شكل إلى الأبد
المدينة كانت بتصحى تحتهم— نور بينتشر على السطوح، صفارات الإنذار بتدوي من بعيد، و صوت حركة المرور الصباحي الخافت بيرتفع زي ضربات القلب.
ألينا كانت واقفة حافية القدمين على أرضية الخشب في غرفة المعيشة بتاعتهم، و في إيدها كوباية قهوة و البليزر بتاع ديمون ملفوف حوالين كتافها. القماش الواسع كان ريحته ريحته هو— كولونيا خشبية، دخان خفيف، و لمحة خفيفة من الجلد. كان بيثبتها بطريقة مفيش حاجة تانية ممكن تعملها.
شافت ديمون و هو داخل، لابس بالفعل بنطلون أسود و قميص أبيض نظيف، الأكمام مرفوعة للكوع. كان شكله قوة متغلفة بالهدوء، بس الحنية في عينيه كانت محجوزة ليها هي بس.
'صحيتي بدري,' قال، و هو بيتحرك علشان يبوسها على جبينها.
'ما عرفتش أنام.'
رفع حاجبه. 'أفكار تانية؟'
'لا.' هزت راسها ببطء. 'أكتر زي... أفكار كتير أوي. أنا ببدا فصل جديد و، لأول مرة، مفيش شرير أهزمه أو سر لازم أكشفه. مجرد صفحة فاضية.'
إيد ديمون انزلقت حوالين وسطها. 'تستاهلي الصفحة الفاضية دي. و تقدري تختاري إزاي تملايها دلوقتي.'
'أنا عارفة,' همست. 'بس بتحس بغرابة. زي ما أكون قضيت وقت طويل أوي في النجاة لدرجة إني مش عارفة ازاي أكون بس.'
ديمون بص عليها شوية، و بعدين أخد المج من إيدها و حطه على الترابيزة. 'تعالي معايا.'
تبعته بره الشقة و إلى المصعد. 'رايحين فين؟'
'هتشوفي.'
—
خلصوا في المرسى، هوا الصباح الباكر منعش على بشرتها. ديمون وداها إلى مركب شراعي صغير— مش زي الترف اللي في عالمه القديم. كان متواضع. هادي. صادق.
'من إمتى و إنت بتبحر؟' سألت، و هي بتضحك نص ضحكة.
'مش بعمل كده. بس رومان علمني الأساسيات. فكرنا نجرب.' طلع على سطح المركب و مد إيده. 'يلا، كارتر. خلينا نشوف لو نقدر نسبق أفكارك شوية.'
ألينا تردد للحظة قبل ما تاخد إيده.
و هما بيخرجوا في المية المفتوحة، المدينة بدأت تدوب ببطء وراهم، و اتحط بدالها الإيقاع المستمر للأمواج و الرياح. الضوضاء اللي في راسها بدأت تهدى.
'عمرك فكرت إزاي ممكن يكون الوضع,' سألت بهدوء، 'لو اتقابلنا في ظروف طبيعية؟'
ديمون بص عليها، و عينيه بتلمع في نور الصبح. 'تقصدي لو كنت مجرد مدير تنفيذي ممل و إنت كنتي المتدربة اللي جابتلي قهوة؟'
ضحكت. 'بالظبط.'
ابتسم. 'لسه كنتي هتجننيني. يمكن أكتر.'
ألينا أخدت الموضوع بجدية. 'كنا هنحب بعض بردو؟'
نظراته بقت جدية، و هي بتنزل على المية. 'أيوة. بس يمكن مش بالطريقة دي. مش بالعمق ده. النوع ده من الحب… بيتشكل في النار. شوفتي أسوأ أجزائي، و ما جريتيش. ده مش عادي.'
صدرها ضاق. 'مش هبدلها. حتى الألم. حتى الخوف. جابني ليك.'
ديمون انحنى، و هو بيمس شفايفها بشفايفه في بوسة حسيتها زي وعد. 'يبقي مفيش حاجة نندم عليها.'
—
وقت ما رسوا بعد ساعات، شعر ألينا كان متشابك من الهوا، و خدودها محمرة. لأول مرة في اللي حسيت إنها للأبد، كانت بتضحك— مش بعصبية، مش بمرارة. مجرد بتضحك.
مشوا طول الرصيف، إيد في إيد، في صمت شوية. بعدين ديمون وقف، و هو بيشدها بلطف لحد ما وشها بقي قصاده.
'أنا شايل ده معايا بقالي شهور,' قال، و هو بيطلع علبة صغيرة من جيبه.
نفسها اتقطع.
