حيث يعيش الهدوء
البحيرة كانت هادية لما صحيت **ألينا**، زي المراية و ما حدا لمسها، بتعكس ألوان الفجر الهادية. الضباب كان طاير فوق السطح بشوي، بيلتف زي نفس من فم عالم نايم. قعدت على الرصيف و رجلينها مطويين تحتها، ملفوفة بكنزة **ديمون** الكبيرة، و إيديها حاضنة فنجان قهوة دافي.
ما حسّت حالها لحالها مع حدا أكتر من هيك—و ما حسّت حالها مكتملة أكتر من هيك.
وراها، الكوخ كان هادي. **ديمون** لسا نايم، و ما بدها تزعجه. شكله هالفترة مرتاح، زي ما الفوضى خففت إيدها عنه. كانت عم بتشوف هاد الشي بيصير شوي شوي، على مدار أسابيع و لحظات، بابتسامات هادية و بالطريقة اللي جسمه بيرتاح فيها أكتر كل ما طلع نفسه.
العلاج بكون هادي هيك، فكرت. ناعم. مو مستعجل.
صوت خشب بيصوصي وراها خلاها تلف راسها، بنفس اللحظة اللي **ديمون** نزل فيها على الرصيف حافي، بيمسح النوم من عيونه.
"تركتيني"، همهم، صوته مليان نوم.
"كنت بتشخر."
"أنا ما بشخر."
ابتسمت. "أكيد بتشخر. زي موتوسيكل ملفوف بـ دب."
عطاها نظرة لعوبة و قعد جنبها، و شد البطانية اللي حوالين كتفها لحد ما غطتهم همّ الإتنين. "محظوظة لأني بحبك."
"أنا محظوظة"، قالت بهدوء، و حطت راسها على كتفه.
قعدوا بهدوء، و عم بيتفرجوا على الضباب عم بيرتفع. الطيور عم تتحرك بالأشجار، و ريحة الندى و الصنوبر عم بتحيط فيهم زي شي حي.
بعد شوي، **ديمون** حكى مرة تانية. "لساني عم بفكّر كيف إني خسرت كل هاد."
**ألينا** ما سألت بأي لحظة قصد—كان فيه كتير مكالمات قريبة لتنعدّ. كتير ليالي كان فيها الخطر زي جلد ثاني، بيلزق و ما بينهرب منه.
"بس ما خسرت"، قالت بهدوء.
"بعرف"، همهم. "بس بظن جزء مني لسا مو مصدّق. إنو قدرنا نعدّي. إني أنا قدرت."
التفتت عليه، و عم بتشوف وجهه. "قدرت. إنت اخترت. كل خطوة."
هز راسه شوي، صوته خشن. "كنتي بوصلتي، **ألينا**. قبلك، كنت بس بتحرك لقدام من العادة. ما كنت بعرف شو عم بمشي له."
مدت إيدها، و غطّت فكّه. "طيب خلينا نبنيها. مو بس نعيشها. خلينا نعمل حياة بتحسسنا إنها إحنا."
أومأ، و بلع ريقه بصعوبة. "احكيلي شو بدك."
ترددت. بعدين: "بدي بيت—مو بس مكان، بس شعور. بدي صباحات متأخرة و مكتبات كتب و توست محروق و رقص بالمطبخ. بدي أكتب قصص مهمة. بدي أيام فوضوية، حلوة، عادية. معك."
عيونه ما تركت عيونها. "خالص."
ضحكت، و الدموع قرّصت عيونها. "لسّا ما سمعت الأجزاء الصعبة."
باسها بهدوء. "جرّبي."
أمضوا باقي الصباح ما عم بيعملوا شي—و مع هيك، بطريقة ما، كل شي. طبخوا فطور مع بعض، بطريقة سيئة—**ديمون** حرق البيض، **ألينا** وقعت التوست، و ضحكوا لحد ما بطونهم وجعتهم. بعدين، تمددوا بالشمس على بطانية جنب البحيرة، و عم بيقرأوا و بيمرروا نفس الكتاب بين بعض، و بيسطّروا على السطور اللي بيحبوها.
لما بعد الظهر امتد لذهبي، **ألينا** أخدت دفتر يومياتها. ما كتبت شي من شهور ما كان مرتبط بمواعيد نهائية أو توقعات. هلأ، الكلمات نزلت زي المي من سد مشقق. كتبت عن الحب. عن الحزن. عن **ديمون**. عن حالها.
