ماذا يأتي بعد ذلك.
خلصت الحرب، بس السكوت اللي تركته كان بيوجع الودان.
عدّوا أسبوعين من يوم ما تم القبض على فيكتور نايت ونقلوه بطيارة على منشأة اعتقال سرية تحت سلطة دولية. إمبراطوريته كانت بتنهار، وبقايا موالينه كانوا متفرقين، يا إما بيتطاردوا يا سلموا نفسهم. بس بالنسبة لـ ألينا و ديمون واللي نجوا، السلام ما جاش بسهولة.
كان لازم يتَبْنَى. لحظة بلحظة.
القصر اللي في البلقان—اللي كان ساحة معركتهم الأخيرة—كان دلوقتي هادي. الدخان راح، وفتحات الرصاص كانت بتترقّع، وريحة البارود اللي كانت بتخوّف راحت و حلّت محلها ريحة الصنوبر والمطر الناعمة. الجبال، اللي كانت بتبان كأنها حراس صامتين على معركة للبقاء، دلوقتي كانوا بيحسوا إنهم ملاذ آمن.
ألينا وقفت على حافة الإطلالة اللي ورا القصر، متلفلفة بشال صوف سميك، ونظراتها بتتبع الخط المتعرّج للأفق. الضباب الصبح كان بيتحرّك بين الشجر كأنه أشباح رافضة تروح. المنظر كان بياخد العقل، بس قلبها كان تقيل.
اتْفَقَد كتير. اتْغَيّر كتير.
وراها، خطوات بتخرفش بنعومة على الحصى.
"دايما بتلاقي أكتر الأماكن هدوءً"، قال ديمون، صوته واطي، كأنه حنين.
لفّت ببطء، وعرضت عليه ابتسامة تعبانة. "الضجيج قيمته زايدة عن الحد."
جا عشان يقف جنبها، وحطّ دراعه حوالين كتفها. اتّسندت عليه، ولفترة، وقفوا في صمت، وخلوا الريح تتكلّم بدالهم.
"لازم نمشي قريب"، قال ديمون في الآخر. "الإنتربول قرب يخلص تنظيف آخر عمليات فيكتور. رومان بيرتب هويات جديدة لـ لوسيا وأخوها. البيت الآمن في إيطاليا جاهز."
أومأت ألينا ببطء. "وإحنا؟"
ديمون تردد. "ده يعتمد على اللي إحنا عايزينه. اللي إنتِ عايزاه."
السؤال كان معلّق بينهم زي الدخان من نار قديمة. هي عايزة إيه؟
قضت وقت طويل بتطارد الحقيقة، وبتكشف الفساد، وبتسبق الظلال بخطوة. ودلوقتي الوحش اتحبس، الأدرينالين اختفى، ومبقاش فيه إلا أسئلة كانت بتدفنها في البقاء.
خدت نفس. "عايزة أعيش من غير ما أبص ورا ضهري. عايزة أصحى من غير ما أتسايل مين بيتفرج. عايزة…مستقبل."
ديمون لفّها بلطف عشان تواجهه، وإيده على وسطها. "طيب، نبنيه مع بعض."
عينيه—العاصفة والثابتة—مسكت عينيها زي المرساة. لسه فيه ضلمة جواه، بقايا الحياة اللي كان بيعيشها زمان، الأرواح اللي أخدها، الصفقات اللي عملها بالدم والسكوت. بس هي ما خافتوش. خلاص.
لإنها شافت الراجل اللي تحت الدرع—اللي نزف عشانها، واللي حارب عشانها، واللي رفض إن الدنيا تحوّلها لواحدة مش هي.
"أنا خايفة"، اعترفت بهدوء. "مش منك. من اللي جاي."
أومأ. "وأنا كمان."
الحقيقة دي، لما اتقالت بصوت عالي، حسّت كأنها نصر صغير. مش لازم يمثّلوا تاني.
مش لازم يجروا.
رجعوا جوّه القصر، لوسيا قعدت جنب المدفأة، صوابعها متشبّكة حوالين كوباية قهوة سخنة. رومان وقف في آخر الأوضة، بيبص على تقرير ديجيتال بتعبير جامد. التقيل ما راحش عنهم هما كمان—بس كان فيه حاجة جديدة في الجو.
إمكانية.
"جوازات السفر الجديدة وصلت الصبح"، قال رومان لما دخل ديمون و ألينا. "أنا ولوسيا هنمشي الليلة."
ألينا رمشت. "هتروحوا فين؟"
لوسيا هزّت كتفها بخفة. "مكان هادي. كرم عنب، يمكن. كنت بحلم أعيش قريب من أشجار الزيتون وشروق الشمس اللي ما بيجيش معاه ضرب نار."
"تستاهلي ده"، قالت ألينا.
ابتسامة لوسيا كانت خافتة، بس حقيقية. "وإنتِ كمان."
مع الليل، الأربعة شاركوا آخر وجبة مع بعض—بسيطة، دافية، من غير تكلّف. عملوا نخب، مش للنصر، بس للبقاء. للناس اللي خسروهم. للناس اللي رفضوا يبقوا زيهم.
