رماد وما بعده
ريحة الدخان لزقت في حيطان القصر الحجري بعد ما المعركة خلصت. بره، العاصفة كانت خلصت أخيراً، وتركت وراها هدوء ضبابي غطى الغابة في نوع غريب من السلام. جوه، كان هادي – بشكل غريب. أصوات الرصاص، صوت خطوات الأقدام السريعة، الأدرينالين اللي بيغلي – كل ده تحول لصمت.
ألينا قعدت على حافة كرسي مكسور قريب من المدفأة، صوابعها بترتعش وهي بتضغط قطعة شاش على جبين ديمون. الدم كان مبهدل معبده، حواف الجرح بتغمق بكدمات، بس عيونه كانت مفتوحة، مركزه عليها.
"أنا كويس،" قال تاني، صوته أجش.
"أنت مش كويس،" ردت، نبرة صوتها ناعمة بس حازمة. "بس أنا هاسمحلك تظاهر إنك كويس – دلوقتي."
سمح بابتسامة ضعيفة، وإيده بتمر على إيدها. "أنت أنقذتيني."
ألينا قربت وركزت جبهتها برفق على جبهته. "إحنا أنقذنا بعض."
رومان كان بيمشي ذهاباً وإياباً قريب، وبيخلي صوته واطي وهو بيتكلم مع فريق التنظيف على أجهزة الاتصال. لوسيا وقفت جنب الشباك المقوس، وبتحاول تشوف خط الأشجار حتى دلوقتي. ولا واحد فيهم كان مرتاح بشكل كامل. لسه مش دلوقتي.
فيكتور كان أخدوه. مش ميت، بس متكسر. عليه كدمات. اتقبض عليه.
محستش كأنه انتصار لسه. مش مع تقيل كل حاجة لسه تقيل على كتافهم.
"بافضل أفكر إنه هيهرب،" همست ألينا. "زي ما بيعمل دايماً."
ديمون هز راسه. "هو خلص، ألينا. مالوش مكان تاني يستخبى فيه. مافيش بيادق تانيين يحرّكهم."
عيونها راحت على أرضية الرخام المتشققة اللي لسه الدم كان معلم المكان اللي فيكتور وقع فيه. البقع الحمرا كانت واضحة حتى دلوقتي، بتفكرهم إن كل حاجة قاتلوا عشانها كانت بتمن.
"كان المفروض نقتله،" قالت بهدوء. "بعد كل اللي عمله…"
"أنت مش غلطانة،" قال ديمون. "بس أحياناً العدالة لازم تتشاف عشان الناس تصدق. والمرة دي – هيبوظ في المكان اللي العالم كله شايفه فيه."
كان فيه وقفة طويلة بينهم.
بعدين رومان رجع من مكالمته. "فريق التنظيف هيوصل خلال عشر دقايق. هيخرجونا من الطريق الشمالي. هنكون في الجو قبل شروق الشمس."
لوسيا التفتت ليهم. "لازم نتحرك. تحسباً لأي حاجة."
ألينا قامت من مكانها، وبتساعد ديمون يقوم. هو لسه قوي، لسه ثابت – بس هي شافت الألم اللي ورا عينيه. مش جسدي بس، لكن ألم قديم، عميق. النوع اللي بيضل موجود حتى في النصر.
وهما ماشيين في الرواق الطويل، الذكريات كانت بتطارد كل خطوة. القصر ده كان ساحة معركة، بس كان كمان سجن، مقبرة للحقيقة. ألينا لسه سامعة أصداء تهديدات فيكتور، حاسة ببرودة صوته من أول مقابلة في ظلال حياة ديمون المزدوجة.
بس المكان ده مش هيطاردها تاني.
وقفوا في القاعة الرئيسية، المكان اللي فيه الثريا الكبيرة لسه معلقة، متكسرة وبتلمع.
رومان مد إيده للعبوة الناسفة الأخيرة. "نفجرها؟"
ديمون تردد، بعدين هز راسه.
"تنتهي هنا."
