حيث نبدأ من جديد
ضوء الشمس كان بيتسلل من ورا الستاير الخفيفة في أوضتهم، ناعم وذهبي، زي وعد هادي. ألينا تحركت تحت الدفاية بتاعة الملاية، ترمش ضد الضوء وهي بتصحى بالراحة. في لحظة، هي بس سمعت—نبض ديمون وهو بيتنفّس جنبها، صوت حركة المرور البعيد، صوت راديو الصبح الخفيف اللي جاي من شباك مفتوح لناس في الشارع التاني. حاجات عادية. حاجات حلوة.
هي لفت راسها ولقيته صاحي، بيبص عليها.
"صباح الخير," هي همست.
"هاي," هو همهم، صوته خشن من النوم. "شكلك هادية. ماكنتش عايز أصحيكي."
"مانمتش كده من شهور," هي اعترفت، بتتمطّي بكسل. "أعتقد إني نسيت إحساس الأمان."
هو مد إيده ناحيتها، بيشدها أقرب له. "إذن هنبني حياة تخليكي ماتنسيش تاني أبداً."
ممكن ميكنش مجرد كلام حلو. ده كان وعد. ومع ديمون، الوعود كان ليها وزن—منحوتة في حديد ونار.
همّ طولوا في السرير أكتر من العادة، بيستمتعوا بالهدوء. مفيش منبّه. مفيش رسايل مشفرة. مفيش رحلات طيران طارئة ولا خطط معدنية. مجرد شخصين كانوا بيحاربوا كتير قوي، أخيراً بيتنفسوا.
بعدين، ألينا مشيت في المطبخ لابسة قميص من قمصان ديمون اللي ليها أزرار. هي صبّت كوبايتين قهوة، الريحة ملت الشقة بالدفا. لما لفت، هو كان بيتسند على الباب، حاطط دراعاته، بيبص عليها كأنها أكتر حاجة مثيرة للاهتمام في العالم.
"في إيه؟" هي سألت، بابتسامة.
"بس بحب أشوفك هنا. كده." هو ابتسم، نادرة وحقيقية. "أنا كان عندي ألف نسخة من الحياة دي في دماغي. ولا واحدة فيهم بتقارن بده."
هي أدته مجّ. "أنا مبسوطة إننا أخيراً لقينا اللي يستاهل إننا نعيشه."
همّ أكلوا فطارهم والشبابيك مفتوحة، نسمة الربيع بتودي أصوات المدينة وهي بتصحى بالراحة. في مكان ما بعيد، كلب نبح. أبواق بتزمّر. الدنيا لسه بتدور.
بعدين، ألينا وقفت قدام الدولاب بتاعها، بتطلع بليزر مالهاش لبستها من قبل كل حاجة ماانفجرت. ديمون دخل، بينشّف شعره بمنشفة.
"رايحة فين؟"
هي هزت راسها، وهي بتقفل الجاكيت. "كولومبيا. حددت معاد مع المستشارة بتاعتي. أنا رسمياً بسجّل من تاني."
حواجبه اترفعوا من المفاجأة. "النهاردة؟"
"ليه نستنى؟" هي قالت، بتلبس كعوبها. "أنا قضيت وقت طويل قوي وأنا عايشة، يا ديمون. جه الوقت إني أبدأ أعيش تاني. أنا عايزة أخلّص شهادتي. عايزة أكتب. وعايزة أعمل ده بشروطي."
هو عبر الأوضة وباس جبهتها. "أنا فخورة بيكي."
هي بصتله. "هتكون بخير هنا لوحدك؟"
هو ابتسم. "أنا مش الوحيد اللي هيرجع لأوضة مليانة أساتذة متشككين وعيون بتسأل. أنتِ الشجاعة النهاردة."
هي ضحكت. "هنشوف في ده."
***
حرم جامعة كولومبيا كان شكله مألوف وغريب في نفس الوقت. مباني الحجر لسه زي ما هي، الطلبة بيجروا من جنبها معاهم قهوة ولاب توب. بس ألينا كانت مختلفة دلوقتي. هي ماكانتش طالبة لسه بتدور على قصص في مكتبات مليانة تراب. هي عاشت نوع الحقيقة اللي الناس خايفة تكتب عنها.
لما هي دخلت مكتب المستشارة بتاعتها، الست الكبيرة رمشت من الصدمة.
"ألينا," قالت المستشارة.