'ما كنتش عارف إمتى الوقت المناسب هييجي. كنا دايما في وضع البقاء على قيد الحياة. بس دلوقتي…' فتح العلبة. سلسلة دهب وردي رقيقة بتلمع في النور— بسيطة، أنيقة، بتاعتها أكيد.
'مش محتاج ألعاب نارية أو سطح أو حتى خطاب,' قال ديمون بهدوء. 'أنا بس محتاجك. كل يوم. للأبد. هتتجوزيني، ألينا؟'
بصت عليه، قلبها بينفجر في صدرها، دموع بتنزل بصمت على خدودها.
'أيوة,' همست. 'ألف مرة، أيوة.'
لبسها الخاتم في صباعها و شدها في حضنه. و و هي بتدفن وشها في رقبته، و هي بتتنفسه، ألينا عرفت— ده شكل للأبد.
ممكن ميكونش مثالي.
بس كان حقيقي.
و كان بتاعهم.
الضجيج بتاع المدينة رجع و هما في طريقهم من المرسى، نوع الفوضى العادية اللي كانت سيريالية بعد كل اللي نجوا منه. السنة اللي فاتت كانت دوامة من الخيانات، و سفك الدماء، و الأدرينالين، و ليالي بتوجع لما النوم مكنش بييجي. بس النهارده— النهارده كان مختلف.
في الشقة، ألينا وقفت قصاد المراية، لسه بتتبع السلسلة الرقيقة اللي ديمون لبسهالها في صباعها. الطريقة اللي بتلقط بيها النور، رقيقة و أنيقة— مابترفعش صوتها بالقوة أو الثروة. بتهمس بالتقارب. مكنش خاتم الملياردير اللي الكل بيخاف منه. كان وعد الراجل اللي دخلها لما مفيش حد تاني عمل كده.
ديمون رجع من المطبخ مع كاسين شامبين. 'لينا,' قال، و هو بيديها واحد.
ألينا قربت منه، كتفهم بيلمسوا بعض. 'لللي هييجي بعد كده.'
خبط كاسه بخفة في كاسها. 'لسه عايزة ترجعي المدرسة؟'
هزت راسها. 'عايزة أكمل اللي بدأته. بس مش بالطريقة اللي عملتها بيها قبل كده. عايزة أكتب، يا ديمون. بجد أكتب. قصص مهمة. حقايق مفيش حد عنده الشجاعة يحكيها.'
عينيه دفيوا بإعجاب. 'يبقي ده اللي هتعمليه.'
ترددت. 'و ماذا عنك؟ إيه اللي بيحصل لديمون كروس لما مفيش إمبراطورية يختبي وراها؟'
أخد رشفة بطيئة، و بعدين حط كاسه. 'أنا بعيد بناء. مش نفس الإمبراطورية. حاجة أحسن. أنضف. يمكن جه الوقت إني أبطل أهرب من اللي كنت عليه و أبدأ أبني اللي عايز أبقي عليه.'
'و مين ده؟' سألت، و عينيها فضولية.
بصلها، مباشرة. 'الراجل اللي تستاهليه.'
قلبها رفرف. مش برومانسية بتضحك، بس بيقين بطيء. مدت إيدها و شبكت صوابعها في صوابعه. 'أنت بالفعل كده.'
قضوا باقي المساء على البلكونة، متغطيين ببطانية، بيتفرجوا على نور نيويورك و هو بينور زي اليراع. فهم صامت مر بينهم— مفيش أقنعة تاني، مفيش جري تاني.
بكرة، هيكلموا رومان و لوسيا. هيبدأوا يخططوا لمستقبل، مش مبني على خطط بديلة و بيوت آمنة، بس على استقرار.
بس الليلة، كانوا بس ديمون و ألينا. روحين مكسورين اللي جمّعوا بعض تاني، ببطء، بألم، بشكل جميل.
بعدين، و هما بيلفوا في السرير، ألينا رسمت دواير على صدره العريان، راسها مستقرة على قلبه.
'عمرك بتفكر في ده؟' همست. 'إزاي كل ده ممكن يكون انتهى بشكل مختلف؟'
ديمون مشطلها شعرها لورا. 'كل يوم. بس أنا مبقاش عايش في النسخ دي تاني.'
بصت عليه. 'ليه لا؟'
'عشان عندي دي. و هي الوحيدة اللي مهمة دلوقتي.'
اتباسوا ببطء، بلطف— من غير يأس أو خوف. بس حب.
و هما بيناموا و هما ملفوفين في بعض، المدينة لسه بتنبض بهدوء بره، ألينا أخيرا فهمت السلام ممكن يكون شكله إيه.
مش مثالي.
مش دائم.
بس حقيقي.
و ده كان كفاية.