رومان ضغط على المفجر ودار وشه. الانفجار كان بعيد – متحكم فيه – بس قوي. الغبار اتدحرج في الممرات زي تنهيدة راحة. القصر بدأ يتهد.
مابصوش وراهم.
—
العربية كانت بتمشي في الغابة، عجلاتها بتطرطش في الطرق الموحلة مع شروق الشمس اللي بيلون الأفق بالوردي والذهبي. ألينا قعدت بين ديمون ولوسيا في المقعد الخلفي، راسها مستريح على كتف ديمون. هو ما قالش كتير من ساعة ما مشيوا. ولا واحد فيهم قال.
الكلام كتير اللي ما اتقالش. كتير يتبقى يتحس.
غمضت عيونها لحظة. لأول مرة في اللي حست إنها سنين، سمحت لنفسها تستريح. لا جري، لا استخباء. بس دقة قلبها المنتظمة على صدره.
"هنروح فين دلوقتي؟" سألت بهدوء.
ديمون بص من الشباك. "أي مكان إحنا عايزينه."
ألينا ابتسمت بهدوء، وعينيها لسه مقفولة. "أي مكان غير هنا بداية كويسة."
لوسيا مدت إيدها وضغطت على إيدها بلطف. "أنت تستاهلي السلام دلوقتي."
وكذلك ديمون. وكذلك كلهم.
بس ألينا كانت عارفة إن الطريق لقدام مش هيكون سهل. الشفاء عمره ما كان سهل. الثقة هتحتاج وقت عشان ترجع تاني. الندبات – العاطفية والجسدية – هتفضل. بس هما أحرار.
فيكتور فاسيليف سرق سنين منهم. هو لعب دور الرب في حياتهم. بس خلاص.
دلوقتي، يقدروا يبنوا من جديد.
مع بعض.
والمرة دي، محدش هياخده منهم.
العربية وقفت بالظبط في الوقت اللي أول خيوط ذهبية لشروق الشمس كسرت على أفق البلقان. البيت الآمن كان متداري جوه الغابة – ما يتربطش، خارج الشبكة، وهادي بشكل مرعب. كوخ مبني من خشب وحجر صلب، محاط بأشجار مبللة بالضباب، ومحمي بالصمت.
نزلوا في هوا الصبح المنعش، أجسامهم بتوجع، عقولهم تعبانة. ألينا حست باللحظة اللي فيها جزمها لمست الأرض. أرض صلبة. مافيش ممرات فيها دم تاني. مافيش تهديدات بتلوح في كل ضل. مافيش همسات عن فيكتور فاسيليف.
استنشقت ببطء، بعدين أخرجت الزفير أبطأ، وبتبص على نفسَها وهي بتبخّ في الشروق.
ديمون حط إيده بلطف على ضهرها، وهما ماشيين ناحية البوابة. لمسته ما كانتش تملكيه أو حامية. كانت بتثبت. النوع اللي بيقول: إحنا عملناها. إحنا لسه واقفين.
جوه الكوخ، لوسيا أخدت قيادة – بتأمن المحيط، بتفحص الإمدادات، وبتعمل قهوة كأنها فعل من أفعال التحضير للحرب. رومان انهار على كرسي قديم وطلع تليفونه على طول، وكتب حاجة بسرعة. غالباً بينسق مع الناس اللي بينضفوا بقايا إمبراطورية فيكتور.
ألينا غرقت على الكنبة وسحبت بطانية محاكة على رجليها، لسه بترتعش على الرغم من إنها مش بردانة. الأدرينالين كان بيروح، واللي اتبقى كان… أجوف.
"بأفضل أتوقع مكالمة،" همست، وهي بتبص لديمون. "رسالة. أي حاجة. زي إن ده مش خلصان بجد."
قعد جنبها واداها مج قهوة. إيديه لمست إيديها، دافية وثابتة.
"أنا عارف الإحساس،" قال. "أنا قضيت سنين بأبص على كتفي. بخطط للخطوة الجاية. ودلوقتي إن مافيش حاجة خلاص نهرب منها…" سكت. "زي إن جسمي مايعرفش إزاي يوقف قتال."
