أصداء السلطة
المطر كان بينزل بهدوء على القزاز، والدنيا بتبدأ تظلم في مانهاتن، وبتلون الأفق بدرجات البنفسجي والرمادي. ألينا وقفت جنب شباك مكتب ديمون، بتتفرج على المدينة وهي بتاخد نفسها تحت العاصفة. حتى مع غياب أدريان، كانت الدنيا لسه بتحس إنها مش ثابتة. القوة ما بتختفيش، دي بتتنقل. واللي بيتفرجوا علينا من الضلمة دلوقتي، لسه ما أظهروش نفسهم.
ديمون كان ورا مكتبه، وعينه مثبته على كومة الملفات اللي قدامه. الهدوء اللي في الأوضة كان تقيل، مليان أفكار ما اتقالتش. من ساعة ما إمبراطورية أدريان وقعت، الدنيا كانت مش مضمونة - حلفاء الشغل اختفوا، ورجالة أوفياء اتحولوا لناس بتشتغل لحسابها، والصمت بقى أخطر من الضوضاء.
'شركة وهمية تانية ليها علاقة بأدريان،' ديمون همهم، وهو بيخبط على الملف. 'ويبدو إن فيه حد بدأ يصفي الأصول بتاعتها.'
ألينا لفت، وهي قافلة دراعتها. 'ده معناه إن فيه حد بيلقط الأجزاء.'
ديمون رفع وشه عليها، وفكه كان مشدود. 'أو بيحاول. بسرعة.'
هي مشيت ناحية المكتب، وعنيها عمالة تتنقل على الجداول وتقارير المراقبة. 'فاكر إنه ممكن يكون حد نعرفه؟'
'ما أعرفش أفكر في أي حاجة تاني،' هو اعترف. 'كل ما بنتعمق، بنحس أكتر إن أدريان ما كانش بيشتغل لوحده - مش تمامًا.'
الاسم كان متعلق في الهوا زي شبح. أدريان. ميت، بس لسه بيعمل ضلال بتأبى تختفي.
ألينا اتسندت على حافة المكتب، وصوتها كان واطي. 'لازم نعرف مين اللي عليه الدور قبل ما يجوا ياخدونا.'
عنيين ديمون اسودت، وغرايزه في الحماية ظهرت على السطح. 'مش هيلمسوكي.'
'أنا مش خايفة على نفسي،' هي قالت، وهي بتبص في عنيه. 'أنا خايفة على اللي بنيناه. على اللي بنحاول نبنيه.'
لفترة طويلة، ديمون ما اتكلمش. بعدين هو مد إيده في الدرج وطلع فلاش ميموري سودا.
'دي جات الصبح،' هو قال. 'من غير اسم، من غير رجوع. اتحطت عند البوابة تحت.'
ألينا كشرت. 'فتحتها؟'
'خليت بتاع الـ IT بتاعي يعمل عليها مسح الأول للفيروسات. وبعدين، أيوة.' ديمون ركب الفلاش ميموري في اللاب توب بتاعه ولف الشاشة ناحيتها.
ملف فيديو ظهر. ديمون داس عليه، وصورة حبكت للحياة.
الصورة كانت ضلمة، ضلمة زيادة عن اللزوم، بس الصوت اللي طلع كان واضح - أجش، ناعم، واثق من نفسه.
'افتكرتوا إن قتل أدريان هيخلص الموضوع،' الصوت قال. 'بس أدريان كان مجرد الواجهة. العاصفة الحقيقية لسه جاية. انتوا خبطتوا في عملاق نايم، ديمون. ودلوقتي صحي.'
نفس ألينا اتقطع.
الصوت ما كانش مألوف. بس التهديد كان واضح. ده ما خلصش.
ديمون جمد الشاشة، وشه كان قناع من الغضب الهادي. 'مين ما يكون، هما منظمين. استنوا. اتفرجوا. خلونا نفكر إننا كسبنا.'
ألينا حست بتقل اللحظة بتستقر على صدرها. 'هنعمل إيه؟'
ديمون وقف ببطء، والنار المحسوبة في عنيه رجعت. 'هنطلعهم. واحد واحد. ما فيش اختفاء تاني. ما فيش دفاع تاني. هنروح للهجوم.'
