الفصل 4
زوجة جعفر انطلقت بسرعة وراحت لأبوها. "إزاي هو بالله عليك؟ نقدر نروح نشوفه دلوقتي؟" سألت وصوتها بيرتعش من الخوف. "مانقدرش نروح نشوفه دلوقتي عشان لسه ماخلصوش، أمينة. حيكون تحت العلاج لمدة أسبوعين عشان نشوف إيه اللي حيحصل. دعواتك بس هي اللي يحتاجها، بس إن شاء الله حيكون بخير," طمنها. هزت راسها ببطء حتى لو ماكانتش مقتنعة. "أول ما يخلصوا، حيعلمونا. أنا عايز أدفع الفواتير دلوقتي," اعتذر وراح. بصت أمينة على ظهره وهو بيبعد والدموع اللي كانت كاتماها نزلت بسرعة. إيه اللي كان ممكن يحصل لزوجها لولا الراجل ده؟ حيكونوا ممتنين للأبد.
بعد ما طلعوا جعفر من قسم الطوارئ، غيروا أوضته لخاصة. طلب أبوها من محسن ياخد داليا البيت عشان تجيب أي حاجة يحتاجوها عشان قعدتهم في المستشفى. عمل زي ما قالوله وطلعوا على طريق كوجي. مهما حاول يطمنها، مفيش فايدة. ماقدرش يوصف ألمها بس عرف إنها في حزن عميق.
رجعوا للمستشفى بعدين. أبوها كان لسه معاهم. اشتروا كل الحاجات اللي يحتاجوها قبل ما يمشوا من المستشفى بوعد إنهم حيرجعوا بكرة.
رجع محسن البيت في وقت متأخر بالليل. أميرة كانت على الكنبة بتتفرج على أفلامها، كالعادة. رفعت راسها وابتسمت. "رجعت. أبويا قال لي إنكم مع بعض من بعد الضهر," قالت ورجعت انتباهها للتلفزيون. تنهد وقعد على الكرسي بتاع الاتنين في الوقت اللي هي كانت على الكرسي بتاع التلاتة. كان جعان أوي وعارف إن طلب الأكل مضيعة للوقت ومتوتر.
"مش حتصدقي إيه اللي حصل النهارده," بدأ. الكلام مع مراته كان حيوجع. ده لو أصلا بتديله انتباه. بصت له مبتسمة, "إيه يا حبيبي؟" سألت كأنها حتسمعله. "ودينا صاحب أبويا للمستشفى. منظر عيلته كسرلي قلبي بجد. بس ربنا اللي عارف إيه اللي بيعدوا بيه...." سكت لما حس إن انتباهها بعيد عنه. شخر بهدوء وقام. سابها هناك وطلع السلم على أوضته.
**
لما الكلام ماقدرش يطلع، الدموع نزلت. المفروض الحزن يكون فيه وقار ورصانة، في هي وأمها، بس هي عيطت زي الطفل، بصوت عالي، ومخاط وبكاء مكتوم وماكنتش خجلانة لأن فقدان حد قريب منك أوي، خصوصا الأب، مابيمرش مرة واحدة.
"ماما هو بجد مات؟ بيهزروا صح؟ بابا لسه دخل في غيبوبة، أنا عارفة إنه ما ماتش... لازم تبطلي تغطي وشه، وإلا إزاي حيتنفس؟" ناحت داليا، مصدومة. ماقدرتش تستوعب خبر إن أبوها بجد راح.
إزاي حيعيشوا من غيره؟ ماقدرتش تتخيل الحياة من غير أبوها. "تمام يا داليا. دعواتنا هي اللي يحتاجها مش دموعك، أوكي؟ ربنا يدي له أعلى منزلة في الجنة. إن شاء الله هو في مكان أحسن." حضنت بنتها جامد وهما بيحزنوا سوا.
عيطت داليا لغاية ما ما فضلش جواها حاجة غير فراغ خام بيأكل في اللي جواها زي فار جعان. عينيها كانت محمرة ورموشها تقيلة في محاجرها. جسمها كله كان متدلي زي كل طرف وزنه ضعف اللي كان فيه قبل كدة و مجرد تحريكه كان مجهود بطيء ومؤلم. مابقاش فيه جمال في الدنيا من اليوم ده.
"السلام عليكم," نطق أبوها وهو داخل الأوضة بسرعة. أم داليا رفعت راسها وبصت له. كانت عايزة تبتسم بس الألم اللي فيها كان أكبر من إنها تتحمله. ماقدرتش حتى ترد على تحيته.
"إنا لله وإنا إليه راجعون," تمتم وهو بيبص على الجثة اللي لسه نايمة على السرير. راح للسرير وفتح وش صاحبه عشان يشوف إذا كان ده بجد. بص على وشه، ذكريات كتير بتجري قدامه. جعفر ماكانش بس إنسان كويس من جواه، لكن كمان روحه. كان صاحب كويس. صاحب دايما بيسمع قصصه، صاحب دايما بيموت همومه ويغيرها بفرح. كان صاحب مش حيقدر أبوها ينساه.
غطاه تاني وهو بيهز راسه. إزاي حيبدأ يطمنهم؟ ماقدرش حتى يتخيل إيه اللي بيعدوا بيه في اللحظة دي.
"يا الله," تنهد ولف وشه للأم وبنتها وهما متشبثين في بعض. "أمينة مش عارف حتى منين أبدأ," بدأ بس بعدين تنهد. "أنا ممكن أفهم إزاي بتحسي. وعارفة إنك بتحسي إنه مش لطيف معاكي بس ربنا دايما بيختار الأحسن لينا. ربنا ينور جنة روحه. بالله عليكي اصبري."
ماكانتش بتديله انتباه، ده لو حترد عليه. مسكت بنتها جامد وطبطبت على ضهرها.
أخو جعفر رجع للمستشفى هو و شوية من صحاب جعفر. أخدوه البيت وفي نفس اليوم، أخدوه لبيته الصالح.