"أيوة. أنا عارفة إن الموضوع طول شوية…"
الأستاذة وقفت وجت الناحية التانية من المكتب، بتشدها في حضن. "إحنا افتكرنا إنا خسرناكي. ملفك برد. مفيش اتصال. كان فيه إشاعات…"
"كان لازم أختفي شوية. بس أنا رجعت," ألينا قالت، صوتها ثابت. "وأنا جاهزة أخلص اللي بدأته."
هي ماكانتش متأكدة هي متوقعة إيه. معارضة. حذر. بس بدلاً من كده، المستشارة بتاعتها ابتسمت، وعينيها مدمّعة شوية.
"إذن خلينا نشتغل."
***
بمجرد ما ألينا رجعت الشقة، هي كانت بتطير من الطاقة. ديمون رفع راسه من اللاب توب لما هي دخلت.
"طيب؟" هو سأل، بيحط الجهاز على جنب.
"أنا رسمياً رجعت أسجّل. هبدأ السمستر اللي جاي."
هو عبر الأوضة في تلات خطوات ورفعها في حضن. هي ضحكت وهو بيلفها بالراحة، كأنهم كسبوا حاجة كبيرة.
وربما كانوا كسبوا.
همّ قضوا الضهر بيتكلموا عن الكورسات، مشاريع الكتابة، أماكن عايزين يسافروا ليها دلوقتي إنهم مش مختفيين. رومان و لوسيا عملوا مكالمة فيديو من إيطاليا، بيشاركوا أزازه نبيذ من ورا الشاشة وبيغازلوا ديمون عن إنه أخيراً يتقدّم.
"أتمنى إنها قالت لأ، بس عشان يفضل على أعصابه," رومان هزر.
ألينا ضحكت. "مغرية."
لوسيا ابتسمت. "إحنا بس مبسوطين إنكم طلعتوا سالمين."
بعد ما المكالمة خلصت، ألينا قعدت جنب ديمون، رجليها متنية تحتها.
"تفتكر إنه خلاص؟" هي سألت بهدوء. "التهديدات، الأشباح؟"
هو لف دراعه حواليها. "لأ. الأشباح عمرها ما بتمشي. بس إحنا أقوى دلوقتي. مش بنهرب تاني."
هي سندت راسها على كتفه، بتبص على خط السماء.
"أنا أعتقد إني أخيراً جاهزة أكتب قصتنا," هي قالت. "الحقيقة. مش العناوين الرئيسية. مش الخوف. القصه الحقيقية للي حصل، ومعنى إنك تنجو منه."
ديمون ما ترددش. "إذن اكتبيها. وأنا هكون هنا، بقلّب في كل صفحة."
همّ فضلوا كده لمدة طويلة. بس بيتنفسوا. بس موجودين.
وفي الهدوء، ما بين صوت المدينة الهادي والنبض الثابت لقلبهم، همّ عرفوا—دي كانت بداية حاجة جديدة.
مش نهاية الفوضى.
مش غياب الخوف.
بس وجود الأمل.
الصبح اللي بعده، ألينا صحيت على ريحة فطار بتوصل من المطبخ—بِيكُن، بيض، حاجة مسكّرة شوية. هي لحقت الريحة عشان تلاقي ديمون من غير قميص، بيقلّب في البان كيك في طاسة كأنه حاجة طبيعية.
هو بص على كتفه لما سمع خطواتها. "وصلتي في الوقت المناسب. ماحرقتهمش. لسه."
هي ساندت على إطار الباب، دراعاتها متقاطعة. "أنت بتطبخ دلوقتي؟"
هو هز كتفه، واضح إنه مبسوط بنفسه. "بحاول. أنا فكرت، لو هنعمل موضوع البيت ده، يمكن لازم أتعلم."
ألينا طلعت قدام، بتدخل دراعاتها حوالين وسطه من ورا، خدها بيلمس ضهره. "أنت بتعمل أكتر من إنك كويس."
همّ قعدوا على جزيرة المطبخ الصغيرة، بياكلوا بان كيك شكلهم مش متساوي بس طعمهم حلو. ديمون فضل بيبص عليها، كأنه مش مصدّق إنها حقيقية. هي مسكته أكتر من مرة وأخيراً ابتسمت.
"طيب، في إيه؟"
هو نزّل الشوكة. "أنا بس… بفضّل أفكر في إزاي كنت قريب إني أخسرك. مش بس مرة. كتير أوي."