'بس لو هما أقوى؟' هي سألت. 'لو الموضوع أكبر من ما كنا فاكرين؟'
هو مشي حوالين المكتب وضم وشها في إيده، وهو بيعدي خصلة شعر ورا ودنها. 'يبقى هنتكيف. وصلنا لمكان بعيد أوي، ألينا. أنا خسرت كتير أوي علشان أتراجع دلوقتي. ومش هخسرك.'
لمسته ثبتها، زي ما كانت بتعمل دايما. حتى في نص عدم اليقين، هو اداها حاجة تتمسك بيها.
برة، الرعد ضرب، عالي وقوي - زي تحذير.
—
في وقت متأخر من الليل، ديمون كلم رجاله اللي لسه واثق فيهم. رجالة وقفوا جنبه حتى لما الدنيا اتغيرت وبقت دم. أوضة الحرب كانت هادية بس بتنبض بالطاقة.
'أكدنا حركات حسابات كتير ليها علاقة بشركات أدريان الوهمية،' ديمون قال. 'الفلوس اتحولت لأماكن بره، مع شركات وهمية جديدة بتظهر بأسماء مستعارة مش معروفة.'
'إيه اللي هنعمله؟' واحد من الرجالة سأل.
'هنتبع الفلوس،' ديمون رد. 'بس أكتر من كده - هنتبع الصمت. مين ما يكون، هما كانوا حريصين. حريصين زيادة عن اللزوم. ده معناه إنهم بياخدوا ترتيبات.'
هو بص حوالين الترابيزة. 'ما فيش استنوا تاني. هنضرب الأول.'
الرجالة هزوا راسهم، والإصرار محفور على كل خط فك.
بس حتى وهما بيخططوا، ألينا ما قدرتش تتخلص من تقيل الفيديو. الصوت. البرودة اللي ورا التهديد. ما كانش مجرد شغل - كان شخصي. في حد عايز يهدم ديمون، حتة حتة.
والمرة دي، هما ما كانوش مستخبيين ورا اسم أدريان.
—
في الساعات اللي جت، البنتهاوس كان عمال يدوش من الاستراتيجيات. اتعملت مكالمات، اتحطت عين على الأهداف الرئيسية، واتعملت شبكة من الفخاخ الرقمية. ديمون اتحرك زي راجل كان هنا قبل كده - اللي يعرف إزاي يحول الضعف لقوة.
بس ألينا كانت شايفاه.
الخسارة.
تقيل إنه يكون دايما خمس خطوات قدام. إنه يعرف إن غلطة واحدة ممكن تحطم كل اللي حاربوا عشان يبنوه من جديد.
لما النور خف وآخر مكالمة تليفون اتعملت، ديمون جه ليها بهدوء.
هي وقفت على البلكونة دلوقتي، المطر وقف خلاص، والهوا منعش بريحة التجديد.
هو لف دراعاته حواليها من ورا، وهو بيدفن وشه في رقبتها.
'هيحاولوا يهدونا تاني،' هو قال. 'بس مش هخليهم.'
ألينا اتسندت عليه. 'ومش هخليك تعملها لوحدك.'
الحرب ما خلصتش. الإمبراطورية لسه تحت الحصار.
بس في اللحظة دي، مع المدينة اللي مفرودة قدامهم، هما وقفوا كواحد.
ما اتهزوش. متحدين.
وجاهزين لأي عاصفة جاية.
—
المطر وقف خلاص، بس البرد اللي في الهوا لسه موجود - نذير بحاجة بتلوح بعيد عن الرؤية.
ألينا نامت على الكنبة دلوقتي، وهي متنية تحت بطانية، وعنيها عمالة تتقلب على الفلاش ميموري اللي ديمون وراهالها بدري. الراجل اللي في الفيديو - الطريقة اللي اتكلم بيها، التهديد المتحكم فيه ورا كلامه - كان محسوب، تقريبا تمثيلي. ما كانش مجرد إنه يسيطر على شبكة أدريان. لأ، ده كان شخصي. وده خلاه أسوأ.
ديمون قعد قصادها، فكه مشدود، وإيديه متشابكة تحت دقنه وهو بيعيد الصوت مرة ورا مرة. مش عشان يلاقي كلمات جديدة، بس عشان يحلل النبرة. الترتيب. كأن كل مقطع هو فتات خبز بتوصلهم للمفترس المستخبي في الضلال.
'أنا سمعت الصوت ده قبل كده،' هو همهم.