بصت في عينيه وشافت ده – ضعف خام. القوة اللي كان دايماً بيلبسها من غير مجهود دلوقتي اتنزعت. مش عشان هو ضعيف. بس عشان هو ماعندوش يمثل تاني.
كانوا آمنين.
للوقت الحالي.
"إزاي هنعيش بعد ده؟" سألت، صوتها بالكاد مسموع. "بعد كل حاجة؟"
ديمون رجع لورا وبص على السقف. "بنحاول. يوم ورا يوم. يمكن نبوظها كام مرة. بس بنحاول."
ادت ضحكة نصها ضحكة، نصها شهقة، وحطت راسها على كتفه. "دي أكتر حاجة صادقة سمعتك بتقولها."
"أنت بتطلعيها مني،" قال، وهو بيبوس فوق راسها.
بره، الطيور بدأت تغني. دي كانت أول مرة ألينا لاحظت فيها تغريد الطيور في اللي حست إنه للأبد. كأن الطبيعة استنت الهزيمة عشان تبدأ تاني.
لوسيا دخلت الأوضة، وهي شايلة كوباية القهوة بتاعتها، ونزلت على الأرض، وهي بتفرد رجليها بتنهيدة. "أنا مش عارفة عنكم،" همهمت، "بس أنا بخطط أنام تلات أيام وبعدين ألاقي شاطئ."
رومان شخر من الكرسي. "خليهم أربع أيام. وتأكدي إنها في مكان من غير خدمة شبكة."
ألينا ابتسمت بهدوء. لأول مرة في وقت طويل، هي شافت الناس اللي حواليها مش كجنود في حرب – بس كـ ناجين. تعبانين. عليهم كدمات. بشر.
بعدين، بعد ما لوسيا ورومان راحوا أوض منفصلة عشان يناموا شوية، ألينا وديمون فضلوا على الكنبة. المدفأة كانت بتطق بهدوء، وبتلقي ضوء دافي على الكوخ.
"قولي حاجة،" ألينا قالت، وهي بتكسر الصمت.
ديمون مال راسه عليها.
"لو فيكتور هرب الليلة… لو ما لحقناش عليه… كنت هتفضل مكمل؟ كنت هتقضي بقية حياتك بتطارده؟"
وش ديمون بقى جد. بص على النار للحظة طويلة.
"كنت هطارده لأطراف الأرض،" قال. "مش عشان الانتقام. بس عشان ماقدرش أسمح له يأذي أي حد تاني. بالذات مش أنتِ."
ألينا مسكت إيده، وبتشابك صوابعهم. "عشان كده هو خسر. عشان هو استهان بمدى اللي كنا ممكن نعمله لبعض."
ديمون بص عليها، ابتسامة بطيئة بتنتشر على وشه.
"بالظبط عشان كده."
—
مع حلول الليل تاني على الغابة، ألينا وقفت لوحدها بره الكوخ. القمر كان عالي، النجوم متناثرة في السما زي فوانيس بعيدة.
فكرت في والدتها. في الحياة اللي كان عندها زمان. في البنت الهادية اللي كانت فاكرة إن الصحافة هي الطريقة الوحيدة للقتال من أجل الحقيقة.
دلوقتي هي قاتلت بالمسدسات والسكاكين وأسرار أغمق من أي مقال كانت ممكن تكتبه. وهي لسه هنا.
هي أقوى. أدهى. بس لسه هي.
لما ديمون جه من وراها وحاوط وسطها بذراعيه، هي مالت عليه، وعينيها مقفولة.
"بتفكري في إيه؟" سأل بهدوء.
"بفكر… عايزة أبدأ من جديد. مش أنسى. بس… أبدأ من الأول."
"نقدر نعمل ده،" قال. "أي مكان أنتِ عايزاه."
دارت وشه عشان تواجهه. "معاك؟"
ما ردش على طول. بدلاً من كده، باسها – بطيء، عميق، مليان بالوعد اللي مش محتاج لكلام.
لما انسحب أخيراً، صوته كان بالكاد أعلى من الهمس.
"دايماً."