ابتسامتها خفت شوية، بس هي وصلت الناحية التانية من الترابيزة وأخدت إيده. "إحنا هنا دلوقتي. ده كل اللي يهم."
أصابعه مسكت أصابعها بالراحة. "أنتِ صح. بس أنا عايز أتأكد إنك تعرفي—السلام ده اللي معانا دلوقتي؟ ده عشان أنتِ حاربتي عشانه. أنتِ مشيتي في الجحيم ومسمحتيش إنه يغيّرك."
"أنا اتغيّرت," هي همست. "بس مش بالطريقة اللي خفت منها. ماخسرتش نفسي—لقيت القطع اللي ماكنتش أعرف إني عنديها."
هو طلع نفس عميق، وفي لحظة، همّ بس قعدوا في السكوت ده، بيخلّوه يتكلّم.
بعدين في اليوم ده، ألينا لقت نفسها قاعدة على مكتبها واللاب توب مفتوح، المؤشر بيومض على مستند فاضي. لأسابيع، هي كانت بتفكر في الكتابة. فكرة إنها تحط كل حاجة. تحكي قصتها. قصتهم.
دلوقتي، وهي بتبص على الشاشة، وزن ده ضربها.
إزاي حتى تبدأي تكتبي عن الخيانة، تهديدات الموت، حب خطير لدرجة إنه كسر الواحد؟
إزاي تكتبي عن ديمون كروس—الراجل، الأسطورة، الوحش لناس—وتقولي للعالم إنه أنقذك؟
هي سمعت خطواته قبل ما تشوفه. هو دخل الأوضة بهدوء، بيوقف عند الباب.
"ممكن أقرأها لما تكوني جاهزة؟" هو سأل بهدوء.
"أنا لسه ماكتبتش أول جملة," هي قالت بضحكة عصبية. "كأنه… كل اللي مريت بيه يستاهل أكتر من مجرد كلام."
"ممكن," هو قال، بيمشي ناحيتها. "بس الكلام هو إزاي بنفهم الفوضى."
هي بصتله، بتهز راسها. "أنا بس مش عايزة أكتبها كضحية."
"إذن اكتبيها كشخص ناجي."
ده كان كل اللي محتاجاه.
أصابعها لقت الزراير، وبالراحة، الكلام جه.
"دي مش قصة حب. مش بالمعنى التقليدي. دي قصة عن نار، وعن اللي بيفضل بعد الحرق. دي عن أقنعة، ووحوش، وجمال الحقيقة.
دي عني.
والراجل اللي تجرّأ إنه يحبني في أسوأ حالاتي…"
هي فضلت تكتب. السد انكسر. الذكريات تدفقت—بعضها مؤلم، وبعضها حيوي بالشغف والرعب. هي كتبت عن اليوم اللي هي قابلت فيه ديمون. الكذب. الانهيار. الليالي السودا اللي هي سألت فيها عن كل حاجة.
وبعدين نقط التحول. ذوبان الثلج البطيء بتاع الثقة. الحميمية الخام. اللحظات اللي خلت المخاطرة تستاهل.
بمجرد ما الشمس نزلت في السماء، بتدي خطوط ذهبية من ورا الشباك، هي كتبت تقريباً خمس صفحات.
ديمون دخل مع مجّ شاي وحطها جنبها، بيقرأ من ورا كتفها. هي بصت لعينه وهي بتمسح الكلام، فكّه مشدود، زوره بيطلع وينزل.
هو ماقالش حاجة لمدة طويلة. وبعدين، بهدوء: "أنتِ بتخلّيها تبدو جميلة."
"كانت," هي قالت. "حتى لما كانت وحشية. لأنها كانت حقيقية."
هو انحنى وباس راسها. "إذن كملي. العالم يستاهل يسمعها."
في الليلة دي، بعد ساعات من الكتابة، همّ اتلموا مع بعض على الكنبة. ألينا استقرت في صدره، راسها بتطلع وتنزل مع كل نفس له. هي ماافتكرتش إنها نامت. بس في مكان ما بين ضربات قلبه وصوت المدينة الهادي، هي لقت سلام ماعتقدتش إنه ممكن تاني.
وديمون؟ هو قعد هناك لمدة طويلة، ماسكها زي المعجزة الهشة، الجميلة اللي هي كانت.
هو ماكنش محتاج انتقام تاني. ماكنش محتاج قوة ولا حرب.
هو كان عنده كل حاجة هو كان عايزها—هنا، في دراعاته.