ألينا قعدت باستقامة أكتر. 'فين؟'
هو هز راسه. 'مش مباشرة. بس الطريقة اللي بيتكلم بيها... دي طريقة القوة القديمة بتتكلم بيها. إرث. ثروة. غرور مسيطر عليه.'
قشعريرة مشيت في ضهر ألينا. 'يبقى هو حد من ماضيك؟'
'ممكن،' ديمون قال. 'أو حد كان بيتفرج من على الهامش، مستني الإمبراطورية تقع.'
هي فكرت في كل الوشوش اللي دارت حوالين عالم ديمون - الحلفاء، الأعداء، الناس اللي بتضحك بسم بتخرج سموم من بين أسنانها. كتير منهم اختفوا لما سقوط أدريان بدأ. بس ممكن يكون فيه حد فضل مستخبي... مستني اللحظة الصح.
ألينا اتنت قدام. 'ممكن يكون حد من النقابة القديمة؟ حد فوتناه؟'
حواجب ديمون اتكرمشت. 'كان فيه واحد. ممول. هادي. قاسي. ما كانش بيحب الأضواء. كان اسمه لانغستون. بس محدش سمعه من سنين.'
'لانغستون،' ألينا رددت. 'وتفتكر إنه ممكن يكون هو؟'
ديمون هز كتفه، بس كان فيه لمعة في عنيه. 'لو رجع... هو مش بس بينضف بلاوي أدريان. هو بيحاول يبني حاجة منها.'
هي بلعت بصعوبة. 'ده معناه إننا ما خلصناش.'
'لأ،' هو قال. 'إحنا لسه في البداية.'
—
في وقت متأخر من الليل، ألينا قعدت على حافة السرير، وهي بتقلب في كومة من الملفات القديمة اللي ديمون طلعها من أرشيفه الشخصي. كل ما بيبصوا أعمق، الصورة بتبقى مقلقة أكتر. دي مش مجرد شركات وهمية - دي ليها علاقة بشركات أمن خاصة، استثمارات صامتة في تطوير الأسلحة، ضغط سياسي.
مين ما يكون اللي ورا ده مش بس بيرث إمبراطورية أدريان - ده بيكبرها. بيخليها أذكى. أخطر.
ديمون وقف في فتحة الباب، ربطة العنق بتاعته مشدودة حوالين رقبته، وهو بيتفرج عليها.
'تعرفي، لما بنيت عالمي، عملت ده بخطوات محسوبة،' هو قال بهدوء. 'بس ده... ده مختلف. مين ما يكون، هما مش بيبنوا إمبراطورية. هما بيبنوا آلة حرب.'
ألينا قابلت عينه، وصوتها كان واطي. 'وإحنا في مرمى النيران.'
ديمون هز راسه. 'كنا دايما كده.'
هي قامت ومشت له، وهي بتحط إيدها على صدره. قلبه بيدق بثبات تحت كفها، بس هي قدرت تحس بالتوتر اللي جواه. النار. الخوف اللي ما اتكلمش عنه بصوت عالي.
'مش هنهرب،' هي قالت بنعومة.
'ما نقدرش،' هو رد. 'خلاص.'
هو ضمها جنبه، صوابعه متشابكة في شعرها، ولفترة طويلة هما وقفوا هناك، مش زي المليونير اللي بيطارده شبح، والبنت الفضولية اللي قربت زيادة عن اللزوم، بس كشخصين نجوا من كل حاجة كان المفروض تدمرهم.
'كان المفروض أحرق عالم أدريان في اللحظة اللي شفتي فيه هو إيه،' ديمون همس في جلدها. 'بس خليته يعيش. ودلوقتي هو جاي علينا تاني.'
'ما كنتش تعرف،' هي همهمت. 'بس تعرف دلوقتي.'
والمرة دي، هما هيكونوا جاهزين.
—
الصبح اللي بعده جه بسرعة وبرد. فريق أمن ديمون جاب معلومات جديدة - معاملة مشبوهة ليها علاقة بواحد من حسابات أدريان اللي مش شغالة اتعملت برا جنيف. اسم جه معاها.
لانغستون ريد.
عايش. بيشتغل.
وبيكبر.
الميزان بيتغير تاني. القطع بتتحرك في صمت.
وفي مكان ما، في الظلام اللي بيزيد، ملك جديد مستني تاجه.
بس ديمون كروس ما عندوش نية يسلم عرشه.
مش من غير ما يحارب.