عن مين صارت.
**ديمون** كان عم بيراقبها من الشرفة، ابتسامة خفيفة عم بتشد شفايفه. هو ما كان بيقاطعها لما تكتب—هو بيفهم هاد الجزء منها هلأ، الطريقة اللي بتختفي فيها و بتعود أكتر امتلاءً.
بحلول الليل، النجوم ظهرت كاملة—متلألئة و حادة، ألمع من ما شافتها بالمدينة.
تمددوا على الرصيف، ملفوفين ببطانية مشتركة، و عم بيراقبوا سما الليل.
"اعتدت أفكر إنو النجوم لحالها"، همست **ألينا**. "بعيدة عن بعض، كل هاد الظلام بينها."
"و هلأ؟"
"هلأ بظن إنهم رُسل. بيذكّرونا إنو حتى المسافة ما بتوقف النور."
مد إيده، و شبك إيديه بإيديها.
"تزوجيني."
الكلمات كانت ناعمة. بالكاد فوق الهمس. بس ضربتها زي صاعقة.
لفت راسها شوي شوي، عيونها واسعة. "شو؟"
"تزوجيني"، كرّر. "مو لأني محتاج احتفال. مو لأني محتاج ورقة. بس لأني بدي كل جزء منك، طول ما بتنفس. بدي صباحات و توست محروق و رقص بالمطبخ. بدي إياكي. كزوجتي. كشريكتي. كبيتي."
الدموع ملأت عيونها، قلبها عم يدق بقوة لدرجة إنه تقريباً بيوجع.
"أيوا"، تنفست. "أيوا، **ديمون**. ألف مرة أيوا."
إيده ارتجفت شوي و هي عم تلمس وجهها. ما كان فيه خواتم، لا فلاش، لا مسرح كبير. بس هم و النجوم و البحيرة عم بتعكس كل هاد.
و كان مثالي.
لأنو بالمكان اللي الخوف كان عايش فيه، الحب نمى—جامح و بلا رحمة و شجاع.
و بهذيك اللحظة، تحت السما اللي ما بتخلص، ما كانوا بس شخصين عم يتعالجوا.
كانوا روحين بيختاروا بعض. مرة تانية. و مرة تانية. و مرة تانية.
للأبد بيبدأوا من هنيك.
بقوا على الرصيف لوقت طويل بعد ما النجوم أخدت مكانها بالسما، الهدوء بينهم مريح و ممتلئ. **ألينا** لسا عم بتخلي إيدها ملفوفة بإيد **ديمون**، إبهامها عم بيفرشي على مفاصيله كأنها عم بتذكّر حالها إنو هاد اللحظة حقيقية. لسا عم تحس صدى كلماته بصدرها—تزوجيني. بسيطة، ثابتة، من غير توقعات.
لا حركات عظيمة. لا جمهور.
بس **ديمون كروس**، عريان و أمين تحت النجوم.
"دائماً كنت أفكر إذا حدا طلب إيدي، رح أحس إني عم بوقع"، قالت بعد هدوء طويل، صوتها واطي و بيرتجف شوي. "بس هاد... هاد بحس إنو هبوط."
لف راسه، عيونه بتلمع بشي أعمق من مجرد عاطفة. "دائماً كنتي الأرض تحت رجلي، **ألينا**. حتى لما كل شي كان عم يحترق."
ابتسمت، و رموشها عم بتترفرف مع المجهود حتى تمنع دموع جديدة. "حتى ما كان عندك خاتم"، ضحكت و هي بتمازحه بهدوء، و بتدفش كتفه.
**ديمون** رفع حاجبه. "بتحبي إني أسرق واحد من المتحف، آنسة **كارتر**؟ أنا لسا متصل."
ضحكت، و الصوت ضوّى الليل زي نار هادية. "ما في سرقات. بس... شي بسيط. شي إحنا."
"بقدر أعمل هاد"، قال. "رح أعطيكي شي حقيقي."
"أنت عندك بالفعل."