بعدين، بعد ما الهمسات بتاعة الوداع، ومحركات العربيات صوتها ارتفع في الليل، ديمون و ألينا فضلوا في القصر الفاضي.
النار بتطرقع بنعومة وألينا اتلوّت جنب ديمون على الكنبة.
"ممكن نختفي"، قالت. "بس…نبطل نطارد ونبدأ نعيش."
ضغط قبلة على جبينها. "إحنا عملنا كده خلاص. كل حاجة تانية مجرد تفاصيل."
وفي مكان ما، بعيد جدًا عن العاصفة والدخان، حياة جديدة بتستنّاهم—هادية، مجهولة، بس بتاعتهم.
المدينة حسّت مختلفة دلوقتي.
خط الأفق لسه بيلمع بالليل، وبيتوهّج في انعكاسات ذهبية على النهر. بس كان فيه هدوء تحت كل ده، هدوء مش مألوف استقر زي الغبار بعد العاصفة. ألينا مشيت في الحديقة المركزية، متغلفة بمعطف بيج ناعم، ووشاح متعلّق حوالين رقبتها. الربيع بدأ يذيب جليد الشتا، والبراعم بتنقّط فروع الشجر بوعد بالزهور.
كان عدى تلات أسابيع من سقوط فيكتور.
تلات أسابيع من الليلة العاصفة في القصر اللي في البلقان اللي كل حاجة فيه خلصت بعنف—وبداية جديدة اخدت مكانها.
لسه بتسمع صدى الليلة دي. الفوضى، ضرب النار، إيدين ديمون المدمّمة وهو ماسكها كأنها الحاجة الوحيدة اللي مانعاه إنه يغرق في الضلمة. بس دلوقتي، مبقتش بتخاف من الأصوات العالية. دلوقتي، نومها بيجي أسهل شوية.
الشفاء، اتعلّمت، ما بيجيش مرة واحدة. بيجي في لحظات.
زي أول صباح ما مدّتش إيدها على تليفونها من الخوف.
أول مرة بصّت في المراية وشافت قوة بدل الصدمة.
أو الطريقة اللي ديمون بيلمسها بيها دلوقتي—ألطف، أكتر وعيًا. كأنه هو كمان بيتعلم يعيش برّه الظلال.
لقتّه مستني جنب النافورة، وباقة ورد برية في إيد، وإيده التانية محشية بشكل غريب في جيب معطفه الصوفي الكحلي. عينيه نورت لما شافها، وده خلى قلبها يترفرف بالطريقة اللي كان بيعملها دايما—قبل الخطر، وقبل الأسرار.
"حد جه بدري"، ضحكت، وهي داخلة في حضنه.
"ما قدرتش أستنى"، ديمون باس جبهتها، وضغط الورد في إيديها. "توليب. إنتِ قولتي إنهم بيفكروكي بالبيت."
ابتسمت، وهي بتمرر إيدها على البتلات. "بيعملوا."
قعدوا على البنش مع بعض، صوابعهم متشابكة. لفترة، ولا واحد فيهم اتكلّم. المدينة بتزن بهدوء في الخلفية—أطفال بيضحكوا، ناس بتعدي بالعجل، الحياة بترجع.
ديمون بصّ عليها، أثر من عدم الارتياح لسه بيتحرّك ورا عينيه. "عمرك بتفكري في ده؟ في كل اللي حصل؟"
ألينا مالِت راسها، وبتفكر. "بفكر. بس مش بخوف تاني. بس…من وجهة نظر."
أومأ، وفكّه اتوتر. "مش ممكن أغيّر اللي كنت. اللي عملته. الإمبراطورية اللي بنيتها—قد إيه منها تلطّخ بالدم. بس ممكن أتحكّم في اللي بعمله دلوقتي. مين بكون معاكي."
"إنت اتغيّرت خلاص يا ديمون"، قالت بصوت هادي. "مش بين يوم وليلة. مش بالظبط. بس أنا شايفاه كل يوم."
بصّ على إيديهم. "السلطات أعادوا فتح قضايا قديمة. لوسيا ورومان بيساعدوا في فرز المعلومات. إحنا بنسلّم كل حاجة. كل اسم. كل ملف. حان الوقت لتنظيف كل ده."
ألينا ابتسمت بخفة. "إنت بتفكك الإمبراطورية."
رفع راسه. "حِتّة بحِتّة. إحنا بنبني حاجة أحسن."
كان غريب تسمع كده—أحسن. بعد كل اللي مرينا بيه، الأمل حسّ غريب بس مش غير مرحّب بيه.
في وقت متأخر من اليوم ده، رجعوا للبيت—مكان أهدى دلوقتي، مفصول عن المراقبة والأسرار. أوضة الحرب كانت مخلّصة. الممرات مبقتش بتصدّي توتر. وأوضة النوم اللي بالكاد كانوا بيناموا فيها دلوقتي ملاذ، مليان بطاطين ناعمة وريحة ياسمين من الشموع اللي ألينا بتحبّها.
اتلوّت جنب ديمون على الكنبة، وراسها مستقر على صدره وهو بيمسّد شعرها.