشية عادية. لحد ما سمعت.
صوت الكعب بيخبط وراها.
حاد. إيقاعي.
جسمها اتصلب قبل ما عقلها يلحق. قالت لنفسها إنه مفيش حاجة—نيويورك فيها موسيقى تصويرية من خطوات رجلين. بس بعدين السرعة اتغيرت، زادت.
قلب **ألينا** بدأ يدق بسرعة. مسكت شنطتها جامد وأسرعت. أفكارها اتلخبطت، مش منطقية بس واضحة.
إيه لو كلهم ما اختفوش؟ إيه لو حد فضل؟ إيه لو **أدريان** زرع أكتر من مجرد تهديدات؟ إيه لو مكنش هو الشبح الوحيد في الضلمة؟
انحرفت في ركن ودخلت مكتبة. إيديها كانت بترتعش وهي بتمثل إنها بتبص على ترابيزة عليها كتب رعب. لما الكعوب عدت ومادخلتش، طلعت نفس بصعوبة. مكنش فيه حاجة.
مجرد… خطوات.
بس أخد تقريبا ربع ساعة عشان قلبها يهدأ. لما روحت البيت، **ديمون** لاحظ على طول.
“**ألينا**؟”
حاولت تبتسم. “بس تعبانة.”
عدى في الأوضة، مسك وشها بحنية. “بترتعشي.”
“افتكرت إن حد بيمشي ورايا,” اعترفت. “بس ماكانوش. كان بس… مخي. بيرد فعل.”
ماقالش “أنتِ بأمان دلوقتي,” عشان الاتنين عارفين إن الصدمة مبتاخدش برأيها. بدل ده، حضنها. مش زي ما تكون مكسورة، بس زي ما تكون مش لازم تشيل كل ده لوحدها.
بالليل، قعدت متكورة في هودي **ديمون**، بتبص على أضواء المدينة.
“تفتكر إنه بيمشي منك بجد؟” سألت بهدوء. “الخوف؟”
**ديمون** كان جنبها، رجله مفرودة على الكنبة. “مفتكرش إنه بيمشي. أعتقد إنك بتتعلمي ازاي تعيشي معاه. زي صوت في الخلفية.”
“عايزاه يمشي.”
“عارف,” قال. “وأنا كمان.”
ماحاولوش يصلحوا. بس قعدوا فيه—مع بعض.
تاني يوم الصبح، صحيت بدري وبصت على **ديمون** نايم. صدره بيطلع وبينزل بإيقاع ثابت. ضربات قلب قوية تحت جلد عرف العنف والشفاء.
قامت، لبست بنطلون جينز وسويتشرت، وخرجت بهدوء.
**ألينا** ماروحتش بعيد—بس لنهر. وقفت جنب السور، بتبص على المية وهي بتتحرك. فكرت في كل اللي خسروه. كل حاجة اتخانقوا عشانها. والنسخة من نفسها اللي دخلت عالم **ديمون** مفكرة إنها تقدر تتعامل مع الخطر زي ما يكون واجب تكتب عنه.
ماكنتش البنت دي تاني.
ومارادتش تكون.
بعد الضهر، لما **ديمون** رجع من اجتماع، لقاها بترسم.
مش كلمات. مش تقرير. بس ضربات فرشاة—عريضة ومش أكيدة. لون وإحساس. تحرير.
“بترسمي؟” سأل، متفاجئ.
بصت من على كتفها. “أعتقد إني بعمل كده دلوقتي.”
الكانفاس كان متبهدل، بس خام. دوامات من الأحمر والأزرق الغامق، مكسورة بشرائط من الضوء.
“دي فوضى,” قالت.
“جميلة.”
بالليل، طبخوا تاني. الصلصة اتحرقت تاني. بس الضحك جه أسهل.
**ألينا** بصت على **ديمون** وهو بيمد إيده على زجاجة نبيذ تانية وقالت، “تفتكر إحنا مملين دلوقتي؟”
رفع حواجبه. “يا إلهي، يارب.”
ضحكوا لحد ما ضلوعهم وجعتهم.
عشان حتى لو الضلال مااختفتش في يوم وليلة—حتى لو ماخرجتش بجد—على الأقل دلوقتي، معاهم بعض عشان يمشوا فيهم.
وده، في النهاية، أكتر ما حلموا بيه.
تاني يوم الصبح، **ألينا** وقفت حافية في المطبخ، صوابعها ماسكة مج قهوة بيطلع منه بخار. دوشة المدينة اتصفت من الشباك المفتوح—زمامير العربيات، صفارة بعيدة، صوت عصافير بيتخلل الفوضى. شعرها كان لسه مبلول من الدش، بيتجعد شوية حوالين وشها. **ديمون** دخل بهدوء، بيدعك النعاس من عينيه، من غير قميص ولسه دافي من النوم.
“صحيتي بدري,” همهم، ووقف وراها وضغط على راسها يبوسها.
“ماعرفتش أنام,” قالت بهدوء. “مخي مابيرضاش يقفل.”
لف دراعاته حوالين وسطها وحط دقنه على كتفها. “عايزة تتكلمي عن ده؟”
هزت راسها. “لسه لأ. بس كنت عايزة أسمع المدينة شوية.”