تمددوا مرة تانية، البطانية ملفوفة حوالينهم بشدة. الهوا برد، بس الدفاية المشتركة كانت كافية. صراصير الليل بتغرد بالمسافة، و رشات سمكة بتكسر المي كانت بتتردد عبر البحيرة. كل شي عن اللحظة كان معلّق بالزمن—ثمينة، غير مستعجلة، مقدسة.
**ألينا** قطعت الهدوء مرة تانية، أنعم هالمرة. "بتفكر إننا رح نكون مناح فيها؟"
"بإيش؟"
"الزواج. الحياة. كل شي. إنت و أنا بالهدوء."
**ديمون** سكت لثانية، بعدين تحرك حتى يقدر يشوفها بشكل أوضح. "أمضيت حياتي كلها بالنجاة من الضجيج. من الخطط. من الظلال. كنت منيح بالقسوة. بالبرودة. بالتركيز. بس هاد—" لمس خدها، إبهامه بيمشي على جلدها "—هاد الشي اللي بدي أصير منيح فيه. حبّك بالهدوء. مو لاني بعرف كيف... بس لأني بدي أتعلم."
اتكأت على لمسته، و قلبها بيتنفخ بصدرها. "إنت بالفعل."
اتحضنوا تحت النجوم. مو مستعجل. مو جوعان. بس لطيف، بيوجع، ممتلئ بوعود أكبر من الكلمات.
بعدين، بالرجوع جوا الكوخ، **ديمون** ولّع النار بينما **ألينا** تجمعت على الكنبة مع كاسة نبيذ، دفتر يومياتها مستقر على رجلها. اللهب عمل توهج ناعم عبر الجدران الخشبية، و شافته—هاد الرجل اللي كان بيخوف العالم—جاثي قدام الموقد، بيحاول يخرج الدفا من الجمر.
التفت عليها، بيبتسم شوي. "حاسة بعيونك علي."
"بتقدر تلومني؟"، قالت، و هي عم تشرب من نبيذها. "إنت بتطلع زي رجل حطاب سكسي."
**ديمون** ضحك و هو بيوقف و بيتوجه لعندها. "لازم أربي دقن؟"
"أرجوك لأ."
قعد جنبها، و سحب رجلها على رجله. "بتعرفي، ممكن نقعد هون أكتر."
**ألينا** رفعت حاجبها. "للأبد؟"
"إذا بدك."
"بدي. بس كمان... بشتاق للمدينة أحياناً."
أومأ. "لذلك رح يكون عنا الإتنين. مكان فوق، و بيت تحت. ممكن نكتب قوانيننا هلأ."
ابتسمت، و عم بتفكر قديش هاد الإنعتاق غريب و جميل. ما عاد فيه خطر ورا كل خيار، ما عاد فيه حاجة نطلع حوالينا. ممكن نختار هلأ—كيف نحب، وين نعيش، مين نكون.
و بهاد الإنعدام، **ألينا** ووجدت حالها عم بترجع مرة تانية.
هذيك الليلة، بعد ما **ديمون** نام جنبها، **ألينا** طلعت من التخت، و انجذبت للهدوء تبع البحيرة مرة تانية. نزلت لبرا حافية، ملفوفة بكنزته مرة تانية، الهوا بارد على جلدها. النجوم لسا برا، عم بتغمز فوق راسها، و سطح البحيرة بيرتشق زي الفضة.
قعدت على طرف الرصيف و فتحت دفتر يومياتها مرة تانية. الكلمات نزلت منها زي النَفَس.
الليلة، قلت أيوا.
مو لأني كنت محتاجة. مو لأني كنت متوقعة.
بس لأنو حبه هو النوع اللي ما بيطلب شي بس بيعرض كل شي.
لأنو لما بتطلع عليه، بشوف الحياة اللي فكرت إنو ما رح تكون عندي أبداً.
بشوف الأمان.
بشوف الهدوء.
بشوف للأبد.
و لأول مرة بحياتي... ما بخاف منه.
سكرت دفتر اليوميات شوي شوي، و ضغطت كفها على الغلاف كأنها عم بتخلي الكلمات ما تطير. بعدين طلعت على النجوم مرة تانية—هذيك المنارات المضيئة، العنيدة، اللي رفضت تبتلعها الظلمة.
وراها، الكوخ بيتلألأ بدفا.
جواها، **ديمون** نايم.
و بصدرها، شي قوي و ثابت ازدهر—شي اسمه سلام.