**ديمون** ماضغطش. عمره ما عمل كده لما كان بيوصل الأمر لسكوتها. ببساطة حضنها، بيمسكها في الأرض.
لما لفت في دراعاته، تعبير وشها كان أكتر هدوء، بس حاجة لسه بتتردد في عينيها.
“كنت بفكر,” قالت. “يمكن أرجع علاج نفسي. مش النوع بتاع الجامعة. حد حقيقي. حد يعرف الصدمة بتظهر إزاي بجد.”
**ديمون** هز راسه. “أعتقد إن دي فكرة كويسة.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة. “بتخوفني. إنه ماخلصش. إن حتى مع غياب **أدريان**، لسه بحس… إني متطاردة.”
حرك خصلة شعر ورا ودنها. “الشفاء مش خط نهاية يا **ألينا**. ده طريق. وتمام إنك تقفي وتتنفسي.”
قعدوا يفطروا—توست محروق، بيض مستوي زيادة، وقهوة مسكرة زيادة عن اللزوم. ومكانش مهم. كان ليهم.
بعد الضهر، أخدوا مشية في ويست فيليدج. الشوارع كانت عايشة بطاقة الربيع المبكرة. أطفال بيجروا في البرك، عربيات ورد مليانة بالتيوليب والبنفسج، والناس مليانة الكافيهات في الرصيف، بيشربوا لاتيه مثلج وبيتكلموا بلغة السهولة.
**ألينا** حطت إيدها في إيد **ديمون**، وميلت على جنبه.
“كنت بمشي بالطريقة دي قبل ما أقابلك,” قالت. “كنت بتساءل إزاي هيكون شكل إنك تقع في حب حد خطر. افتكرت إنه هيكون مثير. رومانسي.”
ضحك، ساخر. “ودلوقتي؟”
بصت عليه، حنية في عينيها. “دلوقتي عارفة إن الحب الحقيقي مش الإثارة. ده السكون. ده ده. بنمشي جنبك لما مش بنهرب من أي حاجة.”
**ديمون** وقف ومسكها برفق ناحيته. “عملت غلط كتير في حياتي يا **ألينا**. بس الحاجة الوحيدة اللي عمري ماندم عليها إني حبيتك.”
بلعت بصعوبة. “حتى بعد كل حاجة كلفتك إياها؟”
“ماكلفتنيش حاجة,” قال، بصوت حازم. “أنتِ اديتيني سبب عشان أقاتل. خليتيني عايز أعيش.”
قبلتهم كانت هادية بس مليانة وزن—زي وعد بيتهمس من غير كلام.
بالليل، عزموا **رومان** و**لوسيا**. الأربعة ماكنوش في أوضة مع بعض من غير مسدسات وخطط من ساعة ما كانوا في مونتينيغرو. دلوقتي، فيه نبيذ. ضحك. ألعاب ورق.
**لوسيا** كانت بلا رحمة في البوكر. **رومان** مثل إنه مش منافس، بس واضح إنه بيكره يخسر ليها.
“أنتِ بتغشي,” اتهمها.
**لوسيا** رفعت حواجبها. “أو أنت بس سيء في إنك تعمل خدعة.”
**ألينا** ضحكت بينما **ديمون** حاول (وفشل) إنه يحافظ على وجه جامد.
لساعات قليلة، كان سهل إنهم ينسوا الحرب اللي كلهم نجوا منها. الحياة اللي أخدوها. الجروح اللي شايلنها. كانوا بس أربعة أشخاص—متأثرين، أيوة—بس عايشين. مع بعض.
لما الليل انتهى، و**رومان** و**لوسيا** مشوا بوعد إنهم يعملوها تاني قريب، **ألينا** و**ديمون** وقفوا على البلكونة، بيتفرجوا على المدينة وهي بتهمهم تحت.
“لسه سريالي,” قالت بهدوء. “إنها خلصت.”
**ديمون** ما ردش على طول. بس حط إيده في إيدها ومسكها جامد.
“ماخلصتش,” قال أخيرا. “دي بس نوع حرب مختلف دلوقتي. حرب عشان نبقى كاملين. عشان نبقى لينين.”
حطت راسها على كتفه. “يبقي أنا سعيدة إني بقتالها معاك.”
بالليل، وهما نايمين في السرير، متشبكين تحت شراشف ناعمة، **ألينا** همست، “حلمت حلم الليلة اللي فاتت.”
**ديمون** اتحرك، بيحرك دراعها بخفة. “نوع إيه؟”
“كنت في المراسي تاني. قبل ما كل حاجة تبدأ. بس المرة دي، ما مشيتش وراك. فضلت. سبتك تروح.”
جسمه اتوتر شوية. “وبعدين؟”
“وصحيت بعياط,” قالت، صوتها زي خيط صوت. “عشان أدركت… كنت هعيش حياة آمنة أكتر، بس كانت هتبقى فاضية أكتر. كنت هوحشك.”
**ديمون** دار ناحيتها، بيضغط على جبهته على جبهتها.
“كنت هلاقيها بأي حال من الأحوال,” قال. “بطريقة ما. في مكان ما. كنت هعرف.”
وفي السكوت اللي جه، الاتنين فهموا حاجة أعمق:
إن الحب مكنش بس العاصفة اللي عبروها.
كان السكون اللي بنوه بعدها.
مع بعض.